باكستان تدفع ثمن انصياعها للضغوط الأمريكية:

 تصاعد المواجهة مع القبائل البشتونية يهدد مستقبل مشرف

عبد الله صالح

27/07/2004

صعدت القوات الباكستانية ملاحقاتها الأمنية للمقاتلين الأجانب علي أراضيها، ممن وصفتهم بأنهم على صلة وثيقة بتنظيم القاعدة، وذلك إثر ضغوط متزايدة مارستها الولايات المتحدة على باكستان في الآونة الأخيرة، حيث اعتقلت سلطات الأمن الباكستانية مؤخراً 26 شخصاً زعمت أنها وجدت بحوزتهم أسلحة ومتفجرات وأجهزة اتصالات، وأن من بينهم بعض المطلوبين لصلاتهم بتنظيم القاعدة، وقد تمت عملية الاعتقال بعد تبادل لإطلاق النار استمر عدة ساعات بين قوات الأمن والمجموعة المسلحة، أسفر عن مقتل تسعة جنود من القوات الباكستانية وسبعة مقاتلين أجانب.

وكانت الحكومة الباكستانية قد نشرت أكثر من 70 ألف جندي وأفراد ميليشيا باكستانيين في أنحاء المناطق القبلية الباكستانية وبمحاذاة الحدود مع أفغانستان، بناء على طلب تقدمت به الولايات المتحدة لمنع تسلل المقاتلين الأجانب وعناصر تنظيم القاعدة، كما قامت القوات الباكستانية بتنفيذ عدة حملات عسكرية، تركزت معظمها في وزيرستان، اعتقلت خلالها أكثر من خمسمائة شخص، وسلمتهم للولايات المتحدة.

أولى هذه الحملات الرئيسية تمت في 22 يونيو 2002 بمنطقة "أزام وارساك" جنوبي وزيرستان، حينما شنت القوات الباكستانية هجوماً ضد بعض المشتبه في انتماءهم لتنظيم القاعدة أسفر عن مقتل 11 جندياً من القوات الباكستانية، وستّة مقاتلين شيشانيّين وأوزبكيّين، في حين تمكن نحو خمسين مقاتلاً أجنبيّاً من الهرب.

وقبل تلك العملية كانت قوّات الأمن الباكستانيّة قد اشتبكت في20 ديسمبر 2001 مع مجموعة تضم 60 مقاتلاً أجنبياً أثناء عبورهم الحدود الباكستانية قادمين من أفغانستان، وقد اقتيد المقاتلون للسجن، ولكنهم تمكنوا من اختطاف بعض البنادق داخل السجن، واندلع تبادل لإطلاق النار بينهم وبين قوات الأمن، نجم عنه مقتل 13 شخصاً، ستّة من قوات الأمن، بالإضافة إلي سبعة مقاتلين أجانب، في حين تمكن الباقون من الهرب.

وقد فشلت عمليّة 22 يونيو بسبب المساندة القوية من جانب رجال القبائل البشتونية المتعاطفين مع نظام طالبان والمقاتلين الأجانب، والذين يشعرون بالغضب الشديد تجاه الولايات المتحدة بسبب قيامها بغزو أفغانستان، وعندما قامت القوّات المسلّحة الباكستانية بعدة حملات للقبض علي بعض أعضاء تنظيم القاعدة الهاربين في مناطق وزيرستان القبلية، تحول غضب هذه القبائل نحو الحكومة، وخاصة قبيلة "ميهسود" التي وفرت المرور الآمن للمقاتلين الأجانب، ووقفت في وجه القوات الباكستانية، وقد حذر شيوخ القبيلة القوات الباكستانية من تكرار حملتها العسكرية، وقالوا: إنهم سيعتبرون أي تحرك لهذه القوات في منطقة القبائل بمثابة إعلان للحرب عليهم.

في 27 يونيو 2002 بدأ عدد من قادة الجيش الباكستاني في التفاوض مع مجلس شيوخ القبيلة، واتفقوا معهم على التشاور قبل القيام بأي حملة عسكرية ضد المقاتلين الأجانب وعناصر من تنظيم القاعدة، بحيث يكون لرجال القبيلة الدور الرئيس في تسليم العناصر المطلوبة للحكومة الباكستانية، على أن تتدخل القوات الباكستانية فقط في حالة فشل رجال القبيلة في تسليم العناصر المطلوبة، ورغم ذلك فقد استمرت القوات الباكستانية في تنفيذ حملات مداهمة واعتقال للأجانب، ورغم إعلان رجال القبيلة عن غضبهم تجاه تدخلات قوات الأمن فإنهم لم يقاوموا هذه القوات.

لكن الحكومة الباكستانية خرقت اتفاقها مع رجال القبيلة بشكل سافر وبدون أيّ تحذير عندما قامت في 2 أكتوبر 2003  بعملية إنزال جوي لنحو 2500 من قوات الكوماندوز يدعمهم 12 مروحية مقاتلة، وقد انطلقت بعض المروحيات من إحدى القواعد الأمريكية عبر الحدود مع أفغانستان، وقد أسفرت هذه العملية عن مقتل 31 جنديّ باكستاني و13 مقاتلاً أجنبيّاً، وعدد من رجال القبيلة، في حين تمكن عدد كبير من المقاتلين من الهرب، وقد خلفت هذه العملية استياء عميقاً ضدّ الجيش الباكستاني الذي أصبح مستهدفاً بصفة مباشرة من جانب المقاتلين الأجانب، ورجال القبائل البشتونية الذين أصبحوا يعتبرون الجيش الباكستاني والقوات الأمريكيّة عدواً واحداً.

وفي 24 فبراير من العام الجاري شن الجيش الباكستاني حملة عسكرية ضد رجال قبيلة "ميهسود" بدعوى مساندتهم للمقاتلين الأجانب، وإيواء الهاربين من تنظيم القاعدة، وخلال هذه الحملة شوهدت المروحيات الأمريكية تحلق بوضوح، وتشرف على الأعمال العسكرية، وقد اعتقل خلال هذه الحملة خمسة وعشرون شخصاً، ولكن الحكومة أطلقت سراحهم جميعاً، حيث لم تجد من بينهم أياً من المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة، ومنذ ذلك الوقت فقد الجيش الباكستاني أرضيته السياسية والأخلاقية في وزيرستان، وأصبح رجال القبائل يعارضون أي نشاط للجيش، الذي أصبحت قواعده ومركباته وحصونه أهدافاً مباشرة للمقاتلين الأجانب.

وقد أعلن الجنرال برويز مشرف أن عدداً من زعماء تنظيم القاعدة الكبار ومن بينهم أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري يختبئون في المناطق القبلية في وزيرستان، كما اعترف مشرف ولأول مرة بوجود المسؤولين الأمريكيين في وزيرستان، وبدعم المخابرات الأمريكية لقوات الأمن الباكستانية.

ومن جهة أخرى فقد اعترف قائد الجيش الأمريكي في أفغانستان "ديفيد بارنو" أن القوات الأمريكية كانت تحدد الأهداف للجيش الباكستاني، وهو الأمر الذي أقنع رجال القبائل البشتونية أن الجيش الباكستاني في وزيرستان يخدم المصالح الأمريكية بالأساس، وفي هذه الأجواء شن الجيش الباكستاني هجوماً جديداً في 16 مارس استمر عشرة أيام، وأسفر عن مصرع بضع مئات من الجنود الباكستانيين ورجال القبائل، وطبقاً لمصادر في الجيش الباكستاني فإن نحو خمسمائة جندياً باكستانياً قد أعلنوا استسلامهم، إما لأنهم تعرضوا لهجوم شديد من رجال القبائل والمقاتلين الأجانب، أو لأنهم رفضوا أن يرفعوا السلاح في وجه مواطنيهم من سكان القبائل البشتونية، وكانت هذه هي المرة الأولي في تاريخ الجيش الباكستاني التي يرفض فيها الضباط والجنود أوامر القادة بإطلاق النار على المواطنين الباكستانيين.

وقد تركت هذه العملية آثاراً سلبية عميقة، خاصة مع قيام الجيش باعتقال العديد من المدنيين والأطفال، وقيام خمسمائة من طلبة العلم بإصدار بيان اعتبر ضحايا هذه العملية شهداء، وحذر الموطنين من الصلاة على الموتى من الجنود الباكستانيين، وهو الأمر الذي شكل صفعة قوية للجيش الباكستاني، وأدى إلي دعم مركز القبائل في مواجهاتها مع الحكومة.

وقد قامت القوات الباكستانية خلال الشهر الماضي بشن هجوم كبير علي معقل المقاتلين الأجانب في وزيرستان، ولكن هؤلاء المقاتلين ردوا عليها بشراسة، وتمكنوا من اختطاف عدد من قوات الكوماندوز، وهو ما دفع الجيش للرد علي ذلك بحملة عسكرية أخرى، تمكنت خلالها من اغتيال "نيك محمد" الزعيم الإسلامي الذي يتمتع بشعبية واسعة في باكستان، واعتقد الجيش أنه بمقتل محمد يكون قد حقق نصراً كبيراً لكن برويز مشرف يدرك جيداً أن "نيك محمد" ليس إلا واحداً من زعماء الجهاد الذين يقدر عددهم بالمئات في باكستان، كما يدرك أيضاً أن تحقيقه لمزيد من الانتصارات في هذا السياق سيواجه بمقاومة شديدة من جانب القبائل البشتونية، وهذا بالضبط ما تضغط الولايات المتحدة على باكستان لكي تفعله من خلال هجوم عسكري كبير خلال الفترة المقبلة.

ولاشك أن انصياع الحكومة الباكستانية التام للضغوط الأمريكية، وقيام برويز مشرف بتوريط الجيش في قتال القبائل البشتونية، وسماحه للقوات الأمريكية بالمشاركة في الحرب ضد القبائل يضعف هيبة الجيش، باعتباره الدرع الواقي للبلاد، ويزيد من أزمة الشرعية التي تواجهها الحكومة بسبب الرفض الشعبي لتعاونها مع الولايات المتحدة، فضلاً عن تأثير هذا القتال على مستقبل برويز السياسي خصوصاً أنه تعرض في الأشهر الماضية للعديد من عمليات الاغتيال، وبدأت تتصاعد ضده اتهامات بالعمالة لأمريكا.

كما أن هناك مخاوفاً من اتساع نطاق العنف الذي أصاب الحكومة الباكستانية بالرعب، وهذا ما ظهر في تصريحات الرئيس مشرف، حيث أبدى مخاوفه من اتساع أعمال العنف، ولكن مشرف أكد رغم ذلك أنه لن يتراجع عن ضرب ما أسماه بالمجموعات الإرهابية في العمق، ولكن هذا التشدد من جانب مشرف لا ينفي أن هناك سعياً حكومياً للتهدئة مع القبائل، وهو ما ظهر في تصريحات مسؤولين حكوميين باكستانيين من أن هذه العمليات تستهدف التجمعات "الإرهابية" وليس مناطق القبائل، كما أن لجوء خليفة نك محمد "حاجي محمد عمر" إلى المرونة، وتأكيده على رغبته في التفاوض مع الجيش يعزز من احتمال وجود مفاوضات سرية للتوصل إلى حلول للأزمة التي قد تصل إلى حد وقوع تمرد قبلي شامل على القوات المسلحة الباكستانية، وقد يؤدي طول أمد عمليات الجيش ضد القبائل إلى حدوث انقلاب عسكري ضد مشرف في ظل وجود صلات سياسية قوية بين أجنحة في الجيش والقبائل، وحالة من الغضب داخل الجيش من تبعية مشرف للأمريكان.

المصدر   :         http://www.alasr.ws/index.cfm?fuseaction=content&contentid=5550&categoryid=16