من المصاب الخاص إلى المصاب العام

علاء سعد

 

بينما كنت أستقبل يوماً من أيام العزاء لفقدان طفلتنا الوليدة خديجة سائلين الله- تبارك وتعالى - أن تكون ذخراً لنا وشفيعاً في الآخرة، وسابقتنا إلى الجنة إن شاء الله، استيقظت على خبر استشهاد رمز الصمود والبطولة الشيخ أحمد ياسين قائد الإيجابية الإسلامية في زمن الشلل السياسي والعجز الرسمي الكامل، لم يكن الشيخ أحمد ياسين رمزاً عادياً من رموز العزة الإسلامية في زمن الذلة والانكسار، ولم يكن حلقة من حلقات السلسلة الذهبية للقيادات الإسلامية الفذة عبر التاريخ، لم يكن مجرد حفيد بار من أحفاد ابن الخطاب وابن العاص وابن الجراح وصلاح الدين وعز الدين القسام، لكنه كان البطل الذي قهر الشلل وكشف الأشلّاء، لقد كان الشيخ البطل أحمد ياسين يتحدى الشلل الجسدي وهو مشلول الجسد فاقد البصر بإحدى عينيه ضعيفه بالأخرى، ضعيف السمع، هذا البطل لم يستسلم لحالته الصحية التي عذره الله -تبارك و تعالى - إذ يقول: ((ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما)) الفتح 17، لقد تحدى الشلل ولعلي أسمعه الآن يردد قول الصحابي الكريم عمرو بن الجموح وكان أعرج شديد العرج في غزوة أحد: والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة[1]..

ولم يرض الشيخ البطل أن يظل أسير كرسيه المتحرك، بينما يرضى غيره من أصحاء البدن أن يعيشوا حياتهم أسرى كراسيهم المطرزة، وتحدى الشلل والعجز الرسمي الإسلامي والعربي وكشف هذا العجز المخزي، وفضح الشلل الذي شل حركة هؤلاء القادة، فلقد قدم عبر حياته كلها ومماته الكريم، مفارقة واضحة شاهدة على أن الشلل إنما هو شلل الإرادة والعجز إنما هو عجز الروح، والضعف إنما هو ضعف الإيمان والقلوب، والخور إنما هو خور العزيمة، لقد امتلك الشيخ البطل كل هذه المقومات التي جعلته رمزاً بطولياً فوق العادة، لقد أبدله الله- تبارك و تعالى - بنور إحدى عينيه نور البصيرة فكان يرى بوضوح وعمق رؤية وبعد نظر أبعاد القضية الفلسطينية وسبل الحل الذي يعمى آلاف المبصرين عن رؤيتها بهذا الوضوح وذلك العمق، لقد أراد الله- تبارك و تعالى - أن يضعف بصره حتى لا يسمع ما يتردد عن مبادرات الإستسلام، ودعاوى السلام والتطبيع، لقد تحدى الشيخ البطل الشلل بكل معانيه وصوره و أشكاله المادية منها والمعنوية الجسدية منها والنظامية، وأثبت أن الروح وحدها هي التي تحلق بالأبطال في السماوات العلا

الروح ستشرق من غدها وستلقى الله في موعدها

وبفضـل الله ورحمتــه فسـيكرم ربي موفدها

وسـيرفع ربي إن قتلت في حب الله مـحامـدها

  إن المصاب العام الجلل الذي أصاب الأمة الإسلامية كلها قد أسقط أي اعتبار في المصاب الخاص البسيط، لقد أسقطنا العزاء في فقدان الطفلة الصغيرة، فاليوم يوم العزاء في الشهيد البطل شهيد الإسلام وبطل الأمة ورمز العزة والإيجابية، ولا عزاء للأمة إلا بعد أن يكون الرد مزلزلاً عملاقاً.. رد على مستوى العمل الصهيوني النذل، رد يثبت أن دماء الشهيد البطل قد دقت المسمار الكبير والحاسم في نعش الدولة الصهيونية كلها..

لا وقت أثناء المعركة المتواصلة لقبول العزاء في الشهيد، إنما يكون العزاء عقب المعركة ولن تضع الحرب أوزارها حتى يتم اقتلاع هذا الكيان السرطاني الخبيث من قلب الأمة الإسلامية..

 

----------------------------------------

[1] - رواه ابن هشام 2/193

مارس 23، 2004

 

 

http://www.elbehira.com                                    المصدر: