أول الغيث
أنور قاسم الخضري*
آلمني - كما آلم كل مسلم - اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وتابعت بعضاً مما كتب حول الشيخ - رحمه الله تعالى - وتقبله في الشهداء، - ووقفت عليه - على تعريج كثير من الكتاب على سيرة هذا الشيخ المقعد المشلول وأثره في المجتمع الفلسطيني والأمة الإسلامية ككل، ورأى هؤلاء الكتاب معجزة في حالة كهذه ، كان من الطبيعي - كما قال بعضهم -: أن تُرى مستجدية أو مهجورة في دور العجزة!! لكن أن تصبح قوة تهدد دولة فهنا المفارقة العجيبة!!.
صدق الكاتب لقد سمعنا عن الأرقام الصعبة، والأعيرة الثقيلة في الخطاب العربي السياسي والإعلامي، فلم نجد رقماً أصعب من الشيخ، وعياراً أثقل منه، رجحاناً في قضية ظلت الأنظمة العربية بزعماتها وقياداتها ومنظريها وجيوشها مشلولة عاجزة أمامها، بل ومن ورائها!!.
اغتيل أحمد ياسين - رحمه الله تعالى - لأنه الحل الأمثل لمن لا يقبل بالحل الأنذل.
لأنه الشموخ الذي ينبت على سفوحه "أطفال الحجارة" و"رجال الكرامة".
لأنه غير قابل للترقيع والتركيع والتعليب.. بل والتصدير.
لأنه "مشلول" أبلغ من ألف "متحرك"، و"مقعد" أقدر من ألف "قائم" و"قاعد"!!.
وهكذا الأحرار يغتالون، لتغتال معهم حياة أمة، وروح مقاومة، وآمال أجيال، ولا يكون اغتيالهم إلا بعد تجريب الطرد، والأبعاد، والسجون، والتعذيب، والإغراء، والتزيين، فإذا ظلت المبادئ هي المبادئ، والمنهج هو المنهج، والعقيدة هي العقيدة؛ يكون "السيف الحكم" كما يقول "موشى ديان"!!.
أحمد ياسين وغيره ممن يتحقق فيهم صدق الانتماء للدين، تفتقدهم الأمة عندما يغادرونها في سبيل أن تبقى وأن تنال حقوقها، عندها يظهر المشهد الجنائزي أعظم منه في حالة حياتهم، لأن ريح الشهادة الزكية تعطر الأجواء، وتزكي الأنوف، وتبرز العود العاطر من الخُشُب المسندة!! وصدق الإمام أحمد بن حنبل: بيننا وبينهم يوم الجنائز!!
إنهم لا يفرون من الموت في سبيل الله أو القتل لأنه أغلى أمنياتهم:
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيض العدا
وبالفعل كانت حادثة اغتيال الشيخ أحمد ياسين والمشهد الجنائزي في مدن العالم يغيض الأعادي بكل تفاصيله، إلى الحد الذي تعلن فيه القوة العظمى المتجبرة وتدعو إلى ضبط النفس!!.
لا نريد أن نطيل الحديث، ونكرر القول.
أختم القول باللوم..
اللوم لي ولكل قادر من أبناء الإسلام أن تفوت السنوات تلو السنوات من عمره دون أن يدفع بعجلة الدعوة والخير في الأمة إلى الأمام، بعيداً عن الخوف، والجبن، والكسل، والركون إلى متاع الدنيا الزائل، والاعتذار بالإمكانيات.
وفي سبيل - رضوان الله تعالى - هين أن يكون مشروعنا "حياة بلون الدم، وشهادة بريح المسك"، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.. آمين.
_______________________
* رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث بصنعاء.