في محاولة لنقد خطاب العولمة

د. سالم آل عبد الرحمن

 

على الرغم من مظاهر الاتفاق والتعاون المكثفة بين الولايات المتحدة وأوربا في المجالات السياسية والاقتصادية إلا أن حدة التنافس بين أوربا مجتمعة وأمريكا تظهر بشكل حاد في السباق الاقتصادي والتجاري وامتلاك النفوذ الأوسع في حركة الاقتصاد العالمي..

 

فيظهر الوطن العربي من بين أبرز مناطق التنافس.. فأوربا تحاول جذب الوطن العربي إلى مشروع تعاوني في إطار سياسة عولمة الاقتصاد يسمى مشروع دول (البحر المتوسط)، حيث عقد لهذا المشروع مؤتمر في (برشلونة) بقصد تأسيس مشاريع تعاونية أوربية - متوسطية مع الدول العربية الواقعة على البحر المتوسط في مقابل كل دول أوربا، وفي ذلك تسعى أوربا لإبعاد الولايات المتحدة عن الدخول في هذه المشاريع.

 

بالمقابل تسعى الولايات المتحدة لإقامة (السوق الشرق أوسطية) لتتأكد من خلالها السيطرة والحضور الأمريكيان لما لهذه السوق من تأثيرات على التكتلات الدولية أو الإقليمية الأخرى.

 

فالولايات المتحدة ووفقاً لمنطق مصالحها وأهدافها المرغوبة لا تريد التفريط بالمنطقة التي ورثتها وفق منطق الهيمنة عن الاستعمار البريطاني والأوربي في آسيا وأفريقيا منذ نـهاية الخمسينيات.

 

على هذا الأساس فإن دول المجموعة الأوربية تدرك أبعاد الاستراتيجية الأمريكية فلم تكن متحمسة لقمة عمان في إطار (مشروع الشرق أوسطية) ذلك لأنـها ستضع إمكاناتـها المالية في خدمة المصالح الأمريكية دون منافع، فجاء رد الفعل الأوربي لأجل مواجهة التنافس الأمريكي بعد أقل من شهرين من عقد مؤتمر عمان.

 

إن الموقف الأمريكي لا يزال مصمماً في تحقيق السبق عبر مشروعه في (الشرق أوسطية) بالاستفادة من المشاكل الاقتصادية والسياسية التي لا يزال الاتحاد الأوربي يواجهها.. ذلك لأن التفكير الأمريكي رغم التظاهر بالتأييد للاندماج الأوربي إلا أن حقيقة الأمر تؤكد بأن الولايات المتحدة تسعى في إطار الشرق أوسطية إلى احتواء أوربا ومنعها من التحول إلى قطب وقوة عالمية قادرة على إعادة الحركة لمبدأ توازن المصالح والقوى الذي أصابه الجمود بعد انـهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

 

ورب سائل يسأل ما هي المظاهر والسياسات التي يقاس فيها على قضية السعي الأمريكي لاحتواء الاندماج الأوربي؟.

 

وأمر بات واضحاً في ذلك الهدف الأمريكي من خلال الإصرار على هامشية الدور الأوربي فيما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط سواء في مسار المفاوضات الثنائية أو في التحضيرات لاجتماعات القمة الاقتصادية وإداراتـها.. وتبرز هذه المظاهر بشكل جلي في تعمد الولايات المتحدة التعامل مع قضية البوسنة والهرسك وإيرلندا بناء على مبادرات أمريكية والتوصل إلى اتفاقية تحت الإشراف الأمريكي علماً بأنـها أزمات في القارة الأوربية.

 

إذاً فإن الهدف من التواجد العالمي الأمريكي وخصوصاً في أوربا إنما هو رسالة للأوربيين بأن الولايات المتحدة هي القوة العالمية القادرة على ضمان الأمن والسلام العالميين ليس في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط ولكن في أوربا أيضاً.

 

وبشكل عام فإن الأنظار الأوربية الطامحة نحو الجنوب في كل من فرنسا وإيطاليا وأسبانيا تحاول جعل النشاط الأوربي مع العالم الخارجي يتجه نحو الجنوب وليس شرق أوربا، فالتفكير الأوربي يتجه نحو تشكيل سوق لدول البحر المتوسط مع الاتحاد الأوربي تشمل كل دول أوربا بالانفتاح على الأقطار العربية (لبنان، سورية، فلسطين، مصر، تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا، والأردن).

 

وقد عبر عن الشعور بحدة التنافس الأوربي الأمريكي وزير الخارجية الفرنسي في قمة (برشلونة) حيث قال: إن ثقل الولايات المتحدة جعل المتوسط بحراً خاضعاً للنفوذ الخارجي وللمرة الأولى.

 

لذلك تسعى أوربا جاهدة لإقناع مجموعة من الأقطار العربية لتشكيل مؤسسات السوق تحت مظلة الفضاء الأوربي الذي يضم بلدان الاتحاد الأوربي الخمسة عشر بلداً ومعها شركاء المتوسط الاثني عشر بلداً، والعولمة الاقتصادية لإمكانات الدول الداخلة في المشروع (البحر متوسطية) حسب المنطق الأوربي، فهي منطقة تجارة حرة لأربعين دولة بـ (800) مليون نسمة، إضافة إلى معالجة شؤون الأمن والهجرة، و (الإرهاب)، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتنظيم شؤون التجارة ومشاريع النفط والغاز ودعم (الديموقراطية)، ودعم (حقوق الإنسان) بحيث ينتظم ذلك كله في ميثاق ومؤسسات على شاكلة (مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي).

 

وعموماً فإن الرغبة الأوربية ما زالت تصطدم ببعض العراقيل التي من شأنـها أن تجعل المشروع مجرد دعاية ودعوة إعلانات، وذلك بسبب صعوبة تحديد الإطار الجغرافي الذي يشمل الأطراف المعنية بالمشروع، فأحياناً يفهم بأن المشروع موجه إلى دول الاتحاد المغاربي (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا)، في مقابل أسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا والبرتغال من أوربا، وأحياناً يشمل المشروع كل الأقطار العربية، فضلاً عن كون المشروع لم يبلغ من التفاعل والاتصالات سوى تبادل الآراء، كما لا توجد أي من القوى الأوربية الكبرى التي تدعمه بعكس دعم المشروع الشرق أوسطي من قبل الولايات المتحدة وعدد مهم من دول المنطقة. كما أن الدراسات في المشروع الشرق أوسطي ودراسات الجدوى لا بل تحديد المشاريع المقترحة والأرصدة وتسمية البنوك قد تمت الإشارة إليها في مشروع الشرق أوسطي.

 

وتحاول أوربا إقناع الأقطار العربية لتحويل التعاون الثنائي المشتت إلى شراكة ثابتة ومنظمة في إطار هيكلي يقوم على التبادل الحر، ورغم أن تأثيرات هذا التبادل سلبية على الأقطار العربية في المرحلة الأولى، ولكن - حسب الرؤية الأوربية - وعلى المدى البعيد يسمح بتخفيف أسعار وكلفة المواد المستوردة خصوصاً في مجال التصنيع، وترغب أوربا الأقطار العربية بفتح الباب أمام الاستثمارات الأوربية التي تؤدي إلى النمو الاقتصادي، فتحاول أوربا تبعاً لذلك إغراء الأقطار العربية بتقديم مبلغ بالعملة الأوربية يوازي سبعة بلايين دولار مساعدات موزعة على خمس سنوات لـ (12) دولة تضم: (تركيا، إسرائيل، قبرص، ومالطا، إضافة إلى الأقطار العربية) ومبلغ آخر يوازي المبلغ المذكور قروضاً يحددها البنك الأوربي، وهذه العملية تـهيئ لأوربا استعادة دورها المفقود في المنطقة وتحويل الشراكة الاقتصادية لاحقاً إلى شراكة سياسية وأمنية.

 

ومن خلال التمعن والمقارنة بين (الشرق أوسطية) و (البحر أوسطية) نجد بوضوح حدة التنافس القائمة بين الولايات المتحدة وأوربا.. وفي نتيجتها النهائية وأهدافها بعيدة المدى فإن تلك المشاريع تؤدي إلى تشكيل وضع جديد في خارطة الوطن العربي بحيث ينفصل المغرب العربي عن عمقه في أقطار المشرق العربي.

 

وسواء كانت صيغة العولمة الاقتصادية للمنطقة بتأسيس التكتلات العالمية الاقتصادية نوعاً من التنافس أو نوعاً من الاقتسام فإنـها تستهدف بلا أدنى شك النظام العربي - الإسلامي وتحويله من نظام قائم على الركائز الحضارية والثقافية والدينية إلى مجرد نظام يتحور وفق النظريات الاقتصادية وبالتالي تحويل شعبه إلى مجرد ناطقين باللغة العربية.

 

إن سياسة (العولمة) الاقتصادية في المنطقة تظهر بوسائلها التشطيرية التي تجزئ الوطن العربي بأشكال جديدة (فوق ما هو عليه الآن!) بحيث يصعب على المدى البعيد إعادتـها في إطار التوحد والاندماج على المستوى العربي الإسلامي، وبذلك فإن فلسفة المشاريع هذه تؤدي إلى انقسام العرب بين فضاءين متنافسين هما: الفضاء الأوربي الذي يضع تحت جناحيه الأقطار في المغرب العربي، والفضاء الأمريكي والذي يسيطر على أقطار المشرق والخليج العربي، وبذلك تصبح الأقطار العربية في الجزء الغربي منافسة للأقطار العربية في الجزء الشرقي.. في إطار التنافس الدولي الأوربي الأمريكي.. مما يعني وعلى المدى البعيد استهداف كل ما تبقى من عناصر قوة هذه الأمة وتشتيت طاقاتـها وإمكاناتـها.

 

إننا بحاجة إلى المشروع العربي - الإسلامي النهضوي الذي يعتمد المصالح الشاملة العليا، وينطلق من أرضية الحد الأدنى للمرونة الواقعية التي تؤكد على الثوابت العقائدية، وتتمسك بمتطلبات الحد الأدنى من الحضور والنهوض العربي الإسلامي المشترك.

 

إننا بحاجة إلى استراتيجية جديدة قوية نستطيع بفضلها أن نصل إلى مستوى جديد من القدرة على أن نسوس التغيير.. وفق عقيدة تؤمن بأن الصعوبات و(التحديات) يجب أن تحفزنا على التحدي لا أن يصيبنا الشلل، والفتور‍!.

 

إننا بحاجة إلى تخطي حالة الإحباط، وتفجير عناصر القوة في مجتمعنا العربي المسلم وفي عقلنا المركب لتجاوز المعوقات (الذاتية والموضوعية) من غير انضواء تحت هذه الخيمة أو تلك (ولا شرقية ولا غربية) ولنصمم مشروعنا الريادي الآن في سويعات الأيام المتبقية أمامنا.. للعمل الموحد بعد أن نؤمن بأهمية الابتعاد المطلق عن دوائر التنافس الدولي المتسارع اليوم، وبأهمية انبثاق التعاون العربي - الإسلامي وبأسرع ما يمكن، ذلك لأن عملية التكافؤ في المصالح لا يمكن ضمانـها إلا في إطار ذلك التعاون والذي يمكن أن يظهر بصيغة (سوق عربية إسلامية) قادرة على المنافسة وفرض المطالب التنافسية في الفضاءات الخارجية والتكتلات الاقتصادية، وبذلك تضمن الأمة عنصر وحدتـها وإرادتـها في الاختيار والقرار.

 

ذو الحجة 1420 / مارس (آذار) 2000

 

 

http://www.alsunnah.org                        المصدر: