اليهود ولعبة الرئاسة الأمريكية

ياسر الزعاترة

19/9/1425  الموافق له 02/11/2004

في استطلاع لافت للنظر أجراه المجلس الوطني اليهودي الديمقراطي في الولايات المتحدة تبين أن 57% من الجالية اليهودية في الولايات المتحدة يؤيدون جون كيري مقابل 22% فقط يؤيدون جورج بوش.

ونتذكر هنا أن هذا الأخير قد حصل في الانتخابات الماضية على 18% من أصوات اليهود، وذلك حين كان منافسه هو آل غور القريب جداً من الأوساط اليهودية، وأول مرشح للرئاسة الأمريكية يختار نائباً يهودياً له هو جوزيف ليبرمان.

بالمقابل كان لليهود الإسرائيليين رأي آخر؛ ففي آخر استطلاع لجامعة تل أبيب تقدم الرئيس الأمريكي جورج بوش على كيري بفارق 31 نقطة بحصوله على 49%، وقد كان حجم التأييد كبيراً لبوش في أوساط ناخبي الليكود الذين صوت 69% منهم لصالحه، خلافاً لناخبي حزب العمل الذين انحازوا لكيري بنسبة 44% مقابل 36% لبوش، وفي استطلاع آخر لصحيفة (معاريف) الإسرائيلية حصل بوش على تأييد 48% من الجمهور الإسرائيلي مقابل 29% لكيري.

كيف يمكن للمحلل أن يقرأ هذه الأرقام على مشارف الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة؟

من المفيد القول ابتداءً: إن الأرقام المشار إليها لا بد أن تثير إحباط الرئيس الأمريكي جورج بوش، سيما وأن الأهمية القصوى بالنسبة إليه لا بد أن تتركز على يهود الولايات المتحدة، وليس على يهود الدولة العبرية لسببين: أولهما أن المنافسة بينه وبين خصمه ستكون حامية حسب معظم المؤشرات، وسيكون كل صوت فيها مهماً؛ الأمر الذي يجعل تصويت اليهود حاسماً كونهم من الفئات التي لا تتردد في ممارسة حقها في التصويت خلافاً لفئات أخرى لا تبدو معنية بلعبة التنقيب عن الفارق بين الجمهوريين والديمقراطيين.

أما السبب الآخر فهو الخوف من أن تكون الأرقام المشار إليها تعبيراً عن مواقف اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني أن المشكلة ستتجاوز مسألة التصويت اليهودي في الانتخابات إلى لعبة الحشد والدعم التي يتفوق فيها اليهود بوجودهم الفاعل في الدوائر السياسية والإعلامية والاقتصادية.

ما يدفع إلى إثارة المزيد من الإحباط في دوائر الدعم والتأييد للرئيس الأمريكي وله نفسه هو أن الأرقام المشار إليها قد جاءت بعد ثلاث سنوات متواصلة من الدعم الجمهوري غير المحدود للدولة العبرية في سياق واحدة من أكثر مراحل وجودها صعوبة على الإطلاق (مرحلة انتفاضة الأقصى)، وهو دعم غير مسبوق حتى بموازين الدعم والتأييد كما تبدت خلال مرحلة كلينتون الأثيرة إلى نفوس اليهود، وقد توجت مسيرة السنوات الثلاث الماضية بالوعد غير المسبوق الذي منحه بوش لشارون في الرابع عشر من نيسان / إبريل الماضي، والذي وضع فيه سقفاً للمفاوضات النهائية في الصراع العربي الإسرائيلي يخالف كل قرارات ما يسمى الشرعية الدولية.

هناك أكثر من بعد يمكن الحديث عنه في سياق تفسير الأرقام المشار إليها، لعل أولها ما يخص الانحياز التقليدي ليهود الولايات المتحدة لصالح الحزب الديمقراطي الذي يصنف بوصفه حزب الأقليات، واليهود، والكاثوليك، والجناح الليبرالي في البيض الأنجلوساكسون "الواسبس".

أما الجانب الآخر؛ فله علاقة بشعور اليهود بأن كيري واحد منهم من خلال أصوله اليهودية القريبة الواضحة، إلى جانب مشاركته في عدد من منظمات الدعم والمساندة للدولة العبرية، ويبقى برنامجه على صعيد العلاقة مع تل أبيب وهو البرنامج الذي يزايد في واقع الحال على برنامج بوش، الأمر الذي تأكد من خلال الورقة التي قدمها للمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وعرفت بورقة الموقف.

لكن ذلك لا يفسر انحياز اليهود في الدولة العبرية لصالح بوش أكثر من كيري، هنا بالتحديد تدخل المسألة العراقية على الخط، وهي المسألة التي تبدو أكثر حضوراً في وعي النخبة اليهودية في الولايات المتحدة، ومعها عقلاء اليهود في الدولة العبرية نفسها.

في السياق العام يمكن القول: إن الموقف من الدولة العبرية والتسوية السياسية الشرق الأوسطية لن يختلف بين المرشحين، وجورج بوش لن يبادر إلى تغيير موقفه لو فاز في الانتخابات رغم وقوف اليهود ضده؛ لأن الكتلة الانتخابية الأهم بالنسبة إليه سترفض ذلك، وهي الكتلة التي تتمثل في منظمات المسيحيين المتصهينين الذين يعتبرون دعم الدولة العبرية مسألة عقائدية.

أما الموقف من الملف العراقي الذي يؤثر تأثيراً حيوياً على مستقبل الدولة العبرية فيبقى الأكثر أهمية على الإطلاق؛ الأمر الذي يجعل مسألة إدارته جزءًا لا يتجزأ من التفكير اليهودي في الولايات المتحدة، ولدى النخبة العاقلة في الدولة العبرية.

هنا تحضر الإدارة الإشكالية لهذا الملف من طرف المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش، مقابل الإدارة الأكثر عقلانية - أقله كما هو متوقع - من طرف الديمقراطيين بزعامة كيري، سيما بعد تركيزه على هذا البعد في حملته الانتخابية معتبراً أن الإدارة الجمهورية قد بددت التأييد الدولي للولايات المتحدة، وأضاعت فرصة إنشاء تحالف حقيقي من خلال مجلس الأمن لمواجهة الموقف المتأزم في العراق.

من الصعب الحديث عن تغييرات جوهرية في إدارة الملف العراقي يمكن أن تجريها إدارة الديمقراطيين بزعامة كيري، لكن الموقف لا بد أن ينطوي على تغيير ما، أقله في شكليات اللعبة، وقدرتها على استقطاب شركاء دوليين تنفرهم لغة التعالي (الاحتكار) التي تتبناها إدارة بوش.

في كل الأحوال يمكن القول: إن اليهود يبدون منسجمين مع أنفسهم وقناعاتهم حين يميلون لصالح كيري؛ فهو ذو أصل يهودي أولاً، وهو ديمقراطي ثانياً، وهو مؤيد متحمس للدولة العبرية ثالثاً، ورابعاً وأخيراً هو الرجل الذي يأملون أن يخرجهم من كابوس هزيمة أمريكية في العراق ستودي بأحلام دولتهم الأم في الأمن والاستقرار، أما ما تبقى من جناح اليمين الليكودي في الدولة العبرية؛ فينحاز لبوش بسبب خشيته من أن يدفع نهج كيري القائم على كسب الشركاء الدوليين إلى الاستجابة لمطالبهم بحل النزاع العربي الإسرائيلي كجزء أساسي من شروط الاستقرار في المنطقة، وحين يفتح ملف التسوية لا بد أن تتنازل الدولة العبرية، الأمر الذي يرفضه هؤلاء القوم بعناد واضح.

المصدر  : http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=72&catid=79&artid=4379