جون كيري المرشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية

من هو وما هي مواقفه من فلسطين والعراق والمنطقة؟

 كمال الحسيني

واشنطن

 

يعتبر الحضور القوي للسيناتور جون كيري في الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي لاختيار مرشّح رئاسي حدثاً سياسياً هاماً في التاريخ السياسي الأمريكي، فمع بدايات العام الحالي كان هوارد دين يمثّل المركز الأول بين مرشحي الحزب في جميع استطلاعات الرأي، ويتقدّم على جون كيري بحوالي 30 نقطة، ويفوقه تمويلاً وتنظيماً.

لكن مع اقتراب موعد الانتخابات الأولية في ولايتي آيوا ونيوهامبشر اتخذ كيري قرارات استراتيجية هامة، فأقال مديره للحملة الانتخابية التي كانت بحاجة إلى المال، وركز جهده على ولاية آيوا أولى الولايات التي تجري في الانتخابات، في معركة فاصلة استطاع فيها أن يفاجئ المراقبين السياسيين بالفوز وبنسبة كبيرة، ويتبعه بفوز آخر في ولاية نيوهامبشر ثم في ولايات الجنوب، ليتوّج نفسه في المركز الأول بين المرشحين الديمقراطيين بلا منازع، فمن هو هذا السيناتور؟

 

السيرة الذاتية:

وُلد جون كيري في 11 كانون الأول / ديسمبر 1943 في مدينة دنفر بولاية كولورادو لأب عمل في السلك الدبلوماسي ومتطوعاً في الحرب العالمية الثانية، تخرج من جامعة (ييل)، ودخل بعدها سلاح البحرية ليصبح قائد زورق سريع، خدم في حرب فيتنام، وحاز على النجمة البرونزية والفضية إضافة إلى ثلاث أوسمة (القلب البنفسجي / بيربل هارت)، بعد عودته من فيتنام انضم إلى الحركة المعارضة للحرب، وشارك في تأسيس جمعية (محاربو فيتنام ضد الحرب)، وأبدى نشاطاً كبيراً في معارضته لحرب فيتنام.

عمل كيري مدعياً عاماً في مقاطعة (ميدل سيكس) حيث كرّس عمله لمحاربة الجريمة المنظمة، بعد فوزه بمركز نائب الحاكم لولاية ماساشوستس عام 1982 ترشح لعضوية مجلس الشيوخ عام 1984 ليفوز بالمقعد، ويعاد انتخابه أعوام 1990، 1996 و2002.

خلال مدة عمله في مجلس الشيوخ، وعضويته في لجنة العلاقات الخارجية للمجلس شارك كيري بقوة في التحقيق في قضية (إيران غيت) ضد المساعد في البيت الأبيض (أوليفر نورث)، بعد ذلك عيّن مديراً للجنة الفرعية لمحاربة الإرهاب الدولي والمخدرات، والتي تولت التحقيق في علاقة رئيس بنما السابق (نورييغا) بالمخدرات، وكذلك قضية بنك الاعتماد والتجارة الدولي.

جون كيري متزوج من تيريزا هينز كيري المولودة في موزامبيق لأب برتغالي، والتي بعد اتمام دراستها في سويسرا انتقلت إلى الولايات المتحدة لتعمل في الأمم المتحدة حيث تتقن خمس لغات، تزوجت عام 1966 من السيناتور جون هينز صاحب شركة (هينز) للكاتشاب، بعد وفاة زوجها عام 1991 ورثت شركته، حيث تقدّر ثروتها الشخصية اليوم بحوالي خمسمائة مليون دولار، وقد رفضت الترشيح لمقعد زوجها الراحل في المجلس، ووضعت جهدها لإدارة شبكة الأعمال الخيرية للشركة والتي تقدّر قيمتها بـ2 بليون دولار.

التقت (تيريزا) جون كيري خلال مؤتمر بيئي حول الأرض عام 1992 في (ريودي جانيرو) ليتزوجا بعد ذلك بثلاث سنوات، لها ثلاثة أبناء من زوجها السابق، ولكيري ابنتان من زواج سابق أيضاً.

 

المواقف السياسية:

يعتقد كيري أن التفاف الناخبين حوله إنما هو بسبب وضوح شخصيته ومصداقيته وبرنامجه السياسي، فيقول للناخبين: (لا شيء أقوله لكم سيكون مجرد كلمات)، فيما يعتقد كثير من المحللين أن الديمقراطيين اختاروا جون كيري ليس لأنهم يوافقون مواقفه السياسية أو الاقتصادية، بل إن السبب الرئيسي هو اعتقاد الناخب الديمقراطي أن جون كيري هو الوحيد من بين المرشحين التسعة الذي باستطاعته هزيمة جورج بوش في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

تمثّل المواقف السياسية لجون كيري تيار الوسط في الحزب الديمقراطي، ففيما يصفه الجمهوريون بأنه ليبرالي يصفه التيار الديمقراطي بزعامة هوارد دين بأنه يميني لا يختلف كثيراً عن الجمهوريين، فعلى الصعيد الداخلي يؤكد كيري بأنه سيعمل على تخفيض العجز في الميزانية والتي ستفوق 500 بليون دولار العام المقبل من خلال إلغاء سياسة تخفيض الضرائب التي اتبعها بوش والتي كانت السبب الرئيسي للعجز في الميزانية، كما سيعمل على تحسين الوضع الاقتصادي خصوصاً فيما يتعلق بإيجاد فرص عمل جديدة بعدما خسر ثلاثة ملايين أمريكي وظائفهم منذ تولي بوش الرئاسة عام 2000، يدعو كيري كذلك إلى تحسين سياسة الهجرة إلى الولايات المتحدة بحماية الحدود دون إلحاق الضرر بالزوار والطلاب بغض النظر من أي بلد أتوا.

فيما يتعلق بالعلاقات العربية الأمريكية فقد كان كيري من الشيوخ الذين صوتوا مع قرار إعطاء الرئيس صلاحية إعلان الحرب على العراق، فيما صوّت ضد قانون منح 87 بليون دولار لتغطية نفقات الحرب، وإعادة الإعمار، تصويت كيري مع إعلان الحرب لم يكن استثنائياً؛ فقد صوّت لصالح قرارات استخدام القوة في باناما عام 1989، الصومال عام 1992، كوسوفو عام 1999، وأفغانستان عام 2001، فيما عارض استخدام القوة لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت عام 1991، وفي حين ينتقد كيري حرب العراق فإنه يدافع عن تصويته مع قرار الحرب بقوله: (صوتُّ مع القرار من أجل إجبار العراق صدام حسين على تطبيق قرارات الأمم المتحدة)، ويقول: (عندما أصبح رئيساً سنذهب للحرب ليس لأننا نحب الحرب بل لأنه لا يوجد بديل عنها).

في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2002 وفي حديث له أمام الكونغرس يسأل كيري: (إذا كانت الإدارة قد عجزت عن إيجاد علاقة بين العراق والحادي عشر من أيلول/ سبتمبر فهل تستطيع تحمّل تجاهل الحقيقة أن صدام يمكن أن يعطي أسلحته إلى مجموعة أو دولة أخرى في المنطقة)، قبل ذلك بشهر كان كيري قد كتب في نيويورك تايمز ( إن تغيير النظام في العراق هدف نبيل لكنه وحده ليس مبرراً للحرب).

هذا التناقض في المواقف تجاه القضايا الهامة - والذي هو حالة عامة بالنسبة لجون كيري، وليس خاصة في قضية حرب العراق - يعتبره المعارضون نفاقاً سياسياً، فيما يراه المقربون منه براغماتية، وتعاملاً مع الواقع السياسي الذي تحتمه الظروف.

في كلمته في مؤتمر المركز العربي الأمريكي قال كيري: (أعتقد أننا يجب أن نعطي دوراً للأمم المتحدة في إدارة الجانب السياسي والإنساني، فيما يبقى الجانب الأمني والعسكري بيد قوات التحالف)، ويلخص جون كيري السياسة التي سيتبعها في العراق بالتالي:

­ العودة إلى الأمم المتحدة ومشاركتها في إعادة إعمار العراق.

­ زيادة عدد الدول المشاركة في قواتها هناك.

­ اعتماد خطة ثابتة ومحددة المواعيد لإعادة السلطة السياسية وجهود إعادة الإعمار للعراقيين.

­ إعادة بناء الجيش والشرطة العراقية.

في تعليقه على الوضع السياسي العام في العالم العربي يقول كيري: (هناك حكومات في تقدّم وصراع من أجل التغيير كالأردن والمغرب وقطر، فيما العراق وليبيا والعربية السعودية والسودان وسوريا هي بين الدول العشر الأقل حرية في العالم)، ويعتقد أن أحد مقومات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يجب أن يكون تشجيع الانفتاح السياسي والاقتصادي، كما يعتقد أن (على الولايات المتحدة إنهاء اعتمادها على نفط منطقة الشرق الأوسط في العقد القادم لأن ذلك ضروري للأمن القومي الأمريكي، وأن الأموال التي ندفعها اليوم للبترول ينتهي في جيوب أخطر وأكثر الأنظمة استبدادية في العالم)، وأضاف رداً على تساؤلات من المركز العربي الأمريكي: (إننا بحاجة إلى إحضار أئمة وعلماء من أجل إيجاد عوامل التقاء بين الإسلام والمسيحية واليهودية).

 

موقفه من القضية الفلسطينية:

تتطابق آراء كيري حول قضية الصراع العربي الإسرائيلي مع الخطوط العامة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ففي حديث له في جامعة (جورج تاون) عام 2003 يقول: (إن الضمان لأمن إسرائيل على المدى الطويل يكون بتحقيق سلام حقيقي في الشرق الأوسط ... إن الغالبية من الإسرائيليين يفهمون ويتوقعون أنه يوماً ما سيكون هناك دولة، إن سبب اضطرابهم أنهم لا يرون شريكاً للسلام في الجانب الفلسطيني، على الفلسطينيين إيقاف العنف فهو شرط أساسي لتحقيق السلام)، ويقول: (إن إسرائيل هي حليفتنا، ونحن نعلم أن إسرائيل كشريك تمثل عنصراً أساسياً لأمننا القومي، إن الولايات المتحدة دائماً متعهدة بالحفاظ على أمن إسرائيل بدون تردد).

وفي حديث له في نيسان / أبريل 2002 إلى جريدة (يو إس إي توداي) قال: (إذا كان للولايات المتحدة الحق بالرد على العمليات الانتحارية في أفغانستان، فإن لإسرائيل الحق في الرد على العمليات الانتحارية في الضفة الغربية)، وفيما يتعلق بقضية المستوطنات يقول كيري: (إن قضية المستوطنات يجب أن تحل من أجل نجاح عملية السلام، لكن هذه القضية يجب أن تحل ضمن مبادرة (خارطة الطريق) التي تتطلب من الفلسطينيين أن يقوموا بجهود حثيثة لكبح جماح المجموعات التي تستهدف إسرائيل)، وكان كيري قد انتقد هوارد دين عندما قال الأخير: إن على الولايات المتحدة أن تقف على الحياد في صراع الشرق الأوسط، ووصف تصريحاته بأنها تمثّل: (تحولاً جذرياً في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولو كان الرئيس قد صرّح بذلك فإن ذلك سيؤدي إلى جرّ هذه المنطقة الحساسة إلى مزيد من الاضطراب)، وفي حديث له في ولاية ميتشيغان في 17 تشرين الأول / أكتوبر قال: (إيجاد سلام دائم في الشرق الأوسط حيوي للأمن القومي الأمريكي، وحيوي لأمن إسرائيل، وحيوي لطموحات الشعب الفلسطيني بدولة فلسطينية، وضروري أيضاً لكسب الحرب على الإرهاب.. لن تكون هناك عملية سلام ناجحة ما لم يتخذ الإسرائيليون والفلسطينيون خطوات يعتبرها الطرفان صعبة ومؤلمة، على القيادة الفلسطينية أن تضع حداً للعنف ضد الإسرائيليين، وعليهم بمساعدة الآخرين أن يكبحوا جماح الميليشيات، وعلى إسرائيل أن توفي بتعهداتها فيما يتعلق بالمستعمرات، إن غياب التقدم على هذين المحورين إنما يغذي الشعور المتبادل لدى كل طرف بأن الطرف الآخر ليس جاداً بالتوصل إلى سلام دائم).

أما فيما يتعلق بالجدار الأمني في الضفة الغربية يقول كيري: (أعرف الشعور بالمرارة الذي ينتاب الفلسطينيين نتيجة قرار الحكومة الإسرائيلية بناء الجدار بعيداً عن مسار الخط الأخضر، وقاطعاً بعمق داخل المناطق الفلسطينية، لا نريد حاجزاً آخر في وجه السلام، إن الأعمال الاستفزازية تضر بأمن إسرائيل على المدى الطويل، إنها تزيد من معاناة الفلسطينيين وتجعل المفاوضات شاقة وعسيرة)، من ذلك نرى أن وصول جون كيري إلى البيت الأبيض لن يشكل تغيراً جذرياً لسياسة الولايات المتحدة تجاه قضية الشرق الأوسط.

المصدر            :              http://www.fm-m.com/2004/mar2004/story19.htm