المستشرق النمساوي محمد أسد (ليو بولد فايس) كما لا يعرفه الكثيرون

د. إبراهيم عوض

 

محمد أسد (1900- 1992م) صحفي نمساوي يهودي، وُلِد بإقليم من أقاليم بولندا كان تابعاً آنذاك للإمبراطورية النمساوية، وكان يسمى ليوبولد فايس، ثم دخل في الإسلام سنة 1926م بعد أن رحل إلى الجزيرة العربية أيام الملك عبد العزيز آل سعود، ثم انتقل بعد ذلك إلى شبه القارة الهندية حيث توثقت بينه وبين العلامة إقبال عُرَى الصداقة، وظل يساعد في إذكاء نهضة الإسلام في تلك البلاد إلى أن انفصلت الباكستان عنها، فانتقل إلى الإقامة في الدولة المسلمة الجديدة، واكتسب جنسيتها، وأصبح مندوبها الدائم في الأمم المتحدة حتى عام 1953م.

وقد تزوج أسد ثلاث مرات: أُولاها بإلزا التي أسلمت معه ولكنها لم تُعَمَّر طويلاً، فاقترن بامرأة عربية رُزِق منها ابنه الوحيد طلال الأستاذ بإحدى الجامعات الأمريكية ثم انفصل عنها، وأخيراً تزوج بولا حميدة الأمريكية التي أسلمت هي أيضاً.

كما ترك أسد عدة كتب تُرْجِم بعضها إلى العربية: "الطريق إلى مكة"، و"الإسلام في مفترق الطرق"، و"منهاج الحكم في الإسلام"، وبعضها الآخر لم يترجم بعـــد إلى لغــة الضاد حسب علمي، وهى ترجمته الإنجليزيــة للفرآن الكريم واسمهــا: ”The Message of the Quran"، وترجمته لقسم من "صحيح البخاري" بعنوان "Sahih al-Bukhari _ The Early Years of Islam "، وبقية سيرته الذاتية، وعنوانها: "Coming Home of the Heart" ...إلخ.

والذين يعرفون أسد في العالم العربي إنما يعرفونه في الغالب من خلال كتبه المترجمة إلى العربية، وهذه الكتب ليس فيها تقريباً ما يمكن الاختلاف معه بسببه، لكن الأمر يختلف بالنسبة لترجمته للقرآن، وإلى حد ما بالنسبة لترجمته لـ"صحيح البخارى"، إذ نراه في الأولى مثلاً ينكر معجزات الأنبياء، ويُجَوِّز عليهم الوقوع في الأخطاء والخطأيا مثلهم في ذلك مثل أي شخص آخر، كما يؤوّل الجن والشياطين والملائكة ونعيم الجنة وعذاب النار تأويلاً رمزياً، فضلاً عن أن له في مجال الفقه آراء غريبة ليس من السهل هضمها أبداً، وهو ما يجهله قراؤه العرب، وما يبدو الإسلام معه شيئاً آخر غير الذي نعرف.

وكل ما أرجوه ألا أكون قد ظلمت الرجل أو أسأت إليه، فلقد كنت شديد الانبهار بقصة إسلامه وكتاباته المترجمة إلى لغتنا، إلى أن اطَّلَعْتُ على ترجمته للقرآن الكريم، ووجدت فيها تلك الآراء الغريبة فخفَّ انبهاري، وحَلَّتْ محلَّه نظرة نقدية تريد وضع الأمور في نصابها الصحيح، مبتغية بذلك وجه الله وحده، وهو نعم المولى ونعم النصير!

وسوف أبدأ بدراسة هذه الترجمة لأنها تتضمن آراء أسد التي لا يعرفها جمهور قرائه العرب، وستكون أولى خطواتنا في هذه الدراسة هي تناول الناحية الفنية في الترجمة، أما آراء كاتبنا الغريبة فيجدها القارئ في هوامش هذه الترجمة، وسوف نتعرض لها لاحقاً بعد الانتهاء من الناحية الفنية:

 

- ترجمة أسد للقرآن الكريم:

صدرت ترجمة محمد أسد للقرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية عام   1980 م عن "دار الأندلس" بجبل طارق، وكانت قد صدرت طبعة محدودة تضم السُّوَر التسع الأولى قبل ذلك بستة عشر عاماً، وتقع الترجمة الكاملة في ألف صفحة من الصفحات الكبار، ويشغل الجزءَ العلوىَّ من كل صفحة النصُّ القرآنى في الناحية اليمنى، وترجمته الإنجليزية على اليسار، أما الجزء السفلىّ فيضم الهوامش التفسيرية، والتعليقات الفنية الخاصة بعملية الترجمة...إلخ، وفي بداية كل سورة يطالع القارئ تمهيداً يتحدث عن تاريخ نزولها، والموضوعات التي تتعرض لها وما إلى ذلك.

ولا شك أن ترجمة مثل هذه تحتاج إلى دراسة علمية مفصلة تليق بها وبصاحبها، ولست أعلم أحداً نهض بهذا العبء من قبل، وكنت قد رأيت نسخة من هذا الكتاب لأول مرة في لندن في إحدى المكتبات التي تبيع الكتب العربية والإسلامية عام 1981م، ثم وجدت نسخة أخرى في مكتبة كلية التربية بالطائف عام 1991م، واستعنت بها في كتابي عن سورة "الرعد"، ثم لما عدت إلى مصر شرعت أبحث عنها فعثرت على نسخة منها في مكتبة جامعة القاهرة صوَّرْتُها وأنا في غاية الانشراح، وهذه الصورة هي التي اعتمدتُ عليها في دراستي لسورة "المائدة"، التي خالفت فيها أسد في بعض ما قاله عن عقوبة الحرابة، وهأنذا أجد في الدوحة نسخة أخرى سهّل لي استعارتها من وزارة الأوقاف القطرية الأستاذ أحمد الصِّدّيق الشاعر الإسلامي المعروف، فله أجزل الشكر على هذه المعاونة القيمة، وهى النسخة التي اعتمدت عليها في وضع هذه الدراسة.

وبالمناسبة فقد وجدت بعد أن انتهيت من تأليفها نسخةً أخرى هنا في مكتبةٍ يملكها رجل باكستانى فاشتريتها.

وقد لاحظت أن أسد - على طول ترجمته كلها - لم يسمّ قط رب العزة باسم "الله" مُؤْثِراً استعمال كلمة "God"، ولا أدرى السر في ذلك، وهو نفسه ما فعله في ترجمته لـ"صحيح البخارى"، إن كلمة "الله" هي اسمُ عَلَم، وأسماء الأعلام لا تتغير في الترجمة، بل تبقى على حالها كما هو معروف، وإذا كان سافارى وبيرك مثلاً في ترجمتيهما للقرآن إلى الفرنسية قد صنعا مثل هذا فمن السهل أن يُفَسَّر ذلك بأنه كراهية منهما لهذا الاسم الكريم الذي يُعْرَف به المولى في دين محمد - صلى الله عليه وسلم -، لكن ماذا عن أسد نفسه الذي ترك دينه وأسماء الإله فيه إلى الإسلام وإلهه؟ ترى لماذا تخلى بتلك البساطة عن هذه الخصوصية الإسلامية الجميلة؟

ونراه أيضاً يترجم "الهجرة" في الأغلبية الساحقة من المرات بـ"Exodus"، وهى الكلمة التي ارتبطت بتاريخ اليهود وخروجهم جميعاً دفعة واحدة من مصر(1)، لقد تحولت اللفظة العربية إلى اسمِ عَلَم تقريباً، بل لقد دخلت اللغات الأوربية كما هي دون تغيير مع كتابة حرفها الأول "H" بالحجم الكبير دلالة على أنها تُعامَل في تلك اللغات على أنها عَلَم من الأعلام، لقد انسلخ كاتبنا عن دينه فلماذا يهجر الكلمة العربية المسلمة إلى تلك اللفظة الأجنبية ذات الإيحاءات اليهودية؟ ولقد انتقدتُ جاك بيرك لنفس السبب في كتابي الذي وقفته على دراسة ترجمته الفرنسية للقرآن الكريم (2)، وأحسب أن الأستاذ أسد أولى بالعتب من بيرك لأنه مسلم، أما بيرك فلا، ومما ترجم به كاتبنا أيضاً مصطلحَ "الهجرة" كلمةُ "flight: الفرار" (3)، وهى ترجمة خاطئة، بل لا إخال أنني أتجنى عليه إذا قلت إنها مسيئة في حق الرسول - عليه الصلاة والسلام -.

إن من المقبول أن يصف مثلاً خروج موسى - عليه السلام - من مصر بعد وَكْزه المصري وقضائه عليه، بأنه "فرار"(4) لأن القرآن الكريم نفسه يقول على لسان ذلك الرسول الكريم في حديثه إلى فرعون بعد أن عاد إلى أرض الكِنَانَة محمَّلاً برسالة السماء: ((ففررت منكم لمّا خفتكم))(5)، وفوق هذا فإن هذا الفرار إنما كان قبل بعثته، ولذلك لم يعقب الله - سبحانه - على تصرفه هذا بشىء، على عكس الحال في قصة يونس - عليه السلام - حين أَبَق من قومه لعنادهم وتصلبهم في الكفر، فركب سفينة لترسو عليه القرعة، ويلقى بنفسه في البحر من ثم فيبتلعه الحوت حيث يقاسى في بطنه الأهوال إلى أن كتب الله له الفرج(6)، أما تسمية الهجرة المحمدية "فراراً" فهي في الواقع خطأٌ صُراحٌ، وإساءة لا تصح، وإذا كان بعض المستشرقين من غير المسلمين يستعملون هذه اللفظة لقد كان أَقْمَنَ بأسد اختطاطُ سبيلٍ أخرى، وعنده مندوحة عريضة في كلمة "Hegira" التي دخلت قاموس اللغة الإنجليزية، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها، إن محمداً - عليه الصلاة والسلام - لم يهاجر من مكة إلا بإذن إلهى، فكيف تُسَمَّى هجرته "فراراً"، ثم إن أسد نفسه يقول إن لفظة "الهجرة" هي من الألفاظ ذات الإيحاءات الروحية، فبأي معنى طاوعته نفسه إذن لترجمتها بـ"الفرار" مُنْزِلاً إياها من أعلى عِلِّيّين إلى أسفل سافلين؟

وقد ترجم كاتبنا أيضاً عبارة "مِنْ خِلاف" في قوله تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن في الأرض فساداً أن يُقَتَّلوا أو يُصَلّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوْا من الأرض ))(7)، وكذلك في قوله سبحانه على لسان فرعون يهدّد سَحَرَته بعد انقلابهم عليه وإيمانهم بموسى: ((فلأُقَطِّعَنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خـلاف))(8) بـ"because of (in result of) your perversness "(9)، أي بسبب الإفساد (الناشئ عن الخلاف والعصيان)، مخالفاً بذلك ما قاله علماء المسلمين من أن المقصود هو قطع اليد اليمنى والقدم اليسرى، أي من جهتين مختلفتين.

والحق إنه لمن الصعب جداً موافقة الأستاذ أسد على هذه الترجمة، إذ من غير المعقول أن يفهم - وهو الأجنبي وبعد كل هاتيك القرون - تعبيراً عربياً قديماً أفضل مما فهمه كل المفسرين والفقهاء المسلمين تقريباً، وأيضاً من الصعب جداً أن تكون عبارة "من خلاف" إشارة إلى علة تقطيع أيدي المفسدين الخارجين وأرجلهم، والسبب هو أن تلك العلة قد نُصَّ عليها قبل ذلك في كل الآيات المذكورة: ففي آيات "المائدة" نقرأ في أولها: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن في الأرض فساداً...))، فالعلة إذن هي محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فساداً، فلماذا يعاد النص على تلك العلة بعد ذلك على هذا النحو الغامض بعبارة "من خلاف"؟

أما في الآية الخاصة بفرعون فإننا نسمعه يقول للسَّحَرة: (( آمنتم له قبل أن آذَنَ لكم؟ إن هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتموه بالمدينة لتُخْرِجوا منها أهلها ))، وواضح أنه يشير إلى العلة التي أوجبت في نظره تقطيع أيديهم وأرجلهم، وتصليبهم في جذوع النخل، ألا وهى مَكْرُهم لإخراج أهل المدينة منها، كذلك لو كانت عبارة "من خلاف" تشير إلى سبب التعذيب فلماذا لم تُذْكَر إلا عقب الصنف الأول منه فقط، ولم تؤخَّر إلى ما بعد الفراغ من ذكر كل ألوانه ما دامت هي علة هذه الضروب العقابية جميعاً؟ ثم إننا لم نسمع باستخدام هذا التعبير في المعنى المذكور، ولو كان هناك شاهد من النصوص القديمة عليه فلماذا لم يَسُقه المترجم؟

الواقع أن الذوق العربي لا يرتاح إلى مثل ذلك التوجيه، والواقع أيضاً أن أسد قد اعتسف هذا التفسير أَوّلاً في سورة "المائدة" لِيَخْلُص منه إلى إلغاء عقوبة الحرابة على ما سوف يأتي بيانه في فصلٍ لاحق، ثم اضْطُرَّ أن يقول به في آية فرعون والسَّحَرة حتى لا يناقض نفسه، هذا هو تفسيري للمسألة، والله أعلم. 

ومن الألفاظ القرآنية التي تصرَّف فيها مترجمنا تصرفاً واسعاً يطمس مفهومها طمساً لفظُ "الأعراف"، إن هذا اللفظ يشير إلى مفهوم قرآني خاص، فكان ينبغي أن يُبْقِىَ أسد عليه كما هو، ولْيَشْرَحْه بعد ذلك في الهامش على النحو الذي يفهمه فيجمع بذلك بين وفاء الترجمة للأصل وبين شرح هذا  الأصل بما يعتقد أنه هو المعنى المراد، لقد ترجم كاتبنا لفظ "الأعراف" بما يعنى أنه "القدرة على معرفة الحق والباطل والتمييز بينهما"، ومن ثم صار قوله تعالى: ((وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كُلاًّ (أى كلا من أهل الجنة وأهل النار) بسيماهم )) في الترجمة الإنجليزية هكذا:" they who (in life) were endowed with the faculty of discernment (between right and wrong)"، أي أولئك الذين كانوا يتمتعون في الدنيا بالقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ(10)، وهو ما يعنى أنه لا "أعراف" في الآخرة كما يُفْهَم بكل وضوح من النص القرآني! فكيف كان ذلك يا ترى؟

يوضح أسد هذا في الهامش بقوله: "إن كلمة "الأعراف" (التي أعطت السورةَ اسمها) قد تكررت في القرآن مرتين ليس إلا، وذلك في الآيتين  46، 48 من هذه السورة، وهى جمع "عُرْف" التي تعنى في الأصل "المعرفة" أو "الاستبصار"، كما تُسْتَعْمل للدلالة على أعلى أو أسمى جزء في الشيء (لأنه أسهل جزء يمكن رؤيته) مثل: "عُرْف الديك" و"عُرْف الحصان"...إلخ، وعلى أساس من هذا الاستعمال الشائع حَسِبَ كثيرٌ من المفسرين أن "الأعراف" هنا تشير إلى "الأماكن المرتفعة" مثل أعالي الجدران والأسوار، ومن ثم ربطوا بينه وبين "الحجاب" المذكور في الجملة السابقة (جملة "وبينهما  (أي بين أهل الجنة وأهل النار) حجاب")، لكن هناك تفسيراً أصوب من ذلك يعتمد على المعنى الأصلي لكلمة "عُرْف" وجمعها ألا وهو الاستبصار والتمييز أو القدرة عليهما، وقد أخذ بهذا التفسير بعض كبار المفسرين القدماء كالحسن البصري والزجّاج، اللذين يوافق الرازي على ما قالاه موافقة صريحة، واللذين يؤكدان أن عبارة "على الأعراف" ترادف قولنا: "على معرفة"، أي أصحاب علم أو ذوو مقدرة على التمييز (بين الحق والباطل)، ومن ثم فالرجال الذين على الأعراف هم  الذين كانوا في دنياهم قادرين على إبصار الحق من الباطل (متعرِّفين على كل منهما بعلامته المميِّزة له)، لكنهم في ذات الوقت لم يكونوا قادرين على اتخاذ موقف محدد منهما، أي أنهم باختصار كانوا أشخاصاً غير مبالين، وهذا الموقف الفاتر قد حرمهم عمل  الكثير من الخير أو الشر بحيث أدَّى ذلك في النهاية إلى ما تقوله الآية التالية من أنهم لا يستحقون الجنة ولا النار (وهناك عدة أحاديث بهذا المعنى أوردها الطبري وابن كثير في تفسيريهما لهذه الآية)، هذا ويُقْصَد بكلمة "رجال" في الآيتين المذكورتين "الأشخاص" من الجنسين: جنس الرجل وجنس المرأة على السواء"(11). 

وواضح أن أسد ينطلق من أن المعنى الأصلي لكلمة "عُرْف" هو "المعرفة" وأن دلالتها على أعلى جزء في الشيء هي دلالة فرعية، لكنه بهذه الطريقة يقلب رأساً على عقبٍ ما نعرفه من أن المعنى المادي للكلمات هو الأساس الذي تتفرع منه المعاني المجردة، وإذن فهذا المعنى الأخير الذي ذكره على أنه  المعنى الفرعي هو في الحقيقة المعنى الأصلي لا العكس، وثانياً هل يمكن في العربية أن نقول: إن فلاناً "على الأعراف" بإطلاق ونحن نقصد أنه على معرفة واسعة وقدرة كبيرة على التفرقة بين الخطأ والصواب؟ الذي أعرفه هو أننا نقول مثلاً: "فلان على معرفة بكذا" لكنى لم أسمع قط بمن يقول: "فلان على عُرْف" هكذا بإطلاق (أي على معرفة)، بله أن نقول: "فلان على أعراف"، فضلاً عن "فلان على الأعراف" (بالألف واللام)! ترى أيصح أن نقول: "فلان على معارف"؟ بالطبع لا، فما بالنا بـ"على المعارف"؟

وثالثاً فإن الزمن في قوله تعالى: "وعلى الأعراف..." هو نفس الزمن الذي ينظر فيه هؤلاء الرجال إلى كل من أهل الجنة وأهل النار أي في الآخرة، أما الأستاذ أسد فيقول إنهم "كانوا" يتمتعون "في الدنيا" بالمقدرة على التمييز بين الحق والباطل، وهذا غير ذاك كما هو واضح، ثم إن العرب إذا وصفوا شخصاً بالتمييز بين الحق والباطل فإنهم يقصدون مدحه لا القول بأنه فاتر في موقفه تجاههما مما يدخل في باب الذم لا المدح!

أما الملاحظة الخامسة فهي أن أصحاب الموقف الفاتر في مثل هذه الأمور هم عادةً الأشخاص الذين لا يتمتعون بمقدرة على المقاومة، ولا يستطيعون من ثم الصمود أمام إغراءات الشهوات والأباطيل، أليس هذا ما نشاهده في هذه الحياة؟ وعلى ذلك كان ينبغي أن يكون مكان هؤلاء مع أهل النار.

وسادساً لقد تحدث القرآن كثيراً عن الكافرين الذين يصرون على كفرهم رغم علمهم أنهم على الباطل، وأن النبي على الحق، ومع ذلك لم يستعمل كلمة "أعراف" في أي موضع من هذه المواضع، بل يستعمل عادةً كلمة "يعرفون" أو "يعلمون".

وسابعاً هل ثمة معنى لقولنا: "وعلى المعرفة رجال يعرفون كذا"؟ إن هذا كلام ركيك، وحاشى لله أن يكون هذا هو أسلوب القرآن! وعلى أية حال فقد كان ينبغي أن يترجم محمد  أسد هذه العبارة ترجمة مباشرة، ثم فليقل بعد ذلك في الهامش ما يشاء وذلك احتراماً للنص القرآني، وحفاظاً عليه بدلاً من تحيُّفه وطَمْسه قليلاً قليلاً، وإسقاط تصوراته هو  ومفاهيمه عليه في ذات الوقت!

إن النص القرآني شيء، وفهمه وتفسيره شيء آخر، وإن مكان التفسير في مثل هذه القضية هو الهامش الذي سيُحْسَب حينئذ على المترجم لا على القرآن نفسه.

ومما يجدر ذكره كذلك في هذا السياق  أن كاتبنا يترجم كلمة "النَّسِىء" في قوله تعالى: ((إنما النسىء زيادة في الكفر يُضَلّ به الذين كفروا يُحِلّونه عاماً ويُحَرِّمونه عاماً ليواطئوا عِدَّة ما حَرَّم الله فيُحِلّوا ما حَرَّم الله ))(12)     بـ"the intercalation of monthes" بمعنى "إضافة بعض الشهور" ليظل عدد أيام السنة القمرية مساوياً لعدد أيام نظيرتها الشمسية، إذ كانوا (كما يقول) يزيدون شهراً في السنة الثالثة والسادسة والثامنة كل ثماني سنوات، ثم يمضى قائلاً: إن المسلمين لو كانوا جَرَوْا على هذه الطريقة الجاهلية لجاء الصوم والحج دائماً في نفس الموعد من السنة الشمسية كل عام، ومن ثم يكون أداؤهما إما بالغ السهولة أو شديد الصعوبة حسب الفصل الذي سيقع فيه(13).

والواقع أن هذا أحد المعنيين اللذين تذكرهما المعاجم كـ"لسان العرب" و"تاج العروس"مثلاً لكلمة "النسىء" أما معناه الآخر فنَقْل حُرْمة أحد الشهور الحُرُم (وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم) إلى شهر آخر لأن العرب كانوا إذا تقاتلوا وأتى عليهم شهرٌ حرامٌ وأرادوا أن يستمروا في القتال ولا يتوقفوا طِبْقاً لما تقضى به حرمة تلك الأشهر، ينقلون تلك الحرمة إلى شهر آخر غير محرَّم بعد انتهاء الحرب، فالأستاذ أسد كما نرى قد ذكر أحد المعنيين لكمة "النسىء" وأغفل المعنى الآخر وهو المعنى الذي أرى أنه الأنسب للسياق: فالآية تتحدث عن "الأشهر الحُرُم" لا عن الحج أو الصيام، وتذكر تحليل النسىء عاماً وتحريمه عاماً، ولا تشير إلى زيادة أيامٍ كل عام كي تتوافق السنة القمرية مع السنة الشمسية، وتقول: إن غاية العرب من ذلك هو مواطأة عِدّة ما حرَّم الله أي جَعْل الفترة التي يمتنعون فيها عن القتال أربعة أشهر دون أن تكون بالضرورة هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثم فليكن المعنى الذي أدار محمد أسد عليه ترجمته رغم ذلك كله هو  المعنى الصحيح، أفلم يكن ينبغي أن يتعرض للمعنى الآخر في الهامش حتى يعطى القارئ فرصة لاختيار ما يطمئن إليه عقله وضميره؟ ذلك أنه لا يفسر بل يترجم، وما دامت الآية تحتمل معنيين لقد كان ينبغي أن يذكر المعنى الثاني في الهامش ويخرج بذلك من العهدة، أياً ما يكن الأمر فقد رأيت عدداً من مترجمي القرآن يترجم "النسىء" كما ترجمه أسد، ويبدو لي أنه قد تأثر بهم، وقد رددت على بعضهم في كتابي "المستشرقون والقرآن".

ويُبْعِد الأستاذ أسد النُّجْعة في بيداء الاعتسافات الخاطئة عند ترجمته لـ"كذلك" في قوله تعالى عن رحلة ذي القرنين في اتجاه المشرق: ((كذلك وقد أَحَطْنا بما لديه خُبْراً ))(13) بـ"thus (We had made them and thus he left them)"، ومعناه : "كذلك جعلناهم، وكذلك تركهم ذو القرنين"، يقصد (كما قال في الهامش) أن ذا القرنين لم يشأ أن يتدخل في أسلوب حياتهم البدائية الطبيعية في العيش عراةً حتى لا يسبب لهم الشقاء، إذ هم لا يحتاجون إلى أي نوع من الملابس(14)، لكن ثمة عدداً من الأسئلة لا بد من الجواب عليها عند ترجمة هذه الآية الكريمة: ترى هل هناك أي دليل على أن المقصود بعدم وجود ستر بين هؤلاء القوم وبين الشمس أنهم كانوا عراة؟ ألا يمكن أن يكون المقصود مثلاً أن الجو عندهم ضاحٍ طول النهار؟ أو أنهم من أهل الصحراء حيث لا شجر ولا واقٍ طبيعي من حرارة الشمس؟ وحتى لو كان الأمر في "الستر" هو ما قاله، فما الدليل على أن كلمة "كذلك" تعنى ما جاء في ترجمته؟ ثم كيف لا يهتم ذو القرنين، وهو (كما يلوح من الآيات) من الحكام الصالحين المؤمنين بالله - سبحانه - بأن يُخْرِجهم من حالة العُرْى، ويعلِّمهم كرامة الاستتار؟  لقد امتنَّ الله في القرآن على عباده بأنه قد أنزل عليهم لباساً يوارى سوءاتهم وريشاً(15)، وهو ما يدل على أن ستر العورات وارتداء الملابس امتثال لمشيئة الله، وتقبل لنعمته الكريمة، فكيف يقول أسد إن ذا القرنين قد آثر تركهم على ما هم عليه من عُرْىٍ وبدائية؟ بل إن آدم وحواء في  بداية الخليقة ما إن أكلا من  الشجرة المحرمة وبدت لهما سوءاتهما حتى طَفِقا يَخْصِفان عليها من ورق الجنة رغم أنه لم يكن هناك أحد غيرهما، فما بالنا بِعُرْى الدنيا الذي يكون عُرْضة لأنظار كل من هَبَّ ودَبّ؟ وفوق ذلك فإنه - سبحانه - قد نسب نزع الملابس عن أبوينا الأوَّلَيْن إلى الشيطان نفسه بما يبرهن أقوى برهان على قبح ذلك وشُنْعه عند رب العالمين(16)، إن هذا الموقف الذي ينسبه أسد إلى ذي القرنين لهو أشبه بما كان يفعله المستعمرون الأوربيون مع همج القارة الأفريقية إبان الهجمة الاستعمارية على تلك القارة، إذ كانوا يَجْهَدون في إبقائهم على ما هم فيه من جهل وبدائية كي يستطيعوا نزح ثروات القارة السوداء دون حسيب أو رقيب!

وثمة أيضاً لفظة قد ترجمها أسد بطريقة لا يمكنني هضمها، وهى تأديته حَرْفي "الطاء" و"الهاء" في مفتتح سورة "طه" بـ"O man: يا رَجُل" رغم أن ذلك أحد المعاني التي يذكرها المفسرون قائلين إن هذا هو معنى "طه" في النبطية والسريانية وغيرهما، بل إنه قد ترجم اسم السورة بذات الطريقة أيضاً فأصبحت تُعْرَف عنده باسم "سورة يا رجل"!(17)

ولقد سبق في كتابي "سورة طه - دراسة لغوية أسلوبية مقارنة"، في فصل "ملاحظات في تفسير السورة" أن رفضتُ أي تفسير لهذه الكلمة لا يقول إنهما حرفان مقطَّعان مثل: "ألم، ألمص، طس، حم، ق"، ويجد القارئ هناك بسطاً لرأيي والآراء التي رددتُ عليها، والذي يهمنا هنا هو القول بأن تفسيرها بـ "يا رجل" هو قول غريب فيه إساءة إلى النبي - عليه السلام - إذ لم يحدث أن ناداه ربه - سبحانه - في القرآن بغير النبوة والرسالة: (( يا أيها النبي، يا أيها الرسول )) أو بصفة تدل على حالة خاصة به في موقف معين: (( يا أيها المُزَّمِّل، يا أيها المُدَّثِر )).

فالقول إذن بأن الله - سبحانه - قد ناداه هنا بـكلمة عامة تصدق على كل البشر هو قول لا يتسق مع الطريقة التي ينادى بها المولى في القرآن عبده محمداً، ثم فلنلاحظ أن أسلوب النداء: "يا أيها الـ..." المستعمل في جميع المرات التي نودي فيها الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا وجود له في "طه"، فلماذا يشذّ القرآن هنا بالذات عن أسلوبه في مناداة الرسول؟ بل لماذا يا ترى يلجأ القرآن الكريم إلى النبطية والسريانية في نداء الرسول العربي القرشي؟ أهو ضِيقٌ في العربية استلزم استعارة هذا اللفظ؟ أم هو لون من المباهاة بمعرفة اللغات الأخرى، حاش لله؟ أترى من المعقول أن ينادى الله - سبحانه - رسوله الكريم بما يضيق به صدر الواحد منا، نحن الذين لا نرتفع إلى عشر معشار مقامه - صلى الله عليه وسلم - لو نُودِىَ به، إذ يرى بحقٍّ أن فيه تجهيلاً له واحتقاراً؟ إن بعضهم يظن أن ورود كاف الخطأب في قوله - تعالى- عقب ذلك: ((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)) معناه أنه لا بد أن تكون "طه" نداء للرسول، لكن ما وجه اللزوم في ذلك؟ إن هذه الكاف موجودة أيضاً في قوله سبحانه: "ألمص* كتابٌ أُنْزِل إليك..."، وفي "كهيعص* ذِكْرُ رحمة ربك عبده زكريا"، وفي "حم* عسق* كذلك يوحِى إليك وإلى الذين من قبلك اللهُ العزيز الحكيم" وغيرها، فلماذا لم يقل هؤلاء إن الحروف في هذه المواضع أيضاً هي نداء للرسول؟ لكل هذا أرفض رفضاً باتّاً أن يكون معنى "طه" هو "يا رجل"!

ومن الألفاظ  التي لا أوافق أ. أسد على ترجمته لها كلمة "زُرْقاً" في قوله تعالى: ((ونحشر المجرمين يومئذ زُرْقاً))(17)، إذ يؤوّلها بالإنجليزية قائلاً:  "their eyes dimmed (by terror)"، ثم يضيف في الهامش موضحاً أن المعنى الحرفي هو: "blue of (eye)"، وأن المقصود هو أن أعينهم ستبدو كما لو كانت مغطاة بغشاوة معتمة زرقاء(18)، وواضح أنه يصر على أن الزرقة هنا هي زرقة العيون مع أنه ليس في الآية ولا في السياق ما يدل على هذا أو يُلْمِح إليه مجرد إلماح، والذي يتبادر إلى ذهني أن تكون الزرقة هنا هي زرقة الاختناق، والمعاناة الرهيبة التي سيقاسيها المجرمون يوم القيامة حين يُنْفَخ في الصُّور، ولقد شاهدت منذ أكثر من عشرين عاماً في أوكسفورد طفلاً أصابته حالة اختناق وهو يبكى من الغضب مرتمياً على الأرض يرفس الهواء بقدميه من شدة بُرَحاء الألم، وقد اربدّ وجهه وازرقّ، ووقفنا حياله عاجزين لا نستطيع له شيئاً، وتصورت أنه سيموت، لكن سرعان ما انجابت عنه الغاشية، وعاد إلى حالته الطبيعية، فتنفسنا الصُّعَداء ورُدَّتْ إلينا أرواحنا، فهذا فيما أفهم هو الازرقاق المذكور في الآية الكريمة، وقد تكون الزرقة صِبغةً يُوسَم بها المجرمون يوم القيامة فضحاً لهم على رؤوس الأشهاد، أو تكون انعكاساً لما يعانونه آنذاك من همٍّ وخِزْى وكَرْب، وقريبٌ من هذا ما جاء في الآية 106 من "آل عمران": ((يومَ تبْيَضّ وجوهٌ وتسْوَدّ وجوه)) وكذلك الآيات 38- 42 من سورة "عَبَس": ((وجوهٌ يومئذٍ مُسْفِرة* ضاحكةٌ مستبشرة* ووجوهٌ يومئذٍ عليها غَبَرة* ترهقها قَتَرة* أولئك هم الكَفَرة الفَجَرة )).

وبالمناسبة فقد جاء في الترجمة الإنجليزية القاديانية التي حررها ملك غلام فريد أن زرقة العيون في الآية إنما تشير إلى أن هؤلاء المجرمين هم أمم الغرب النصرانية (19)، وكأن المجرمين يوم القيامة سيكونون كلهم من الأوربيين والأمريكان فقط، فلا مجرمين أفارقة أو آسيويين أو من أمريكا الجنوبية، وكأن الغربيين جميعاً سوف يدخلون النار ضربة لازب، وكأن الغربيين كلهم أصحاب عيون زرقاء، فليس فيهم من هو أخضر العينين أو أسودهما مثلاً، أما لماذا انصرف ذهن هذين المترجمين إلى زرقة العيون فسببه أن ذلك هو المذكور في كتب التفسير التي تقول إن العرب تتشاءم بصاحب العيون الزرقاء، لكن ينبغي أن نعرف أن أذواق العرب وأوهامهم شيء وحقائق الدار الآخرة شيء آخر.

أما ترجمة كلمة "أيام" في قوله - جل جلاله -: ((خَلَقَ السماواتِ والأرضَ في ستة أيام )) فتحتاج إلى وقفة خاصة، إن أسد يترجمها بـ"aeons"(20) أى حِقَب، وهى في حدود علمي ترجمة جديدة ولا بأس بها، لكن الإنسان يتساءل: لماذا يا ترى لم يجر على هذه الخطة في ترجمة كلمة "يوم" في قوله تعالى: ((يوم كان مقداره ألف سنة مما تَعُدّون))(21)، أو ((يوم كان مقداره خمسين ألف سنة))(22) التي يستخدم إزاءها كلمة "Day" رغم أن اليوم هنا أيضاً ليس هو اليوم العادي الذي نعرفه على سطح الكرة الأرضية بل حقبة متطاولة كما هو واضح، وهى الحجّة التي استند إليها في ترجمة لفظة "يوم" في عبارة "ستة أيام"؟ وبالمثل نراه يترجمها في عبارة "يوم الحساب" و"يوم الدين" بـ"Day"(23)، فلماذا هذه التفرقة غير المفهومة؟ إن هذه نقطة منهجية كان ينبغي أن تحظى من المترجم باهتمام أكبر.

وأحياناً ما يضيف أسد إلى الترجمة كلمة أو عبارة بين معقوفتين لتوضيح النص، وفي بعض المواضع قد تستدعى الحاجة فعلاً مثل هذه الإضافة، لكن في بعض المواضع الأخرى لا يستطيع الإنسان أن يبصر تلك الحاجة، بل قد تكون ذات خطورة على النص كما في ترجمته لقوله - تعالى-: ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ))، الذي أضاف إليه في الترجمة عبارة "فهو أبوهم" قبل جملة "وأزواجُه أمهاتُهم"، وهو يسوّغ هذا الصنيع العجيب في الهامش قائلاً إنه اعتمد في ذلك على أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يقولون هذا أثناء قراءتهم على سبيل شرح الآية (24) بيد أنى رغم ذلك أرى أن هذا خطأٌ صُرَاح لا سبيل إلى التهوين منه إذ إن علاقة زوجاته - صلى الله عليه وسلم - بأتباعه غير علاقته هو  بهم، فقد حرَّم القرآن أن ينكحوا أزواجه من بعده، أما هو فكان يَحِلّ له أن يتزوج من نسائهم كما هو مبين في نفس السورة (25)، ثم إن الله - سبحانه - يقول في السورة ذاتها: ((ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم))(26)، فكيف نأتي نحن ونقول: إن محمداً لم يكن أباً لواحد من المسلمين فقط بل أباً للمسلمين كلهم أجمعين؟ أَوَبَعْد قول الله قول؟

أما عبارة "رب المشارق" في سورة "الصافّات"فإنه يذهب خطوة أبعد، إذ لا يضع ما أضافه من كلمات بين معقوفتين، مما يوهم القارئ الذي لا علم له بالنص القرآني أنه هذا هو ما يقوله القرآن فعلاً وليس تفسيراً له من لدن المترجم، وهذا هو ما قاله: "the sustainer of all the points of sunrise" أي رب مشارق الشمس كلها (27)، لكن من ذا الذي يستطيع أن يقول إن "المشارق" هنا مقصورة على مشارق الشمس وحدها؟ إن نجوم السماء لا أول لها ولا آخر حتى لقد ضُرِب بها المثل فيما يستحيل عدّه، ولكل نجم مشرقه ومغربه، وهذا هو الأحجى أن يكون تفسير العبارة القرآنية بدلاً من حصرها في الشمس وحدها دون أن يكون هناك ما يدعو إلى ذلك، وبمثل هذا أرى أنه ينبغي تفسير عبارة "ربّ المشرقين ورب المغربين"، أي ربّ مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما لا "ربّ أبعد نقطتين من نقاط شروق الشمس وغروبها" حسبما جاء في ترجمة أسد (28).

أما في ترجمة جملة "وهو في الخصام غير مبين" من قوله - تعالى- عن بعض الآباء في الجاهلية ممن كانوا يئدون بناتهم الرضيعات: ((وإذا بُشِّر أحدهم بما ضَرَب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسودّاً وهو كظيم * أَوَمَنْ يُنَشَّأ في الحِلْيَة وهو في الخصام غير مبين)) يخطئ أسد خطأ من نوع آخر إذ يظن أن الكلام في جملة "وهو في الخصام غير مبين" مقصود به الأب الذي بُشِّر بالبنت، وأغلب الظن أنه لما رأى أن الضمير المستعمل في الآية هو للمذكَّر انصرف ذهنه إلى الأب لا إلى البنت التي وُصِفَت في العبارة السابقة، وهى عبارة "مَنْ يُنَشَّأ في الحلية"، وإذا صح تفسيري لقد كان ينبغي أن يتنبه أسد إلى أن الضمير هنا أيضاً هو ضمير مذكر رغم استعماله للبنت، ووجه تذكيره أنه يعود على الاسم الموصول المبهم: "مَنْ" الذي نحن معه بالخيار: فإما أن نذكِّر الضمير العائد عليه ونُفْرِده دائماً وإما أن نطابق بينه وبين ما يدل عليه، فنحن نستطيع أن نقول: "رأيت من النساء من أُحِبّه" أو "رأيت من النساء من أحبها"، أما لو استخدمنا "التي" فلا بد من المطابقة فنقول: "رأيت من النساء التي أحبها".

إذن فقوله - تعالى-: ((أَوَمَنْ يُنَشَّأ في الحِلْيَة وهو في الخصام غير مبين)) هو جملة استفهامية واحدة لا جملتان: إحداهما استفهامية على لسان الأب الساخط، والثانية خبرية داخلة في السرد كما حسب الأستاذ أسد، الذي يفهم الجزء الأخير من الجملة على أن المقصود بها الإشارة إلى الصراع النفسي المحتدم في نفس الأب: أيُبْقِى على حياة ابنته أم يئدها؟ فهذا الصراع في ظن المترجم هو الخصام المذكور في الآية، أما "غير مبين" فمعناها أنه صراع داخلي لا ينطق به اللسان، ومن ثم ترجم هذا الجزء من الجملة على النحو التالي: "ومن هنا يجد نفسه وقد مزقه صراع داخلي خفي"(29)، والواقع أنها ترجمةٌ جِدّ غريبة لا يقبلها الذوق العربي ولا الأسلوب القرآني الذي استعمل  مادة "خ ص م" سبع عشرة مرة لم تأت قَطُّ في أي منها بالمعنى الذي فهمه مترجمنا، بل كلها في الخصام بين شخصين أو جماعتين لا في الصراع الباطني بين رغبات الشخص المتعارضة، وحتى لو أردنا رغم ذلك كله أن نستخدم كلمة "خصام" في هذا المعنى لكان علينا أن نقول: "فلان في خصام مع نفسه" بزيادة عبارة "مع نفسه" مثلاً.

وفي قوله - جل شأنه - عن قوم لوط: ((لِنُرْسِل عليهم حجارةً من طين * مسوَّمةً عند ربك للمسرفين)) يترجم كاتبنا عبارة ((حجارة من طين)) بـ"ضربات عقاب شديدة كالحجارة"(30)، ولست أستطيع أن أجد مسوِّغاً لهذا الذي فعله المترجم! لقد لاحظتُ كما سأوضح لاحقاً أنه دائماً ما يؤوِّل عذاب الآخرة ونعيمها وهذا أمر قد يحتمل الخلاف، أما تأويل مثل هذا العذاب الدنيوي فما وجهه؟ إن حجة القائلين بتأويل الأخرويات هي أنها بنص القرآن والحديث شيء مختلف عما نعرفه في الدنيا، لكن الأحداث الدنيوية هي وقائع تاريخية لا تقبل التأويل، ومثل هذا التصرف من شأنه أن يزعزع النص القرآني، فالمرجوّ أن نحترمه، وفي الهامش متسع لما نريد أن نقول وذلك بدلاً من تثبيت النص المقدس إلى الأبد على فهمنا الذي من المحتمل جداً أن يكون خاطئاً بل هو هنا خطأ بكل يقين.

ثم فلنفترض أن ترجمة أ. أسد صحيحة فأي عقاب يا ترى ذلك الذي يشبه في شدته الحجارة والذي أرسله الله على قوم لوط؟ ترى أيصح أن نترك مثل هذا التعبير القرآني المُشْمِس ونذهب فنضرب في حنادس الأوهام الغامضة؟ لقد ذكر مترجمنا في موضع آخر من ترجمته أن هذه الحجارة الطينية تشير إلى وقوع انفجار بركاني، لكنه للأسف ترك هذا التفسير وجرى وراء الربط بين كلمة "سِجِّيل" في قوله - تعالى- عن نفس الواقعة: ((حجارة من سِجِّيلٍ منضود)) وكلمة "سِجِلّ" وانتهى إلى تلك الترجمة الغريبة هنا وفي الآية 82 من سورة "هُود"، فهو عقاب لكنه ليس عقاباً بالحجارة بل في شدة الحجارة، أما "مِنْ سِجِّيل" فمعناها "مسجلة في لوح القدر: pre-ordained"، وتبقى كلمة "منضود" التي جعلها صفة لضربات العقاب - ولا أدرى كيف - فهي مذكَّر، والضربات مؤنَّثة، وهذه عبارته في نصها الإنجليزي: "and rained down stone-hard blows of chastisement pre-ordained one  upon another"، ويستطيع القارئ أن يتبين بنفسه الآن كيف تمزقت أوصال الآية بلا رحمة أو داع!

ومن ترجمات أسد الغريبة التي يصعب إقراره عليها ترجمته كلمة "النجم" في قوله سبحانه: ((والنجمِ إذا هَوَى* ما ضَلَّ صاحبُكم وما غَوَى)) بـ"قطعة الوحي الإلهي" على أساس أن القرآن قد نزل منجَّماً أي على دفعات لا جملةً واحدة (31)، ولكن فاته أن القرآن لا يستخدم أيّاً من "النجم" أو "هَوَى" في الحديث عن الوحي، فكلمة "النجم" فيه إنما تدل على نجم السماء، اللهم إلا في موضع واحد يحتمل أن يكون المقصود بها نجم النبات، وذلك في الآية السادسة من سورة "الرحمن": "والنجم والشجر يسجدان"، أما بالنسبة لمجيء الوحي فيستعمل له القرآن فعلاً من مادة "ن ز ل" لا الفعل "هوى".

وأشدّ غرابةً من الترجمة السابقة تأديته لقوله - تعالى- في وصف سَقَر": (( لَوّاحةٌ للبشر ))(32) بما معناه أنها "تُليح للبشر (أى تُرِيهم) الحقيقة كلها"، يقصد كما وضَّح في الهامش أنها تجعلهم يبصرون أخيراً الحقيقة التي لم يكونوا يُقِرّون بها في الدنيا، وتُرِيهم خطاياهم وشرورهم ومسؤوليتهم عن معاناتهم وآلامهم في الجحيم، مخالفاً بذلك جميع المفسرين تقريباً، الذين يقولون إن المقصود هو أنها تَسْفَع وجوه الكافرين، وتغيِّر شكلهم(33)، ومعروف أن من معاني الفعل "لاحَ": "غَيَّر وأضمر" كما في قولنا: "لاح العطشُ أو السفرُ أو الحزنُ فلاناً"، ومن ثم فكلمة "لوّاحة" هي صيغة مبالغة من هذا الفعل الذي ليس من معانيه "أَرَى فلانٌ فلاناً كذا وكذا"، وحتى لو قلنا إن هذا أحد معانيه فأين المفعول الثاني لكلمة "لوّاحة"؟

ومما أخطأ فيه أسد بل انفرد بالخطأ حرفُ "الواو" في قوله عز شأنه: ((كلا والقمرِ* والليلِ إذا أدبر* والصبحِ إذا أسفر))، ((والصافّات صَفّاً))، ((والذاريات ذَرْوا))، ((والطُّورِ* وكتابٍ مسطور))، ((والمرسَلات عُرْفاً))...إلخ، إذ يترجمه بمعنى "تأمَّلْ واعتَبِرْ"، ولا أدرى على أي أساس فعل ذلك إذ هو قول لم يقل به أحد من المفسرين أو علماء النحو أو أصحاب المعاجم، إنه يسوّى بين "الواو" في هذه الآيات وبين قولهم في الإنجليزية: "by God"(34) مع أن الأمرين مختلفان، فمن الواضح أن "الواو" هنا هي للقَسَم لا للتعجب، والُمقْسَم به هو الاسم الواقع بعد "إنَّ" كما في الشاهد التالى: "والذارياتِ ذَرْواً* فالحاملاتِ وِقْراً* فالجاريات يُسْراً* فالمقسِّمات أَمْراً* إنّ ما توعَدون لَصادق* وإن الدِّين لَواقع))(35)، بل إن القرآن نفسه يصرح بأن هذا قَسَم، إذ جاء في سورة "الفجر": ((والفجرِ* وليالٍ عَشْر* والشَّفْع والوَتْر* والليل إذا يَسْرِ* هل في ذلك قَسَمٌ لِذى حِجْر))، كما تكرر القسم في القرآن بالظواهر الكونية وعناصر الطبيعة بلفظ القسم الصريح أكثر من مرة مثل: ((فلا أُقْسِم بالخُنَّس* الجَوار الكُنَّس* والليل إذا عَسْعَس* والصبح إذا تنفَّس* إنه لَقول رسول كريم))(35)، ((فلا أقسم بالشَّفَق* والليل وما وَسَق* والقمر إذا اتَّسَق* لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عن طَبَق))(36) فماذا يبغى الأستاذ أسد أكثر من هذا؟

وهذه النزعة إلى الانفراد بالآراء الغريبة لدى محمد أسد هي المسؤولة أيضاً عن ترجمته لقوله - تعالى- عن نساء الجنة: ((كواعب أتراب)) لا بالناهدات الصدور المساويات لأزواجهن في السن كما تقول كتب التفسير وكما يقول الأسلوب العربى، بل بـ"splendid compagnons well matched: أصحاب رائعين متوافقين"، وهو يكشف السر وراء هذه الترجمة العجيبة قائلاً: إن متع الجنة التي يمثّل الكواعب الأتراب لوناً من ألوانها ليست حقيقية، إذ لا نساء في الفردوس، ومن ثم فـ"الكواعب" هنا هم الأقران البارزون (لأن الفعل "كَعَبَ" يدل على البروز بإطلاق لا بروز النهدين فقط)، أما "الأتراب" فهم الذين يكون بينهم وبين أصحابهم توافق وانسجام"(37).

ورأيي أن هذه حجج داحضة: فأولاً لو افترضنا أنه ليس هناك نساء في الجنة فعلاً كما يقول، فإن هذا لا يُسَوِّغ ترجمة الآية بالطريقة التي فسرها بها، بل كان ينبغي أن يلتزم بما جاء فيها، ثم فلْيقل في الهامش إن هذا مجاز، وإن المقصود بالإشارة إلى النساء في الآية هو كذا وكذا، ذلك أن نساء الجنة في هذه النقطة لا يختلفن في شيء عن لبنها وعسلها وخمرها وشجرها وأنهارها...إلخ، فسواء قلنا إن في الجنة عسلاً ولبناً مثلاً كعسلنا ولبننا، أو عسلاً ولبناً من نوع آخر يليق بالآخرة وخلودها، أو قلنا إنهما رمزان لمتع أخرى لا يمكن التعبير عن حقيقتها بلغتنا البشرية، فالواجب في كل هذه الحالات الإبقاء على ذكر اللبن والعسل، وفي الهامش متسع لتوضيح رأينا على النحو الذي نشاء، ولقد فعل الكاتب نفسه ذلك مع "الحدائق والأعناب، والكأس الدِّهاق" التي ورد ذكرها في هــذه السورة(38)، فلِمَ لَمْ يتّبع هذه الخطة هنا مع "الكواعب الأتراب"؟

وثانياً فإن كلمة "أتراب" في كل من المرتين الأُخْرَيَيْن اللتين وردتا في القرآن كانت وصفاً لنساء الجنة فلم تشذّ عن هذا هنا؟ وهاتان هما الآيتان المذكورتان: "وعندهم (أي عند المتقين في جنات عَدْن) قاصرات الطَّرْف أتراب"(39)، "فجعلناهن (أي نساء الجنة) أبكاراً* عُرُباً أتراباً* لأصحاب اليمين"(40)، وبالمناسبة فقد فعل أسد هنا في ترجمة "قاصرات الطرف أتراب" و"أبكاراً* عُرُباً أتراباً" ما اقترحتُه قبل قليل في ترجمة صفات نساء الجنة(41)، فلم هذه التفرقة التي لا مسوِّغ لها إذن؟

يبدو لي - والله أعلم - أن صيغة جمع المؤنث السالم في النص الأول، وضمير جماعة النسوة في النص الثاني هما اللذان منعا مترجمنا من التمحُّل الذي لجأ إليه في ترجمة "الكواعب الأتراب"، فما رأى القارئ إذا قلنا له إن كلمة "كواعب" من حيث صيغتها لا تحتمل هنا إلا أن تكون للنساء، ومن ثم لا تصلح أن يكون معناها "الأصحاب أو الأقران" كما يريد منا الأستاذ أسد أن نفهمها؟ ذلك أن صيغة جمع التكسير "فواعل" لا تُسْتَعْمَل للعقـــلاء الذكور، اللهم إلا في "فوارس" و"سوابق" اللتين شذَّتا عن القاعـدة(41)، ثم إن "التِّرْب" هو المساوي في السن لا المتوافق المنسجم مع رفيقه كما ترجمها أسد. 

 

- رأيه في عصمة الأنبياء:

من القضايا ذات الأهمية الشديدة التي تناولها محمد أسد في ترجمته التفسيرية للقرآن الكريم بَشَريَّة الرُّسُل ومدى انعكاسها على أخلاقهم وسلوكهم، فهو دائم الإشارة إلى هذه البشرية، وهى مما لا يُشاحّ فيه أحد، إذ إن رسل الله وأنبياءه كانوا كلهم فعلاً بشراً: هكذا تكلم التاريخ، أما إذا زعم أصحاب بعض الأديان هنا أو هاهنا أن نبيهم إله أو ابن إله فهو كلام لا يؤبَه له، وإن كان لكلٍّ أن يعتقد ما يشاء، وحسابه على الله، وهكذا أيضاً تكلم القرآن، إذ ذكر مراراً أن الرسل والأنبياء كانوا جميعاً بشراً من البشر، وأنهم يأكلون ويشربون ويَغْشَوْن الأسواق والمجامع، ثم في النهاية يموتون، ولا خلاف إذن مع محمد أسد في هذا، إلا أنه للأسف لا يتوقف عند هذا الحد، بل دائماً ما يجعل إشارته إلى بشرية الرسل منطلقاً للحديث عن أنهم أيضاً مثل سائر البشر معرَّضون للخطأ كلما سنحت الفرصة، ويبدو لي بقوة أن أبواب الأخطاء كلها مفتوحة عنده أمامهم كأي إنسان آخر.

فعلى سبيل المثال يقول عند تعليقه على قوله تعالى: ((وما أرسلْنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى أَلْقَى الشيطانُ في أمنيّته فينسخ الله ما يُلْقِى الشيطانُ ثم يُحْكِم الله آياته والله عزيز حكيم)) إن إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول معناه أن يكون هدفهما لا الأخذ بيد أمتهما في معراج الرقى الروحي بل إحراز القوة والنفوذ الشخصي، ثم يمضى فيستشهد بقوله عَزَّ من قائل: ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطينَ الإنس والجن))(1) دون أن يوضح صلة هذه الآية بما نحن فيه(2)، أتراه يريد أن يقول إن للشياطين من إنس وجن تأثيراً على الرسل والأنبياء حتى إنهم لَيَحْرِفونهم عن مسارهم الذي حددته لهم السماء إلى التطلع لغايات شخصية؟ لكنْ أي نبي أو رسول يا تُرَى استطاعت الشياطين أن توسوس له بوضع مطامحه في القوة والنفوذ الشخصي فوق الغاية النبيلة التي انتدبه لها رب العزة والجلال؟

ها هو ذا القرآن الكريم بين أيدينا وليس فيه شيء من ذلك على الإطلاق، أما إذا كان العهد القديم ينسب إلى أنبياء الله ورسله مثل هذه التطلعات وغيرها مما يشوه صورة النبوة ويلطخها، فهذا ليس برهاناً على صحة تلك الدعوى الخطيرة، لأن كتب اليهود مجرَّحة تجريحاً حسبما ذكر القرآن في أكثر من موضع، وكذلك حسبما أثبتت الدراسات النقدية التي تناولت هذه الكتب، سواءٌ تلك التي قام بها علماء المسلمين أو علماء الغرب أنفسهم، وعلى أية حال فالذي يهمنا في هذا السياق هو القرآن لأنه هو الذي يستند إليه أسد في تقرير ما قال.

وفي كلمته التمهيدية التي قدَّم بها لسورة "القَصَص" يقول إن "معظم قصة موسى في تلك السورة تصوِّر الجانب البشرى الخالص في حياته، أو بتعبير آخر تصوِّر الدوافعَ وألوانَ الحيرة التي تشكِّل جزءاً من  الطبيعة البشرية، وهو ما يبرزه القرآن إبرازاً رغبةً منه في مقاومة أي ميل لدى المتدينين إلى عَزْو أية صفات إلهية أو شِبه إلهية إلى أحد من رسل الله"(3)، ثم بعد قليل يعقِّب على اقتتال المصري والإسرائيلي وتدخّل موسى - عليه السلام - ووَكْزه المصري الوكزةَ التي قضت عليه دون قصد منه، قائلاً إن "الآيتين 16- 17 من هذه السورة تومئان إلى أن الإسرائيلي لا المصري هو المخطئ، ومن الواضح أن موسى قد تقدَّم لمساعدة الإسرائيلي بدافع من الميل الغريزى نحو ابن جلدته دون اعتبار للصواب والخطأ في هذه القضية، وإن كان قد تبيَّن له أنه إنما اجترح إثماً فظيعاً، لا بقتله إنساناً بريئاً فحسب رغم أنه قتلٌ غير مقصود، بل بإقامته تصرفَه كذلك على أساس من التحيز العنصري"(4).

وفي أحد الهوامش التي خصصها للتعليق على قصة يونس - عليه السلام - وإباقه إلى الفُلْك المشحون حين لم يجد من قومه آذاناً صاغية، يختم مستشرقنا تعليقه قائلاً إن الهدف من هذه القصة في القرآن هو أن تبيِّن لنا أنه ما دام قد "خُلِق الإنسان ضعيفاً" كما جاء في سورة "النساء"، فإن الأنبياء أنفسهم غير محصَّنين ضد أي لون من ألوان الضعف المركوزة في الفطرة البشرية (5)، وهو ما يعنى بوضوح أنهم - عليهم السلام - يمكن أن يرتكبوا أي شيء مما يقع فيه البشر هان أو عَظُم، وقد كرر هذا المعنى ذاته في تفسيره لقوله - جل جلاله - مخاطباً نبيه محمداً - عليه الصلاة والسلام -: ((لِيغفرَ لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر))، إذ يؤكد أن الإنسان مهما ارتقى في معراج الخُلُق وكان حميد السجايا، فإنه عرضة للوقوع في الخطأ بين الحين والحين، وأن الآية تشير من طَرْفٍ خَفي إلى أن التحرر من الأخطاء مقصور على الله - سبحانه -(6).

وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم ما قاله بصدد الحديث عن الخَصْمَيْن اللذين تسوَّرا المحراب على داود - عليه السلام - وشكا أحدهما الآخر إليه بأنه طلب منه نعجته الوحيدة التي لا يملك سواها كي يضمها إلى قطيعه الذي يبلغ تسعاً وتسعين نعجة...الخ، إذ تساءل قائلاً: هل الأنبياء معصومون من الذنوب والخطايا كما يقول علماء المسلمين القدامى أو لا؟ ثم يجيب بأن أولئك العلماء يذكرون أن داود قد أحب امرأة قائده العسكري أوريا ورسم خطة للتخلص منه كي يخلو له وجه الزوجة، إذ أمر أن يوضَع في مكان مكشوف على خط المواجهة مع الأعداء حيث قُتِل، وبعدئذ تزوَّج داود المرأة، وأنجب منها سليمان، وإن أنكروا في ذات الوقت أن يكون قد زنى بها إنكاراً شديداً(7) ومن الواضح هنا أيضاً أن أسد مع عدم عصمة الأنبياء.

وهو يرى أن قوله - تعالى- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألم نَشْرَح لك صدرك* ووضعنا عنك وِزرك* الذي أَنْقَضَ ظهرك* ...)) يشير بكل وضوح إلى الأخطاء التي اقترفها - عليه السلام - قبل البعثة(8)، ولكنْ أية أخطاءٍ تلك التي اقترفها النبي آنذاك؟

هنا يسكت أسد! بَيْدَ أنى لست أوافقه على أن معنى "الوِزْر" في الآيات الكريمات أخطاء ارتكبها الرسول في الجاهلية، إذ لو كان الأمر كذلك فلماذا تنقض هذه الأخطاء ظهره وهو لم يكن مكلّفاً آنئذ ولا آخذه الله عليها في أي موضع من القرآن، ولا اتخذها قومه تكأة للنيل من سمعته، أو للتشويش على أخلاقه ونبوته؟ علاوة على أنّ امتنان الله عليه بشرح صدره وطمأنته إياه بأنه ما من عسر إلا ومعه يسر إنما يشير بالأحرى إلى ضيق صدره - عليه السلام - بشيء من قبيل فتور الوحي عنه في أول الدعوة، أو معاندة المشركين له أو ما إلى ذلك، أي أن الوزر هنا نفسي لا أخلاقي، أما إذا كان المقصود بشرح الصدر دلالته المادية بمعنى شقّه واستخراج حظ الشيطان منه وغَسْله بالثلج أثناء طفولته الأولى في بادية بني سعد كما جاء في بعض الروايات فإن ذلك ينسف ما قاله محمد أسد عن الرسول من أساسه، إذ معناه أنه قد أصبح في حماية تامة من الوقوع في الذنوب والآثام.

وعلى أية حال فإنه - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يكون قد وقعت منه أخطاء مما يتحدث عنها الكاتب، وإلا لاتخذها المشركون حين جاءهم بالدين الجديد سلاحاً من أسلحة الحرب النفسية التي شنوها عليه منذ البداية، ترى لو كانت هناك أخطاء من ذلك النوع أكانوا يتركونها ويتهمونه بما يعرفون هم قبل غيرهم أنه باطل، من مثل أنه ساحر، أو مجنون، أو كذاب، أو أنه يكتب ما يحكيه من قصص الأنبياء السابقين وأممهم عن بعض الرقيق المكي من أهل الكتاب؟ أيعقل أن يكون في يد إنسان ما عملة سليمة فيلقى بها في عُرْض الطريق ويتخذ بدلاً منها نُقُوداً زُيُوفاً؟

ترى لو كان النبي - عليه السلام - قد شرب الخمر مثلاً، أو ضحَّى للأوثان، أو عُرِف عنه الكذب؛ أكان قومه يسكتون على ذلك؟ إن كل ما قالوه في بشريته لا يتعدَّى إنكارهم عليه أنه كان يأكل الطعام، ويمشى في الأسواق، وأن له زوجاً وذرية، إذ كانوا يريدونه مَلَكاً لا بشراً، وهذا كل ما هنالك! فهل يصح أن يقول مُسْلِمٌ في الرسول الكريم ما لم يقله المشركون؟

ولْيلاحظ القارئ أنني قد تجنبت الخوض في الجدال النظري البحت حول عصمته - صلى الله عليه وسلم -، وسلكت بدلاً منه المنهج التاريخي والنفسي، واستنطقت النصوص ذاتها، فلم يصادفنا لا فيما وصلنا عن سيرته ولا في الآيات التي تحدثت عنه أو إليه أَىٌّ من تلك الذنوب المزعومة، ثم هل كان من الممكن أن يصفه القرآن رغم ذلك بقوله: ((وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم)) كما جاء في الآية السادسة من سورة "القلم"؟

كذلك لو كان داود - عليه السلام - قد صنع بأوريا هذا الذي ادُّعِىَ عليه أكان الله - سبحانه - تاركه دون مؤاخذة وعقاب وهو الذي عَرَّض يونسَ - عليه السلام - لتلك التجربة الفظيعة المرعبة، تجربة التقام الحوت له أياماً وليالي لمجرد غضبه من قومه، وإباقه إلى الفُلْك المشحون بسبب صلابة رقابهم، ولجاجهم في  الكفر والطغيان؟ إن التآمر على قتل رجل بريء طمعاً في زوجته الجميلة ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن تُعَدِّىَ عنه السماء بمثل هذه البساطة، وإلا فالعفاء على الأخلاق بل على النبوة ذاتها! والمضحك في الأمر أن من قَبِلوا من علماء المسلمين على داود هذه الدعوى الرقيعة (حسبما جاء في كلام كاتبنا) كانوا حُرَصاء في ذات الوقت على أن يبرِّئوه من تهمة الزنا، وكأن قتل الأبرياء بدمٍ باردٍ، وتخطيطٍ مسبقٍ، ودون خالجة من ضمير ليس بشيء بجانب هذه التهمة!

إن القصة القرآنية تقول: إن الأخ الغنىّ لم يأخذ من أخيه الفقير نعجته فعلاً بل كل ما في الأمر أنه سأله ضمَّها إلى نعاجه فهذا كل ما هنالك، أما لو كان هذان الخصمان ملكين أرسلهما الله إلى داود كما جاء في بعض كتب التفاسير لينبهاه على سبيل التلميح إلى الجريمة التي اقترفها فأي جدوى من ذلك التصرف ما دام قد سبق السيفُ العَذَل، وتمت الجريمة، ولم يعد سبيل لتداركها؟ إن هذا عبث لا تليق نسبته إلى المولى - عز وجل -، الذي يَقْدِر أن ينبِّه نبيَّه في هذه الحالة تنبيهاً مباشراً كما كان يفعل مع محمد - صلى الله عليه وسلم - حين كانت تنزل عليه هذه الآية أو تلك مشيرةً إلى ما وقع منه من اجتهاد لا تقرّه عليه السماء؟

ثم إذا كان الأنبياء يمكن أن يجترحوا جريمة القتل والتآمر على هذا النحو الشيطاني الخسيس فما الفرق بينهم وبين عُتَاة المجرمين إذن؟ إن الإنسان العادي لا ينحطّ في الغالب إلى هذه الدركة، فكيف يَتَدَهْدَى إلى مثلها الأنبياء والمرسلون الذين اصطفاهم الله على سائر خلقه، وصنعهم على عينه، وزوّدهم بالحكمة والتقوى على أحسن حال؟ وفضلاً عن ذلك فالقرآن يقول عن داود - عليه السلام - بعد واقعة الخصمين في سورة "ص" ذاتها: ((وإن له عندنا لَزُلْفي وحُسْنَ مآب))(8) فكيف يمدحه الله - سبحانه - هذا المديح العظيم، ويأتي بعضٌ فيتهموه تلك التهمة الشنيعة جرياً وراء اليهود الملاعين الذين لم يتركوا نبياً ولا رسولاً إلا افترَوْا عليه أشنع ضروب البهتان في كتبهم؟ أنكذّب بالقرآن ونصدّق العهد القديم؟ كذلك فالآية التي تلي قصة المتخاصمين تحضه - عليه السلام - أن يحكم بين الناس بالحق ولا يتَّبِع الهوى، وهو ما يرجح أن تكون القصة متعلقة بمسائل القضاء والحكم بين الناس لا بمسألة أوريا وزوجته، ولو افترضنا بعد هذا كله أن لهذه القصة ظلاً من الحقيقة - ولا إخال - فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن داود ربما سمع بجمال زوجة قائده فحدّثته نفسه قائلة: لماذا لم يُكْتَب له أن يرى تلك المرأة قبل أن يتزوجها أوريا فيتخذها هو لنفسه زوجة؟

أما يونس فإن ما صنعه حين ضاق صدره بما رآه من لَدَد قومه في الكفر والعصيان فتركهم ومضى على وجهه ليس سقطة أخلاقية، لا ولا هو تهاون في أداء الواجب، وكل ما يمكن التعليق به على تصرفه ذاك هو أن الله لم يأذن له بهجرة قومه، وإلا فإن الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد ترك هو أيضاً بلده إلى بلد آخر رجاء أن يكون حظ الدعوة فيه أحسن، لكنه مع ذلك لم يُقْدِم على هذه الخطوة إلا بعد إذن الله له.

ونأتي إلى وكزة موسى التي ينبغي ألا يفوتنا أنها كانت قبل النبوة وكانت مجرد وكزة أراد بها - عليه السلام - أن يدفع غائلة العدوان أو على الأقل ما ظنه عدواناً على ابن جلدته في بلد كان الاضطهاد والعسف يتناوشان بني إسرائيل فيه، لا لشيء إلا لضعفهم وهوانهم آنئذ، لكن كانت للقدر مشيئة أخرى إذ مات المصري بسببها رغم أن موسى لم يقصد قتله البتة! ولْنلاحظ أن موسى قد أنبه ضميره على الفور، ولذَّعه تلذيعاً شديداً، وأخذ يبتهل لربه نادماً يطلب منه الغفران.

ورغم كل ما أبدأ فيه محمد أسد وأعاد فإنه هو نفسه في حديثه عن عبوس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حين أتاه ابن أم مكتوم يسأله في بعض أمور دينه أثناء انشغاله - عليه السلام - بمحاولة إقناعه بعض رؤساء المشركين في مكة بدعوته وهدايتهم إلى الإسلام قد قال: إن ما لا يزيد عن كونه مجرد هفوة تافهة من أي إنسان آخر في مثل هذه المسألة المتعلقة بالمجاملات الاجتماعية يُعَدّ مع ذلك في حق الأنبياء ذنباً كبيراً يستوجب العتاب، ثم يمضى قائلاً: إن معاتبة القرآن للرسول على مسمع من الدنيا كلها على ذلك النحو إنما هو دليل على أنه تنزيل من لدن رب العالمين،وأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى(9)، وهذا هو الذي أتفق فيه مع أسد ليس إلا، وهو هو نفسه ما صاغه علماؤنا القدامى - رضي الله عنهم - عندما قالوا: "حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين"، كذلك قد صدرت عن قلم كاتبنا عبارة مهمة لا أدري كيف لم يستصحبها دائماً معه بدلاً من هذا الإلحاح المستمر على فكرة الضعف البشرى الأخلاقي الذي لا يفلت منه الرسل والأنبياء، وإمكان وقوعهم في أي ذنب من الذنوب التي يقترفها البشر؛ ألا وهى تذكيره بصدد التعليق على قوله - جل شأنه -: ((ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْا من قبل وكان أمر الله قَدَراً مقدوراً))(10) بأن الكلام هنا إنما يدور على الأنبياء السابقين الذين تتوافق فيهم جميعاً هم والرسول - عليه الصلاة والسلام - رغائبهم الشخصية مع إسلامهم أنفسهم إلى الله، وهو ذلك الانسجام الروحي والفطري الذي يميز صفوة خلق الله وقَدَرُهم المقدور كما تقول خاتمة الآية(11)، ترى أين كان ذلك الكلام الجميل من قبل؟ إن هذا هو أحجى ما يقال عن أنبياء الله ورسله وأقربه إلى حديث القرآن المجيد عنهم، أما تصويرهم بصورة الضعفاء المهتزين الذين لا يملكون أنفسهم من الوقوع في أي من الذنوب والآثام كلما تهيأت الدواعي لذلك فلا ينسجم مع القرآن الذي يرفع النبيين والمرسلين مكاناً عَلِيّاً، ويثني عليهم أجزل الثناء، ويبرزهم على صفحاته نموذجاً فذّاً لا يُطال رغم بشريتهم التي يؤكدها في ذات الوقت، بل ينسجم بالأحرى مع اتجاه العهد القديم الذي ينسب إليهم الزنا والقتل والدِّيَاثة ومقارفة الفاحشة مع المحارم والكذب والغدر والتحايل على الله والجلافة في مخاطبته والإغضاء عن عبادة الأوثان في بيوتهم... إلى آخر ما سوّد به اليهود الملاعين صفحات كتبهم التي يزعمون أنها وحى من عند رب العالمين، ملطِّخين بتلك الطريقة الصُّوَر النبيلة لهؤلاء الصفوة من عباد الله!

ولقد رجعت بعد الفراغ من كتابة ما تقدَّم إلى "الفِصَل في المِلَل والنِّحَل" للإمام الجليل ابن حزم لأستعيد ما قالت الفِرَق الإسلامية في هذا الموضوع فوجدته يذكر أنهم اختلفوا في ذلك: فطائفةٌ قالت إن الرسل - عليهم السلام - يمكن أن يعصوا الله في جميع الكبائر والصغائر عَمْداً حاشا الكذب في التبليغ، بل إن بعض هؤلاء قد جوَّزوا عليهم الكفر أيضاً، كما جوَّزوا أن يكون في أمة محمد من هو أفضل منه، ويؤكد ابن حزم أن هذا كفر وشرك وردة عن الإسلام، وهناك من جوَّزوا عليهم الصغائر فقط عَمْداً أما الكبائر فلا، أما الذي تدين به أمة الإسلام من سنّة ومعتزلة وخوارج وشيعة ونجارية كما يقول ابن حزم فهو أنه لا يمكن البتة أن يقع من نبي معصية أصلاً لا كبيرة ولا صغيرة، وهذا رأيه هو أيضاً، وإن قال إنه قد يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، كما قد يقع منهم قصد الشيء يريدون به وجه الله - تعالى-  والتقرب إليه فيوافق خلاف مراده - عزَّ وجلَّ -، إلا أنه تعالى لا يُقِرّهم على شيء من هذين الوجهين أصلاً، بل ينبههم على ذلك ويبيّنه، وربما عاتبهم عليه(11)، وهذا الذي ذهب إليه ابن حزم هو نفسه ما وصلتُ إليه من خلال تحليل النصوص القرآنية تقريباً، وإنه ليسعدني أن يتوافق رأيي مع رأى ذلك العلامة العظيم، وإن كنت لا أستطيع أن أُقْدِم على تكفير محمد أسد في مثل هذا خشية أن يكون اجتهاداً منه خاطئاً لا يبغى به التطاول على الأنبياء أو إهانتهم والتحقير من شأنهم - عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين -، لكنى في نفس الوقت لا أستطيع أبداً أن أهضم ما قاله بأي حال!

وفي النهاية أود أن أضبف أننا لا نجد هذا الرأي الغريب لأسد في الأنبياء في الكتب التي تُرْجِمَت له إلى العربية، لقد لمس مثلاً بشرية الرسول - عليه الصلاة والسلام - في موضعين من كتابه "الطريق إلى الإسلام"، وهذا نص ما قاله في الموضع الأول: "ومع ذلك فإنه - أي الرسول عليه الصلاة والسلام - لم يَدَّعِ يوماً إلا أنه بشر، ولم ينسب المسلمون إليه الألوهية قط كما فعل الكثيرون من أتباع الأنبياء الآخرين بعد وفاة نبيهم، والحق أن القرآن نفسه يزخر بالأقوال التي تؤكد إنسانية محمد ((وما محمد إلا رسول قد خَلَتْ من قبله الرسل أفإن مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم))، كذلك فإن القرآن الكريم قد دلَّل على عجز النبي المطلق تجاه العزة الإلهية بقوله - تعالى-: ((قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضَرّاً إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء إنْ أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقوم يؤمنون))، ولا ريب في أن مَنْ حوله لم يحبوه هذا الحب إلا لأنه لم يكن سوى بشر فحسب، ولأنه عاش كما يعيش سائر الناس، يتمتع بملذات الوجود، ويعانى آلامه"(12)، وهو تقريباً نفس ما نقرؤه في الموضع الآخر حيث يقول إنه - عليه الصلاة والسلام - كان " كائناً بشرياً مليئاً بالرغبات والدوافع الإنسانية، وبوعى حياته الخاصة، وفي الوقت عينه أداة طيِّعة لتلقِّى رسالته"(13)، والنَّصّان رغم حرصهما على إبراز بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلّم - لا يتطرقان إلى مسألة العصمة النبوية، بل لا نلمح في عباراتهما ما يوحى بأن المؤلف يرى أنه - عليه الصلاة والسلام - عرضة للوقوع في الذنوب والآثام كأي شخص عادىّ، فهل هذا دليل على أن فكر كاتبنا قد تطور بعد ذلك إلى القول بأن الأنبياء يذنبون ويأثمون كغيرهم من البشر؟ أم هل كانت هذه الفكرة كامنة في أطواء نفسه آنذاك، لكنها لسبب أو لآخر لم تشقّ طريقها إلى الظهور في ذلك الكتاب؟

 

- بعض آرائه الفقهية:

فيما يلي سنناقش بعض المسائل الفقهية التي عرض لها مترجمنا في هوامش ترجمته للقرآن الكريم: فمن ذلك تكريره القول بأن الحرب المشروعة في الإسلام هي الحرب الدفاعية فقط (الحرب الدفاعية بالمعنى الواسع)، وأن ذلك هو ما تقوله الآيات القرآنية التي تأمر المسلمين بمقاتلة من يقاتلونهم فحسب، وألا يبدأوا أحداً بعدوان كما في الآية 190 وما بعدها من سورة "البقرة"، والآية 39 من سورة "الحج"، والآية 227 من سورة "الشعراء"، والآية 39 من سورة "الممتحنة"(1)، وهو يؤكد في نفس الوقت أن "الجهاد في سبيل الله" واجب ديني لا يتم الإيمان إلا به (an act of faith)(2)، وأن الأمم التي يخاف أبناؤها الموت الجسدي ينتهي أمرها إلى الموت المعنوي، كما أن عودتها إلى الحياة تتوقف على عودتها إلى التمسك بالأخلاق من خلال التغلب على الخشية من الموت (2).

وفي ضوء هذا نراه يفسر غزوات الرسول - عليه الصلاة والسلام - فعند حديثه عن غزوة بدر يقول: إن حالة "حرب مفتوحة" كانت قائمة بين المسلمين والمشركين منذ الهجرة، ومن هنا كان تفكير الرسول في مهاجمة القافلة القرشية العائدة من الشام والتي لم تكن رغم ذلك هي الهدف الحقيقي، وإلا لأخفي عزمه على مهاجمتها، ولانتظر حتى تمر في ميعادها وهاجمها عندئذ دون أن تكون لديها الفرصة للاستنجاد بقريش، أما هدفه الحقيقي فهو استفزاز الجيش المكي عن طريق الإشاعات عن عزمه مهاجمة القافلة حتى يبرز إليه ويشتبك معه في معركة يحدد هو زمانها ومكانها فيهزمه محقِّقاً بتلك الطريقة الاعتبار والأمن لأتباعه الذين كانوا ضعفاء إبانئذ، بدلاً من انتظار قريش حتى تغزوهم في الوقت والظروف المواتية لها(2).

وانطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس أيضاً يعلل أسد غزوة تبوك، إذ يقول إن الأخبار قد وردت النبي - عليه الصلاة والسلام - في المدينة حينئذ بأن الروم يجهزون جيشاً لغزو الجزيرة العربية والقضاء من ثم على الإسلام خشيةً من عواقب سرعة انتشاره، واستجابةً لتحريض أبى عامر الراهب، ولكن عندما لم يجد الرسول جيش الروم عاد أدراجه إلى المدينة لأن الإسلام لا يحارب إلا للدفاع عن النفس(3)، ولست أظن أن عندي ما يمكن أن أعترض به على هذا الكلام.

أما ما قاله في الحرابة فليس من السهل قبوله، لقد تحدث القرآن الكريم عن جريمة الحرابة وعقوبتها في قوله - عزّ شأنه -: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعَوْن في الأرض فساداً أنْ يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُفَطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم* إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم))(4)، وكان تعليق أسد على ذلك أن تقطيع يدي الشخص ورجليه غالباً ما يراد به القضاء على سلطانه، وأن من الممكن أن يكون هذا هو المعنى المقصود هنا، أو قد يكون المراد تشويهه على الحقيقة والمجاز جميعاً، وأن التفسير الصحيح لعبارة "مِنْ خِلاف" هو "بسبب مخالفتهم (للدولة)" أو "بسبب فسادهم"، ثم أضاف قائلاً إن الآية لا تمثل في الواقع حكماً تشريعياً بل هي نبوءة بأن الذين يحاربون الله ورسوله سينتهي مطافهم حتماً إلى أن يُقَتِّل أو يُعَذِّب أو يُشَوِّه بعضهم بعضاً مما يترتب عليه القضاء على جماعات كثيرة من الناس بسبب تهالكهم على السلطة الدنيوية والمطالب المادية وهذا هو معنى النفي من الأرض في رأيه.

والذي جعله يقول بهذا التفسير هو أن التضعيف في "يُقَتَّلوا" و"يُصَلَّبوا" و"تُقَطَّع" يفيد حسب فهمه وقوع تلك الأفعال على أعداد كبيرة منهم لا عليهم كلهم بالضرورة، وهذا (في رأيه) محضُ تحكمٍ يعوذ بالله أن يكون تشريعاً إلهياً، فضلاً عن أن محاربة الله ورسوله قد تقع من فرد واحد، فكيف يمكن أن يُقْتَل أو يُصْلَب منه أعداد كبيرة؟ وفوق ذلك فهذا الحكم هو نفسه الحكم الذي أصدره فرعون على من آمن مِنْ سَحَرَته بموسى، فكيف يجعل الله - سبحانه - مثل هذا الحكم الفرعوني تشريعاً سماوياً؟ كذلك لم يحدث كما قال أن أصدر حاكمٌ مسلمٌ عقوبةَ النفي من بلاد المسلمين على أحد من الخارجين عليه، وفوق ذلك فإن استعمال كلمة "الأرض" بمعنى "بلاد الإسلام" هو استعمال لا يعرفه الأسلوب القرآني، ثم إن قوله - تعالى- : ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض)) ليس على سبيل الأمر لأن الأفعال الأربعة فيها كلها إنما جاءت بصيغة المضارع(5).

هذا ما قاله مستشرقنا لكن فاته أن القرآن حين يقول: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... )) إنما يقصد النص على تحديد العقوبة بصرف النظر عن الصيغة الفعلية المستخدمة، وهذا واضح في قوله - تعالى-: ((ومَنْ قَتَلَه منكم (أى قتل صيد الحَرَم) متعمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَل من النَّعَم))(6)، ((قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسْجَن أو عذابٌ أليم))(7)، ((ومن يقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ))(8)، ((قالوا جزاؤه مَنْ وُجِدَ في رَحْله فهو جزاؤه))(9)...إلخ، وحتى لو وافقنا كاتبنا على تفسيره للتقتيل وتقطيع الأيدي والأرجل فإن السؤال هو: إذا كان المحارب شخصاً واحداً كما قال فكيف يا ترى سيَقْتُل هذا الشخصُ أو يشوِّه بعضه بعضاً؟ كذلك قد يموت الخارجون على الدولة ميتة طبيعية دون أن يقتل أو يشوه بعضهم بعضاً كما يفسر محمد أسد العبارة، إن التضعيف في هذه الأفعال إنما يشير إلى أن الخارجين يجب أن يؤخذوا بكل عنف ودون لين أو هوادة مهما كثرت أعدادهم، أما حكم فرعون بهذه العقوبة على سَحَرَته المؤمنين فلا يعنى أنه في ذاته حكم فاسد، بل يعنى أن تطبيقه فقط كان ظالماً، أما حين يطَبَّق على وجهه الصحيح فإنه يكون عندئذ حكماً عادلاً، وبالنسبة للنفي من الأرض فقد حدث كثيراً في التاريخ الإسلامي وإن لم يَعْنِ بالضرورة النَّفي خارج ديار الإسلام كلية بل من  المكان الذي يكون للمحارب فيه شوكة أو الذي يعيش فيه أهله وأصحابه ممن يؤلمه الابتعاد عنهم مثلاً(10)، وإلى جانب هذا فإن الاستثناء في الآية الثانية من النص الذي بين أيدينا يدل على أن الكلام هنا إنما هو عن عقوبة تشريعية يُعْفي منها الذين تابوا من جريمتهم قبل أن تلقى السلطات يدها عليهم.

وأخيراً وليس آخراً فلو جارينا محمد أسد في رأيه هذا لما كان له من معنى إلا أن الإسلام لم يضع لهذه الجريمة الشنعاء أية عقوبة، فهل هذا ممكن؟ حقاً هل هذا ممكن في الوقت الذي قد حدَّد فيه للسرقة عقوبة القطع، وهى جريمة أهون من جريمة الحرابة بكل المقاييس؟ أقول هذا لأن أسد لم يحاول أن يؤوِّل آية عقوبة السرقة(11) كما صنع مع آيَتَىِ الحرابة، بل دافع عن العقوبة الواردة فيها قائلاً إنها عقوبة عادلة جداً في ضوء ما تقوم به الحكومة الإسلامية من توفير المستوى المعيشي الملائم  لكل فرد في الدولة مسلماً كان أو غير مسلم، ومن ثم فليس معقولاً أن يتحجج أحد بأنه قد وقع فريسة لإغراء السرقة، ثم تابع كلامه قائلاً: إنه إذا لم يقم المجتمع الإسلامي بتوفير المستوى المعيشي الملائم لأفراده فلا محل عندئذ لتطبيق عقوبة القطع(12)، وهو  كما يرى القارئ كلام معقول جداً وقد سار عليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في عام الرَّمادة، إذ سِيقَ إليه رجلان متَّهَمان بسرقة بعيرٍ وأَكلِْه، فكاد أن يطبِّق عليهما الحدّ، لكنه لما علم أنهما كانا واقعين تحت ضغط الجوع والحاجة أسقط عنهما العقوبة، وهدد بها سيدهما الذي كان يضيق عليهما في الطعام مما اضطرهما إلى الإقدام على هذه السرقة.

وبالنسبة لـ "الزنا" يقول أسد إنه في الإسلام شيء واحد، سواء كان الزانيان متزوجين أو عَزَبَيْن، وذلك على عكس ما هو مقرر في بعض اللغات الأوربية كالإنجليزية مثلاً ، إذ يسمَّى النوع الأول: "adultery"، والثاني: "fornication"(13)، ويجد القارئ كلامه هذا في تعليقه على الآية الثانية من سورة "النور" وهى الآية التي تحدد عقوبة الزاني والزانية، ورغم أنه لم يفصِّل القول في هذه العقوبة فالمفهوم من عبارته ما دام لا يفرق بين زنا وزنا أنه لا يرى حدّاً للزنا إلا الجلد سواء كان مجترحه مُحْصَناً أو غير محصن، وتعليقاً على اشتراط القرآن الإتيانَ بأربعة شهود على واقعة الزنا يقول كاتبنا إن ذلك من الاستحالة بمكان، مما يدل على أن الإسلام يريد استبعاد أي طرف ثالث غير مرتكبي الواقعة، وقَصْرها على إقرار الزاني من تلقاء نفسه(14)، ونضيف نحن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقبل إقرار الزاني بسهولة، بل كان يراجعه ويحاول أن يتأكد بكل السبل أنه قد اجترح فعلاً هذا الإثم نفسه اجتراحاً صريحاً لا يقبل الشك على أي نحو من الأنحاء، بل لقد كان يمحِّص قواه العقلية، وهو ما يومئ إلى أن الإسلام يُؤْثِر في هذا الأمر الستر وعدم المسارعة إلى تطبيق الحد، أو تمزيق البناء الأسري.

وبالنسبة لتعبير "ما ملكت أيمانكم" الذي تكرر في القرآن المجيد يؤكد أسد خلافاً لما يقوله المفسرون والفقهاء أن الإسلام لا يُقِرّ الاتصال الجنسي بسَبِيَّةٍ أو أَمَةٍ دون زواج، وأن "ما ملكت أيمانكم" معناها: "من امتلكتموهن من النساء بحقٍّ بعقد زواج"، وأن تحديد النكاح بأربعٍ غيرُ خاص بالحرائر من النساء، بل يمتد ليشمل السبايا أيضاً، ذلك أنه يقرأ قوله - تعالى-: ((وإن خفتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم)) على أساس أن جملة ((فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً)) هي جملة اعتراضية، و((ما ملكت أيمانكم)) معطوف على "النساء"، أي "انكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاع"، ومعنى هذا أنه لا فرق على الإطلاق بين الحرائر والإماء في مسائل الاتصال الجنسي والزواج(15).

لكن يبدو لي أن ما فعله أسد هو إرهاق شديد لتركيب الآية، إذ لماذا يقدِّم القرآن الكريم جملة "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً" على موضعها الأصلي ويحولها إلى جملة اعتراضية مما يترتب عليه أن يفهم القارئ أن التحديد بأربع أمر خاص بالحرائر من النساء فقط، مع أن المقصود شيء آخر غير ذلك؟ إن الذي نعرفه هو أنه لا بد من استبراء السَّبِيَّة بحيضة واحدة خلافاً للحرة المطلَّقة التي تُسْتَبْرَأ بثلاث حيضات، ولم نسمع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من الصحابة كان إذا ضم إليه سبية يعقد عليها القران ويدفع لها مهراً كما كانوا يصنعون مع الحرة، ثم إن القرآن الكريم يميِّز تمييزاً واضحاً بين زوجات الرجال وما ملكت أيمانهم بما يؤكد أن هؤلاء غير أولئك حيث قال - تعالى- في موضعين من القرآن: ((... إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم))(16) ذاكراً هؤلاء وأولئك جنباً إلى جنب، ولو كُنّ شيئاً واحداً لاكتفى بذكر الزوجات وحدهن، بل إن المهر فيه لا يُذْكَر إلا للزوجة وحدها لا لملك اليمين، إذ خاطب المولى - سبحانه - رسوله - عليه الصلاة والسلام - بقوله: ((يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيتَ أجورهن وما ملكتْ يمينُك مما أفاء اللهُ عليك...إلخ))، فالأجور كما هو بيّن قد ذُكِرَتْ للزوجات وحدهن دون ملك اليمين، وهذا فضلاً عن أن السبيّة يحل نكاحها لمجرد وقوعها في السبي حتى لو كان لها زوج(17)، وذلك بعد استبرائها بحيضة كما سلف القول، أما الحرة المتزوجة فلا يمكن نكاحها إلا إذا مات عنها زوجها أو طلّقها، أما آية سورة "النساء" فالواضح من تركيبها أن على المسلم إذا أراد التعديد أن يعدل بين زوجاته، وإلا فلْيكتف بواحدة أو فلْيأخذ مما ملكت يمينه ما يشاء، هذا ما تقوله الآية أما تفسيرها على طريقة المستشرق النمساوي فمن الصعب الاقتناع به، ولسنا نقول هذا لأننا ندعو إلى إفلات الشهوات، فإن الحياة الحديثة في بلادنا تجعل من الصعب الشديد الصعوبة التزوج بأكثر من واحدة، فضلاً عن أن "ما ملكت اليمين" لم يعد لهن الآن أي وجود بحكم التطور التاريخي، لكننا نقرر ما نعتقد أنه هو التفسير الصحيح للآية، ولا ريب أن ما يشرعه القرآن في "ملك اليمين" هو أنبل وأشرف مما تفعله الجيوش الأوربية في أي بلد تجتاحه من اغتصاب النساء، وبقر بطونهن، وتعاور عدّة ذكور على المرأة الواحدة، وغير ذلك من الفظائع، فلا ينبغي إذن أن يُفْزِعنا المعيار الغربي، فهو معيار كله نفاق وغطرسة فارغة كذابة، والأستاذ أسد يعرف هذا أكثر من غيره.

وما دمنا بصدد الحديث عن المرأة فيحسن أن نورد هنا رأى كاتبنا في زي النساء في ضوء ما طالبتهن به الآية الحادية والثلاثون من سورة "النور" التي تقول: ((وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبْدين زينتهن إلا ما ظهر منها ولْيضربن بخُمُرهن على جيوبهن...)) إذ يرى أن عبارة "إلا ما ظهر منها" عبارة غامضة قصداً كي يترك الإسلام الباب مفتوحاً للتطورات الاجتماعية في تحديد المساحة التي تظهرها المرأة من جسدها، وعلى هذا فهو يخالف العلماء الذين يحددون المقصود بـ"ما ظهر منها" بالوجه والكفين والقدمين أو أقل من ذلك، ثم يضيف مؤكداً أن المهم هو غض البصر وحفظ الفرج لأن هذا هو مقياس العفة الذي ينصبه الإسلام للحكم على سلوك المرأة ولبسها(18)، ومن الواضح جداً أن محمد أسد قد فاته ما نصَّت عليه أقوال الرسول من أن المرأة إذا بلغت المحيض فلا يحل لها أن تُظْهِر من نفسها إلا الوجه والكفين، ومن الواضح أيضاً أنه لم يبال كثيراً بما تقوله الآية ذاتها من وجوب ضَرْب النساء خُمُرهن على جيوبهن ولا ما جاء في الآية 59 من سورة "الأحزاب" من قوله - عزَّ شأنه -: ((يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدْنِين عليهن من جلابيبهن)) فمن هاتين الآيتين نعرف أن المسألة ليست متروكة للتطور الاجتماعي بل هي محددة تحديداً، وإلا فلِمَ أمر القرآن نساء المؤمنين بألا يكتفين بستر رؤوسهن بالخمار بل لا بد أن يغطين به صدورهن أيضاً، أو بأن يُدْنِين عليهن من جلابيبهن ما دام المجتمع في ذلك الوقت كان يسمح بكشف الصدر والشعر وما إلى ذلك؟ أليس هذا دليلاً على أن القرآن هو الذي يُسَيِّر المجتمع ويوجهه في هذه المسألة لا العكس كما يريد أن يقنعنا محمد أسد؟ وهب أن العرف الاجتماعي في بلد ما (كما هو الحال في بعض مناطق أفريقيا الهمجية مثلاً، وكذلك في أندية العراة، ومسارح الإستربتيز، وكثير من الأفلام في الغرب نفسه، وبعض بلاد العالم الأخرى أيضاً) لا يرى في كشف المرأة أثداءها ولا سوأتها من حرج، فهل يمكن القول بأن القرآن يق