قوة أمريكا العسكرية وهبوطها الاقتصادي ومرض الدولار المزمن

خالص جلبي

02/11/1425

الشرق الأوسط/ تتوالى شهادات خبراء الاقتصاد عن مستقبل مظلم للدولار الأمريكي، فعندما يفكر جيم أو نايل Jim O"Neill الخبير الاقتصادي في بنك جولدمان ساكس الاستثماري Goldman Sachs حول مستقبل الدولار لا يخرج إلا بالتشاؤم فيقول: «سوف يفقد الدولار المزيد من قيمته أمام اليورو، وسوف يصل سعر صرف اليورو مقابل الدولار إلى 1.2 أو 1.3 أو ربما 1.4»، وحصل الذي توقع الرجل قبل حدوثه ففي نوفمبر 2004م تراوح اليورو مقابل الدولار بين 1.3 و1.4، ويذهب إلى نفس التحليل ميشيل كلاوتر Micheal Klawitter خبير العملات في بنك West LB في لندن، الذي يرى أن صعود اليورو سيرافقه حضيض في الدولار، وأن يصل اليورو إلى 1.4 دولار موضوع مفروغ منه out of Question، ويتعاظم الشك في البورصات في أداء أمريكا القوة الأعظم ليس في قوتها العسكرية لكن الاقتصادية، وينمو الخوف أن الاقتصاد الأمريكي ليس ذلك الصلب كما كان متوقعاً، وأن النمو الذي عاشه البلد سابقاً لربما يفاجأ بانهيار حاد.

ومرض الدولار مظهر لمرض أعمق عن قوة أداء الاقتصاد الأمريكي كما في مريض الملاريا فلا يعالج بـ (خافضات) الحرارة كما تفعل أمريكا بـ (تخفيض) الدولار؛ بل بجرعة كينين (مّر)، وعلى الأمريكيين تجرع (مرارة) الدواء من ادخار وتقشف وعرق جبين.

وأعجب ما في الأمر هو التناقض بين قوة أمريكا العسكرية وضعف الدولار، ومن الغرابة بمكان أن الأمة العسكرية الأشد بأساً (أمريكا) سوف ينال منها الاقتصاد، وقوة العضلات ليست دليل صحة دوماً.

وفي العادة يهرب الناس زمن الأزمات إلى الدولار كمنطقة أمان، ولكن الذي يحدث هو العكس؛ فلم يتحسن الدولار في حرب العراق بل هبط وما زال، وهناك العديد من الأمم ملأت احتياطياتها من (اليورو) الذي سطعت شمسه على العالمين، وبعد أن بدأ رحلته بخجل وتردد مع عام 2000 م لينزل إلى 0.9 من الدولار، ثم ليشد عزمه في رحلة صعود لا تتوقف ليصبح مع نوفمبر 2004م حوالي 1.34 من الدولار، أي أن العملة الأمريكية خسرت 40 % من قوتها تجاه اليورو، والرحلة الموجعة إلى القاع لم تنته بعد، وأحياناً يتساءل المرء: هل يمكن أن يصحو الإنسان من نومه ليرى مصير الدولار مثل مصير الدينار الأردني أو البات التايلندي حين خسفت به الأرض في ليلة واحدة فخسر نصف قيمته؟

وما يوقف الدولار عن الموت حالياً هو ارتباط بيع النفط بالدولار، ولو انفك النفط عن الدولار لقضي عليه عالمياً، وهذا يحكي قصة السياسة والمال، ومع أن النفط في معظمه ينبع من العالم الإسلامي، و8 % من بترول العالم يتدفق من حقلين في السعودية والكويت، ولكن البترول يباع بأرخص من الماء حتى اليوم.

وقديماً تنبه إلى هذه المشكلة الاقتصادية المفكر الجزائري (مالك بن نبي) فكتب في ضوء مؤتمر باندونغ في (الأفرو آسيوية) عن إيجاد منظمة اقتصادية تضم فقراء العالم الثالث فتتحكم بموارد ثرواتها، وولدت بعدها منظمة (الأوبيك)، وفي آخر كتاب له (المسلم في عالم الاقتصاد) قبل موته - وكنت برفقته شخصياً - حينما سافر إلى بيروت لتفقد طباعته كان الرجل يأمل بقيام كتلة مالية مستقلة عن الرأسمالية والشيوعية.

و(مهاتير) من ماليزيا دعا أيضاً إلى فكرة ربط البترول بالذهب، ويمكن أن يدخل إلى الميدان عملة إسلامية جديدة مستقلة عن الدولار، وهو يعني الاستقلال السياسي.

وبذا (تغول) الدولار، ولم يبق قيمة لعملة عربية، وفي السودان نسوا الجنيه ويتعاملون بالريال، ولكن لا الجنيه ولا الريال لهما قيمة، وفي الإنترنت ينقل عن المؤرخ الأمريكي (وليام كلارك) أن حرب العراق الأخيرة كانت من أجل حصر بيع البترول بالدولار؛ والدولار فقط، وهو أمر تفطن إليه طاغية بغداد الأسبق صدام المصدوم، وكانت رمية من غير رامٍ حين تخلى عن بيع البترول بالدولار، واستبدله باليورو.

وبالطبع فإن الكلام النظري سهل، وهو أن تعتمد دول الأوبيك بيع نفطها بسلة عملات، بحيث تخرج كتلة أو عمود اقتصادي جديد خارج عمود الين واليورو والدولار، فتحقق استقلالاً اقتصادياً، ودخلاً للثروة ثابتاً لا يخضع لمزاج الدولار الحاد المتقلب مثل أعاصير التيفون في مثلث الموت، وأمريكا تفعل هذا عن قصد عسى أن تدفع عن نفسها الموت الاقتصادي المقبل بخدع اقتصادية من تنزيل الدولار بين الحين والآخر، ولكن منذ أيام الاقتصادي (ريكاردو) فإن السوق يخضع لقوانين حديدية.

والاقتصاد العالمي يقوم على ثلاث: (السلع) و(الخدمات) و(النقد)، والنقد بدوره يستظل بدوره تحت قبة من ثلاث أعمدة من عملات رئيسية هي: الدولار الأمريكي، والين الياباني، واليورو الأوربي، ولذا رأينا الكثير من العملات ربطت نفسها على نحو انتحاري مع الدولار - كما هو الحال مع العديد من العملات العربية -، فتهبط مع هبوط النسر الأمريكي؛ وتحلق مع تحليقه، ولكن الهبوط قد يكسر الظهر أحياناً، ومن أسلم مصيره لغيره لم يأمن انقلاب الزمن عليه، ويقول المثل: " لا تودع مالك حيث لا تستطيع الوصول إليه "، وفي الإنجيل: "حيث مالك قلبك".

ويتوقع (باول كيندي) في كتابه (سقوط القوى العظمى) أن أمريكا لن تخرج عن القدر التاريخي، ولسوف تهوي كما هوت إمبراطوريات كثيرة تحت نفس القانون الإمبريالي، وكان (سكيبيو) الروماني يعارض (كاتو) في تدمير (قرطاجنة) الذي كان يختم كل خطبة له بجملة (ديلندا است كارتا جو أي: دمروا قرطاجنة) لشعوره أن (وجود) قرطاجنة يحافظ على (وجود) روما، ويدفعها للنمو، ولكن القضاء عليها سوف ينهي معها روما بطريقة مختلفة بتشربها بالروح الإمبريالية، وهو رأي ذهب إليه أيضاً (توينبي) و(شبنجلر) بأن هزيمة معركة (زاما) على أبواب قرطاجة عام 202 قبل الميلاد قضت على الإمبراطوريتين معاً، فمع هلاك قرطاج انتهت (جمهورية) روما، وكانت مذبحة قرطاجة (هيروشيما) العصر القديم حينما قضت روما في 17 يوماً على 450 ألف نسمة من السكان، وهو أمر ذكره (تشرشل) في ظلمات الحرب العالمية الثانية وهو يوجه خطابه إلى الجمهور البريطاني قائلا:«لسنا الوحيدين في هذه المعمعة، فقد مرت قرطاجة بظروف مشابهة، فلم تستسلم ونحن نستلهم روحها في وجه النازي، ولسوف نحارب في كل مكان».

 

هل أمريكا في طريقها إلى الإفلاس الكبير؟

يستبعد ذلك فهي خمسون دولة مضغوطة في اقتصاد واحد، وتشرب ربع البترول العالمي (عشرين مليون من ثمانين مليون برميل يومياً، وحصة الفرد الأمريكي السنوية من استهلاك البترول 26 برميلاً مقابل 0.9 للهندي و1.8 للصيني)، وهي تنتج 38 % من مجمل التجارة العالمية، ولكنها مع ذلك تخضع لقوانين الاقتصاد، ومن يغفل عن قوانين الله فإن قوانين الله لا تغفل عنه.

ويتوقع (باول كينيدي) أن يتراجع اقتصادها من مجمل الإنتاج العالمي في القرن الواحد والعشرين من 40% إلى 18 %، وفي القرآن ((وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ))(الأعراف94 - 95) أي أن القرى يأخذ أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرَّعون، بمعنى أن الصدمة قد توقظ لتصحيح المسار، فإذا لم تستجب الأمم لهذا الإنذار حصل شيء عجيب وهو دخولها مرحلة كاذبة من تبديل السيئة بالحسنة، وإذا وقع هذا (عفواً) أي نسوا فلم يستفيدوا من الدرس، وقالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون، وقد نكون شهداء انهيار أمريكا بالاقتصاد أكثر من الحرب، (( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ))(الكهف:59).

وقد يأتي الوقت الذي يخاف الاقتصاديون، ويرتعب المودعون بأن الأخطار كبيرة فيسحبون أموالهم بالدولار، وعندها ستحدث الصدمة الكبرى وهو ما يخشاه المؤرخ الاقتصادي (هارولد جيمس) من جامعة (برينستون)، وتحذر مجلة (النيوزويك) قراءها الأمريكيين من التطورات الدرامية بقولها:«انسوا الحرب العراقية، انسوا النزاع الأطلنطي، إن أم المعارك تتربص بكم في جبهة أخرى».

المصدر        :              http://almokhtsar.com/html/news/1425/11/02/7/744.php