الكاذبون الجدد يحكمون أمريكا
أحمد فهمي
20/9/1425 الموافق له 03/11/2004
هناك أحجية ذات مغزى عميق تقول: إن فلاناً من بلدة كذا يقول: إن أهل بلدته كذّابون، فإن كان صادقاً فهم كاذبون بالفعل وهو منهم، فهذا يعني أنه إن كان كاذباً فهم صادقون، ولكنه منهم فهم إذاً كذابون، فهو يكذب فهم صادقون ولكنه..... إلخ.
هذه الأحجية هي خير ما يعبر عن الانقسام الأمريكي الحادث اليوم بين مُرشحين للرئاسة يتهم أحدهما الآخر بأنه كذاب ومحتال، ويؤيدهما في ذلك بالطبع غالبية الشعب الأمريكي مناصفة بينهما، أي أن نصف الأمريكيين يتهم النصف الآخر بأنهم كاذبون، فمن نصدق ومن نكذب؟
في النهاية لابد لأحدهما أن يفوز، وفي جميع الأحوال ستكون أمريكا حكاماً ومحكومين من " الكاذبين الجدد " وبشهادة الأمريكيين أنفسهم.
تميزت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بأن كلا المرشحين لم يُبق نعتاً أو وصفاً قبيحاً إلا وألصقه بالمرشح الآخر، يستوي في ذلك أداؤه السياسي، وحياته الخاصة، وحتى صفاته الجسمانية، وفي اجتماع للمرشح الديمقراطي جون كيري مع منتسبي الاتحادات العمالية قال عن فريق المرشح الجمهوري جورج بوش إنهم أسوأ مجموعة من المحتالين عرفها في حياته، وفي حديث له شبَّه جورج بوش بأنه مثل أحد زعماء المافيا، فقال: " الاستماع إلى محاضرة الرئيس عن المسؤولية المالية يشبه إلى حد ما الاستماع إلى توني سوبرانو وهو يتحدث عن القانون والنظام في هذا البلد " يشير إلى زعيم المافيا في المسلسل التلفزيوني الشهير "عائلة سوبرانو".
ولم يقتصر الأمر على السياسة؛ بل تعدى إلى جوانب عائلية واتهامات جنسية، فقد عرض كيري ونائبه جون إدواردز بـ ماري ابنة ديك تشيني نائب بوش الشاذة جنسياً، مما دفع والدتها إلى وصف كيري بأنه تصرف بصورة غير رجولية لأنه تحدث عن موضوع أنثوي، وردت عليها زوجة إدواردز بالقول إنه لابد أن والدة ماري: " تشعر بالخجل بسبب سلوك ابنتها الجنسي"، واتهم أحد الصحفيين الموالين لبوش طعن كيري في رجولته فوصفه بأنه "metrosexual "، وقال أن كيري اعترف بذلك في إحدى خطبه الجماهيرية، وقد نفى كيري، واضطرت الصحيفة للاعتذار، وأوقفت الصحفي عن العمل.
واتهم الجمهوريون كيري أيضاً بالكذب والتضليل، واعتبروه خائناً للقوات الأمريكية التي حاربت في فيتنام عندما عاد من هناك ليشكل جبهة تدعو إلى وقف الحرب، واتهمه بوش بأنه لا ثوابت له، وأنه يغير آراءه كما يتغير الطقس وهو يتحدث في مدينة ويسكنسن المشهورة بتقلب جوها، فقال: "مواقف خصمي شبيهة بالطقس هنا في جرين باي - ويسكنسن - إن كان لا يعجبك انتظر قليلاً فإنه سيتغير"، وقال في إحدى خطبه: "في الواقع إن السناتور كيري قضى في واشنطن فترة طويلة تبنى خلالها وجهات النظر المتباينة بشأن جميع القضايا تقريباً"، ويسخر بوش من تقلبات كيري الميكافيلية فيقول: إنه أرهقه في المناظرات الثلاث لأنه لم يكن يعرف مسبقاً على أي موقف سيرد في أي قضية " لقد كان الإعداد للمناظرات أمراً صعباً لأنه يغير مواقفه خاصة بالنسبة للحرب، أعتقد أنه ربما يمكث 90 دقيقة يجادل مع نفسه".
والحقيقة أن جون كيري بالفعل يغير مواقفه كما يغير ملابسه، ولا عقيدة سياسية له، وقد نشر الجمهوريون إعلاناً متلفزاً يعتمد على جزء من مقابلة أجراها جون كيري في سبتمبر من العام الماضي يقول فيها: إن تصويت أي عضو في مجلس الشيوخ ضد طلب اعتماد 87 مليار دولار لقواتنا في العراق سيكون موقفاً غير مسؤول بالتأكيد"، وكُتِب أسفل الإطار في الإعلان عبارة تقول: صَوَّت جون كيري بعد ذلك ضد طلب اعتماد 87 مليار دولار لقواتنا في العراق، وحاول كيري أن يدافع عن نفسه بالقول إن تصويته بالمعارضة احتجاجاً على سياسة الجمهوريين في العراق، وأذاعت فضائية الجزيرة تسجيلاً لجون كيري يتحدث فيه أمام مجموعة من العرب الأمريكيين في ديربن ولاية ميشيغان ويقول إنه ضد الجدار العازل ومع بلد فلسطيني، ولكنه في مناظرة نيويورك قال إنه يؤيد الجدار "حتى يجد الإسرائيليون شريكاً فلسطينياً يناقشهم"، وفي اجتماع مع منظمة الإيباك اليهودية قال إنه لن يدعم أبداً دولة فلسطينية، وقال كيري في كتاب ألفه عام 1997 م أنه معجب برئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وقال إنه نموذج يُحتذى به في تحوله من خارج على القانون إلى رجل دولة، ولكنه عندما سُئل بعد ذلك أثناء حملته الانتخابية عن رأيه في عرفات، قال إنه "عقبة في طريق السلام، وأثبت أنه بلا جدوى".
ورغم أن جورج بوش أصولي في اعتقاده، ويعتمد على الحدس والإلهام في اتخاذ قرارته، ويعتز بتمسكه بالثوابت؛ فإنه يأتي في مقدمة أكثر الرؤساء الأمريكيين كذباً، وكذبته الأكبر عندما وقف على ظهر المدمرة إبراهام لينكولن لكي يعلن بصراحة "انتهت المهمة" أي الحرب في العراق، بينما كانت على وشك البدء بالفعل، كما ادّعى امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ثم أثبتت اللجان الأمريكية نفسها خطأ ذلك، وادّعى أن صدام حسين على علاقة بالقاعدة ثم اضطر رامسفيلد للاعتراف أنه لا أدلة تثبت هذا الإدعاء، وفي مناظرته الأخيرة اتهمه كيري بأنه قال أنه غير مهتم بزعيم القاعدة ابن لادن، فرد بوش قائلاً: "لم أقل هذا التصريح، لا أتذكر أنني تفوهت بمثل هذا الكلام الذي لا أعلم من أين التقطه السيناتور جون كيري " ولكن بمجرد انتهاء المناظرة أذاعت محطة (السي إن إن) تسجيل فيديو للتصريح الذي أدلى به الرئيس بوش ويقول فيه: إنه لا يأبه لابن لادن.
وحتى على المستوى الديني فرغم تبني بوش لسياسة محافظة ومتشددة ضد الشاذين والشاذات جنسياً، وقيامه بفصل حوالي ألف رجل وامرأة من الجيش الأمريكي بسبب الشذوذ؛ فإن نائبه ديك تشيني أحد الصقور المحافظة يعاني من اختراق الشذوذ لبيته، فابنته ماري شاذة وتعيش مع رفيقتها في ولاية كلورادو في شقة واحدة، وأعلن مراراً هو وزوجته أنهما فخوران بابنتهما، ووالدة ماري نفسها ألَّفت في بداية الثمانينيات رواية جنسية تتحدث عن السحاق بين النساء في غرب الولايات المتحدة، ولاقت رواجاً هائلاً بين الشواذ، وتباع النسخة الواحدة منها بـ 100 دولار، فأي حديث بعد هذا عن تدين أو تمسك بالأخلاق؟!
ورغم الزعم الظاهر للمحافظين أنهم يتمسكون بالأخلاق فقد مارسوا أساليب ملتوية دوماً لتحقيق المكاسب السياسية، وفي حملة انتخابات بوش الأب ضد المرشح الديمقراطي مايكل دوكاكيس شن الجمهوريون هجوماً شنيعاً على شخصه، وسخروا من قصر قامته فبثوا إعلاناً يظهره في دبابة أمريكية عملاقة بينما لا يكاد يظهر فيها، وعلى رأسه قبعة عسكرية كبيرة تكاد تخفيه، ومارسوا نهجاً عنصرياً ضد السود فاتهموا دوكاكيس بأنه يجامل السود على حساب البيض فنشروا إعلاناً يصور رجلاً أسود حصل على وظيفة كانت من حق رجل أبيض، واستغلوا إطلاق سراح أحد السجناء السود في الولاية التي كان دوكاكيس حاكماً لها " ماساتشوستس " فنشروا إعلاناً عنصرياً يبرز قيام السجين باغتصاب امرأة بيضاء بعد الإفراج عنه، وقد بلغ من قسوة الحملة وعدم أخلاقيتها أن المشرف عليها لي أتووتر عندما أصيب بالسرطان بعدها وأدرك أنه سيموت أرسل إلى دوكاكيس يعترف بقسوة الحملة وظلمها، وطلب الاعتذار منه.
ولأن الكذب أصبح عملاً احترافياً في السياسة الأمريكية فقد أصبح له خبراء ومستشارون، وفي فريق كل مرشح في الانتخابات الرئاسية لابد من توفر صانع للنكات راتبه في فترة الانتخابات فقط يصل إلى عشرة ملايين دولار، مهمته الرئيسة هي تأليف النكات والقفشات والتعيلقات الساخرة التي يلقيها مرشحه ضد منافسيه، ويقول الكاتب الساخر مارك كاتس صانع النكات في حملة بيل كلينتون: إن " النكتة وسيلة رائعة لكشف الحقيقة "، ولكنها لم تكن كذلك أبداً في الانتخابات الأمريكية؛ بل كانت دوماً وسيلة مفضلة لتشويه الحقيقة، ويمكث المرشح الأمريكي للرئاسة ساعات طويلة يحفظ القفشات والنكات التي سيلقيها في خطبه ضد خصمه لكي يبدو أمام الجمهور حاضر البديهة، خفيف الدم، وقد ساهم تيري إدموند صانع نكات كيري في رفع أسهمه وزيادة شعبيته بما يلقنه من قفشات وتعليقات ساخرة ، يقول كيري ساخراً من قرار بوش غزو العراق "إن غزو العراق رداً على هجمات 11 سبتمبر هو مثل قيام الرئيس السابق فرانكلين روزفلت بغزو المكسيك رداً على هجوم بيرل هاربور".
ويسخر أيضاً من موقف بوش الرافض لأبحاث الخلايا الجذعية بالقول: "ينتاب المرء شعور بأنه لو كان جورج بوش رئيساً في فترات أخرى من التاريخ الأمريكي لكان قد انحاز إلى جماعة ضغط تؤيد الشموع ضد الكهرباء، وإلى صانعي عربات الخيول ضد السيارات"، وعندما ينتهي موسم الانتخابات فلا يعني ذلك أن الكذب سوف ينتهي، بل كل ما هنالك أنه سينتقل من خانة الكلام إلى خانة الفعل، فقد كانت هناك وعود كثيرة وأحلام عظيمة أغلبها سيتبخر في الهواء، ولن ينال الأمريكيون منها شيئاً، وقليل جداً من الرؤساء الأمريكيين الذين نجحوا في الحفاظ على جزء كبير من وعودهم الانتخابية، حيث إن الأصل عدم التنفيذ والكذب سلوك متوارث خلفاً عن سلف، والتاريخ شاهد بدءاً من وودرو ويلسون الرئيس الذي خاض انتخابات الرئاسة في العام 1916 م رافعاً شعار السلام العالمي، واعتبر نفسه داعية السلام العالمي الأول، واعتبر أن تورط أمريكا في الحرب العالمية الأولى في أوروبا هو جريمة ضد الحضارة، وأعلن التزامه الحياد الحقيقي، وكان ذلك أحد أسباب فوزه في الانتخابات، ولكنه بعد عام واحد ألقى بكل الوعود وراء ظهره، ودخل في الحرب بيديه ورجليه تحقيقاً لمصالح الشركات والمصارف الأمريكية، وفي العام 1928م كان الرئيس الجمهوري المنتخب هربرت هوفر قد رفع شعارات براقة في حملته الانتخابية حيث قال: إنه سيمهد لليوم الذي لن يجد الفقر فيه مكاناً لنفسه في أرجاء الولايات المتحدة، وتعهد بأعوام من الرفاهية والرخاء، ورفع أنصاره شعار "سيارتان في كل جاراج"، ولكن في العام التالي مباشرة 1929م حدث الكساد الكبير، والذي انهارت فيه البورصة، وتحولت ملايين الأسهم إلى مجرد أوراق، واعتبر ذلك اليوم أسوأ يوم في تاريخ أمريكا، وارتفعت أعداد العاطلين لتصل إلى أكثر من 14 مليون أمريكي، وأصبح ملايين الناس لا يجدون المأوى أو الطعام.
وفي السبعينيات أعلن جيمي كارتر الرئيس الديمقراطي شعار الالتزام الأمريكي بحقوق الإنسان، ولكنه أبقى على الدعم الأمريكي الكامل لشاه إيران الذي كان نظامه يعتبر وقتها الأول عالمياً من حيث عدد الإعدامات، ومستويات التعذيب، وانتهاكات حقوق الإنسان، ولم يمنع ذلك كارتر من أن يتغزل في الشاه بالقول: أن إيران "جزيرة استقرار في إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً".
وقد تميزت فترة الرئيس جورج بوش بأنها كانت أكثر منهجية واحترافاً في ممارسة الكذب داخلياً وخارجياً، فقد اعتمدت وزارة الدفاع تحت إشراف الوزير رامسفيلد أسلوب " إدارة الفهم والإدراك " وهو حسب مخططي البنتاجون يعرف بأنه: "الأعمال التي تهدف لإيصال ( أو) إنكار معلومات ومؤشرات مختارة إلى المشاهدين للتأثير على عواطفهم ودوافعهم وموضوعية تفكيرهم، وبطرق مختلفة تدمج إدارة الفهم والإدراك بين تحريف الحقيقة وأمن العمليات والسرية والتضليل والعمليات النفسية "، وهذه العملية وإن كان مقصوداً بها العالم الخارجي في الأساس إلا أن الصحفيين الأمريكيين شيلدون رامبتون وجون استوبر أثبتا في كتابهما الهام "أسلحة الخداع الشامل " أن التأثر الحقيقي والأكبر بهذا التضليل كان من نصيب الشعب الأمريكي، وقد أدى ذلك إلى نتيجة يعتبر تواجدها في بلد ديمقراطي فضيحة، فقد أظهرت استطلاعات أجرتها جامعة ميريلاند أن 72 % من الذين يؤيدون جورج بوش لا يزالون يعتقدون أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، رغم تقارير اللجان الأمريكية التي تثبت عكس ذلك، وقال 75 % من مؤيديه أنهم يعتقدون أيضاً بوجود علاقة بين صدام حسين وتنظيم القاعدة رغم تصريح رامسفيلد الذي سبقت الإشارة إليه.
وعلى المستوى الخارجي كان أعضاء في الكونجرس قد عبروا عن دهشتهم من انتشار مشاعر الكراهية ضد أمريكا في أنحاء العالم، وقال بوش متسائلاً ببراءة: " أنا مندهش من وجود مثل سوء الفهم هذا"، وطالب " يجب أن نقوم بعمل أفضل لشرح قضيتنا"، ومن ثم فقد أصدر الكونجرس - ذو الأغلبية الجمهورية - قانوناً أطلق عليه " تعزيز الحرية " وطالب القانون وزير الخارجية بأن يعتمد الدبلوماسية العامة - وهي تعبير يقصد به العلاقات العامة - جزءاً لا يتجزأ من تخطيط وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، وبضرورة تأسيس برامج دعائية وإعلامية متفوقة لتحسين الصورة الأمريكية عالمياً.
وتنفيذاً للقانون سارع كولن باول إلى جلب إحدى خبيرات الدعاية " شارلوت بيرز" التي اكتسبت شهرتها من إعلانات أرز " أنكل بن " وشامبو "هيد أند شولدرز" لكي تتولى مسؤولية إقناع المسلمين بأن أمريكا تحبهم وتحرص على مودتهم، ولكن يبدو أن رؤوس المسلمين لم تتكيف مع الشامبو الأمريكي، ورغم أن شارلوت اعتمدت سياستها تحت شعار "إعادة تعريف أمريكا" فقد كان ذلك بعبارة أخرى يعني " إعادة ترويج الأكاذيب بصيغة جديدة " ولذلك اضطرت شارلوت في النهاية أن تتهم المسلمين بعدم الفهم، وقالت بعد محاولات فاشلة في القاهرة " مهما حاولت جعلهم يفهمون لن يفهموا " ثم قدمت استقالتها في النهاية لأسباب صحية بالطبع، وربما تعود مرة أخرى لإقناع الأمريكيين أن يغسلوا رؤوسهم بالشامبو، فذلك أسهل.
يبقى أن الكذبة الكبرى التي مارسها الأمريكيون - وسيمارسونها - على العرب والمسلمين هو الإدعاء برغبتهم في دمقرطة العالم العربي، فقد ثبت أن هذه رغبة مزعومة ولا يمكن تطبيقها؛ بل يحذر منها عدد متزايد من الساسة الأمريكيين من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وننقل رأي واحد فقط من أبرز الأكاديميين الأمريكيين وهو ملفين ب. ليفر أستاذ التاريخ: "الحرب على الإرهاب بحالتها الحالية تجعل من الصعب على الإدارة الدفع إلى دمقرطة العالم العربي، إن شن الحروب الوقائية يتطلب الحصول على حقوق المرابطة العسكرية، ومن أجل تلبية احتياجاتها العسكرية على الولايات المتحدة أن توقع اتفاقات مع أنظمة تزدري المبادئ الديمقراطية، وأن تدعمها أيضاً".