كيف يتعامل المسلمون مع مصرع القادة والرموز ؟
علاء سعد
لقد فقدت الأمة الإسلامية باستشهاد الشيخ المجاهد البطل أحمد ياسين رمزا من رموز الصمود وعلما من أعلام الجهاد وقائدا عظيما من طراز القادة الكبار الذين أوقفوا حياتهم على دين الله ولنصرة دين الله، ومع هذا الفقدان المؤثر الحزين، فإن الأمة الإسلامية لا تموت بموت أبطالها وقادتها ورموزها، الأمة الإسلامية تقوى بتلك الدماء الطاهرة الكريمة، فقضية الأمة الإسلامية ليست قضية أشخاص وليست قضية مرتبطة بأشخاص مهما مثل هؤلاء الأشخاص من أهمية نادرة، لقد علمنا الإسلام أن المبادئ فوق الأشخاص، وأن المنهج فوق القادة وأن الدين نفسه فوق الرموز، فيقول الله تبارك و- تعالى - (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران 144..
ولقد قابل الصحابي الجليل أنس بن النضر المسلمين يوم أحد وهم قد قعدوا عن الجهاد وقد شعروا بشيء من الإحباط نتيجة ما تردد من إشاعة مقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال موضحا أن رسول الله إنما هو نبي الله وعبده فإن مات أو قتل فإن ربه لن يموت، فقال لقومه: ما تنتظرون؟، قالوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين[1]..
ولم يكن هذا الفهم الراقي المرتبط بالمنهج الذي يدور مع الدين والرسالة ولا يتوقف دورانه مع صاحب الرسالة فقط مقصورا على أنس بن النضر، ولكنه كان فهما عاما لكثير من أصحاب الفهم والإيمان، فهذا ثابت بن الدحداح ينادي قومه: يا معشر الأنصار إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله ناصركم ومظفركم[2]..
ومر رجال من المهاجرين برجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقالوا يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم [3]..
لقد كان هذا الفهم الثابت الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم بأن الدين فوق كل شيء، وأن الله الواحد الأحد فوق كل أحد، كانت تلك المواقف الرائعة من الثبات والمضاء على الطريق طريق النبي محمد، كانت كلها قبل أن ينزل قول الله تبارك - تعالى - معقبا على الغزوة: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)، فلما نزل قول الله كان تأكيدا على هذا الفهم العميق والوعي الثابت لدى الصحابة رضوان الله عليهم..
وهكذا كان موقف أبي بكر الصديق عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ راعه جزع الناس وذهولهم فوقف يخطب فيهم: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت ثم تلا قوله - تعالى -: (وما محمد إلا رسول) الآية، فتلقاها منه الناس كلهم[4].. فالمنهج في الإسلام فوق الأشخاص ولو كانوا قادة أو رموزا، وقضية فلسطين لم تكن قضية الشيخ أحمد ياسين وحده وإن نذر الشيخ حياته لها وأوقفها عليها لكن قضية فلسطين هي قضية أمة، وقضية تاريخ، وقضية تراث وقضية دين.. قضية فلسطين هي قضية المسلمين، وستظل قضية المسلمين جميعا ولو استشهد أحمد ياسين ورفاقه جميعا، فإن كان الشيخ ياسين قد مات أو استشهد، فإن جرح الأمة النازف لن يموت..
فإن الشهيد يسقط مدرجا بدمائه ولسان حاله يردد مع الشاعر الشهيد قوله:
فإن أنا مت فإني شهيد وأنت ستمضي بمجد جديد
فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرقبنا من جديد
من أجل هذا لم يكن الإحباط ولا الذهول ولا القعود ولا الانكسار صفة من صفات المؤمنين الصادقين الذين يثقون بنصر الله - تعالى -، إن الأمة الإسلامية ممتلئة بالطاقات الإيمانية المذهلة، وبعض هذه الطاقات الجبارة في انتظار المحرك القوي الذي يحرك قوى الإيمان الكامنة في قلوبها لتنطلق إلى آفاق عظيمة، وإن دماء الشيخ الطاهرة التي أريقت على أرض الإسراء بعد صلاة الفجر في بيت من بيوت الله - تعالى - تبقى أقوى محرك لتلك الطاقات الإيمانية ليعلم الصهاينة ومن ساندهم أن القضية ليست قضية أحمد ياسين، ولكنها قضية دين لا يموت، وحق لا ينقلب إلى باطل ولو طال عليه الزمن، لأن الحق المقدس لا يمكن أن يسقط بالتقادم..
----------------------------------------
[1] - الرحيق المختوم للمباركفوري ص 263
[2] - السيرة الحلبية 2/22
[3] - زاد المعاد 2/96
[4] - صحيح البخاري
مارس 23، 2004