اغتيال الشيخ ياسين : اليأس الصهيوني في متاهته
لماذا فعل شارون فعلته الشنعاء هذه؟ وما مغزى إعلان النظام الصهيوني أن "موسم الصيد" قد بدأ، بمعنى أن جيش الاحتلال الصهيوني سيصعّد من عمليات اغتيال القيادات السياسية والثقافية والعسكرية للشعب الفلسطيني؟. ولماذا بدأ "الموسم" في هذا الوقت تحديداً باغتيال الشيخ ياسين، الذي كانت تحركاته معروفةً للجميع منذ أمد بعيد؟ وماذا يعني اتساع قائمة الاغتيالات لتشمل الرئيس عرفات نفسه، وعبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهَّار (من حركة "حماس") وعبد الله الشامي (من حركة "الجهاد") وأبو قُصي (من"كتائب شهداء الأقصى")؟ هذه بعض الأسئلة التي تطرحها الجريمة الصهيونية الأخيرة، والتي يجب التأمل في أسبابها ودوافعها المتعددة والمتداخلة. ويمكن هنا التوقف أمام عدد من الدلالات الواضحة:
أولاً: يُعد القضاء على النخب السياسية والثقافية لحركات المقاومة هدفاً أساسياً على الدوام للقوى الاستعمارية. فقد اغتال النازيون آلاف المثقفين في بولندا، فضلاً عن أعداد كبيرة من القيادات العسكرية. ولاشك أن الصهاينة تعلموا الدرس من النازيين. فاغتيال الشيخ ياسين ينضوي تحت هذا النمط، حيث اغتيل قادة آخرون من قبل، من أمثال غسان كنفاني، وكمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار، وأبو إياد، وأبو جهاد، و"المهندس" يحيى عياش، وأبو علي مصطفى وغيرهم كثيرون. ومع ذلك، فإن اغتيال الشيخ ياسين يُعتبر تصعيداً نوعياً وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء.
ثانياً: يود شارون توجيه رسالة لليمين الصهيوني، الذي يشكل قاعدته الانتخابية والجماهيرية الحقيقية، مؤداها أن انسحابه من غزة لا يعني مطلقاً الاستسلام للفلسطينيين.
ثالثاً: لا تزال تجربة لبنان تلاحق قادة الجيش الإسرائيلي وهم يعملون على ألا يكون الانسحاب من غزة مثل الانسحاب من جنوب لبنان. فهم يرون أن الجيش الإسرائيلي لابد أن ينسحب وهو يشعر بأنه منتصر، بينما تنشغل حركة "حماس" بالدفاع عن نفسها وقد أصبح ظهرها إلى الحائط، كما صرح أحد المعلقين في إذاعة الجيش الإسرائيلي.
رابعاً: نُفذت عملية الاغتيال في إطار سياسة البطش التي رسمها شارون لنفسه، والتي تنطلق من تصور أن "ما لا يُؤخذ بالقوة يُؤخذ بمزيد من القوة"، وهي امتداد لفلسفة الجدار الحديدي التي طورها فلاديمير جابوتنسكى، الأب الروحي والفكري لليمين الصهيوني، الذي انطلق من تصور بسيط وبديهي مفاده أنه لا يوجد شعب تنازل عن أرضه طواعية لشعب آخر، ولذلك فلا يوجد أمام المستوطنين الصهاينة من حل سوى الضرب بيد من حديد على السكان الأصليين إلى أن يقتنعوا بأنه لا مفر من الإذعان وقبول الأمر الواقع.
خامساً: لا يمكن للوجدان الصهيوني أن يقبل بأن الفلسطينيين شعب لهم حقوق في وطنهم، وأن ما يقومون به هو فعل مقاومة مشروع. فالصهاينة يرون الفلسطينيين باعتبارهم أشياء أو رعاعاً أو مجموعات بشرية غير مترابطة ليست لها أية طموحات قومية محددة. وانطلاقاً من هذا يرون أن المقاومة الفلسطينية هي من "فعل فاعل" و"مهيج خارجي". ففي بدايات القرن الماضي وصف إسحاق بن تزفي، الذي تولى رئاسة الدولة الصهيونية فيما بعد، المقاومة العربية بأنها مذبحة حرَّض عليها قنصل روسيا في فلسطين. وعندما اختفى القنصل الروسي بعد الثورة البلشفية، كانت القيادة الصهيونية ترى عملاء إنجلترا ثم عملاء فرنسا في العشرينيات، وعملاء ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في الثلاثينيات، كمحرضين على الثورة، ثم زعموا أن المسيحيين العرب هم الذين يحضّون على الثورة. وفي الأربعينيات، أصبحت سلطات الانتداب والإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين هي المحرك الرئيسي لثورة الفلاحين الفلسطينيين، حسب الرؤية الصهيونية. وفي هذا الإطار الإدراكي يمكن الزعم بأن المسؤول عن الانتفاضة هو عرفات أو زعماء الحركات الإسلامية أو هذا الشخص أو ذاك، وأن التخلص منهم يعني القضاء على المقاومة.
سادساً: يتصور الصهاينة أن اغتيال الشيخ ياسين سيضعف السلطة الفلسطينية وسيعمق التناقض بينها وبين حركات المقاومة الإسلامية، مما يؤكد مقولة شارون بأنه لا وجود لشريك فلسطيني للتفاوض معه.
سابعاً: يُعتبر اغتيال الشيخ ياسين اغتيالاً في الوقت نفسه لخريطة الطريق ولأية محاولة للتوصل إلى تسوية من خلال المفاوضات، كما أنه يدمر محاولات تدويل القضية الفلسطينية، ولابد من النظر إلى هذا كله في سياق محاولة شارون لفك الارتباط من جانب واحد.
ثامناً: تهدف عملية الاغتيال إلى تحذير كل القادة الفلسطينيين بأنهم سيلقون مصيراً مماثلاً إن لم يكفوا عن المقاومة، كما تهدف إلى إذلال الشعب الفلسطيني وكسر شوكة المقاومة بإظهار مدى قوة العسكرية الصهيونية.
تاسعاً: وأخيراً فإن تنفيذ عملية الاغتيال عشية القمة العربية هو رسالة واضحة للشعب العربي ولقياداته، مفادها أنه لا مجال أمامهم سوى الإذعان لمفهوم "السلام" الإسرائيلي، الذي يعني في واقع الأمر قبول دولة فلسطينية مقطعة الأوصال، وقبول المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير الذي تشكل إسرائيل مركزه.
والملاحظ أن شارون لم يكتف بإعلان مسؤوليته عن عملية الاغتيال بل تباهي بها وأكد أنه أشرف عليها شخصياً، وهو ما دعا رئيسة كتلة "ميرتس" في الكنيست إلى القول إن شارون لم يتصرف كرئيس وزراء وإنما باعتباره قائد "الوحدة 101" (وهي الوحدة التي كانت تقوم بمهام خاصة قبل عام 1967 مثل الاغتيالات والمذابح ضد المدنيين الفلسطينيين، كما حدث في مذبحة قلقيلية وغيرها). وحذر بعض النواب المعارضين في الكنيست من أن عملية الاغتيال دليل على أن الحكومة الحالية في إسرائيل فقدت صوابها تماماً، وأنها ستؤدى إلى فوضى كاملة.
وقد استنكر الرأي العام في جميع أنحاء العالم هذه الجريمة، ووجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها مضطرة للتعبير عن استنكارها في عبارات صريحة وواضحة، على غير عادتها، حيث اعتبرت عملية الاغتيال انتهاكاً للقوانين الدولية وأقرّت بأنها ستنسف محاولات السلام.
أما الولايات المتحدة، فكان الأمر مختلفاً معها تماماً. فقد أكد المتحدثون الرسميون الأميركيون مقولتهم الأساسية وهي أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإرهابية، أي أن الاحتلال الصهيوني على الضفة الغربية وغزة ليس احتلالاً (ومن هنا مغزى استخدام مصطلح "أرض متنازع عليها" disputed territory في التصريحات الأميركية)، وأن المقاومة الفلسطينية ليست مقاومة للاحتلال وإنما إرهاب ضد المدنيين الأبرياء! وأنكرت الولايات المتحدة علمها مسبقاً بالعملية، وهو أمر يصعب تصديقه، فلا يمكن تصور أن الدولة الصهيونية تقدم على عملية من هذا النوع دون الحصول على الضوء الأخضر من إدارة بوش. ثم طلبت الولايات المتحدة من الطرفين ضبط النفس، وكأن القاتل والضحية متساويين.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن سلاح الطيران الإسرائيلي تسلم منذ أسبوعين تقريباً أول طائرتين من صفقة طائرات يبلغ عددها 100 طائرة، من طراز 16 F، ولكنها معدَّلة ولهذا تُسمى F16 1 ويُطلق عليها بالعبرية اسم "صوفا" (أي العاصفة)، وستكون بمثابة العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي. ويبلغ مدى هذه الطائرات 1500 كيلومتر دون توقف للتزود بالوقود، مما يجعلها قادرة على الوصول إلى أي مكان في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأهداف النووية في إيران، كما أنها مزودة بمعدات مركبة ومتقدمة ترفض إسرائيل الكشف عن طبيعتها (هل هذا إعداد لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير؟)، وتبلغ تكاليف الصفقة 4. 5 مليار دولار، ستدفعها إسرائيل من المعونة التي تقدمها لها الولايات المتحدة. وبإتمام الصفقة، سيصبح لدى سلاح الطيران الإسرائيلي 100 طائرة من طراز F16 المعدل، و230 طائرة مقاتلة من طراز "فولكون"، مما يجعله أكبر سلاح جوي في العالم بعد الولايات المتحدة. وقد يكون من المفيد تذكير من يتحدثون عن الولايات المتحدة باعتبارها "وسيطاً محايداً" أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين نُفذ بطائرات إسرائيلية من طراز أباتشي الأميركية.
والله أعلم.
27-3-2004