صحفي إسرائيلي مشهور يعترف:
أمريكا مستعمرة إسرائيلية.. وإسرائيل مستعمرة أمريكية
11/01/1426
الشرق ق/ في مقاله هذا، يتولى الصحفي الإسرائيلي الشهير أوري أفنيري - المعروف بمواقفه الجريئة المناهضة للصهيونية وللنظام السياسي في الدولة العبرية - إلقاء نظرة تأملية على العلاقة بين الحالتين الأمريكية والإسرائيلية، ومدى الترابط أو الشراكة بينهما.
وفي هذا المقال الذي نشره أفنيري عبر مجموعة "غوش شالوم" (كتلة السلام) اليسارية الإسرائيلية تحت عنوان "الملك جورج"؛ يؤكد أنه " لا يمكن تعريف العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل بسيط ومجرّد " حسب تقديره.
ويرى أفنيري أن "أمريكا هي مستعمرة إسرائيلية، وإسرائيل هي مستعمرة أمريكية"، وأنّ "العلاقات بين الدولتين هي بمثابة تكافل".
ويفرد أوري أفنيري جانباً وافراً من مقاله للرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي يسميه بالملك جورج السادس، ويذهب في هذا الصدد إلى حدِّ القول إن "جورج بوش هو شخص مجرد تماماً، عنيف للغاية، آراؤه متطرفة جداً، كل ذلك إضافة إلى كونه جاهلاً بحتاً، هذا مزيج خطر من المزايا، لقد كان مثل هؤلاء الأشخاص سبباً في كوارث كثيرة على مرِّ التاريخ"، على حد وصفه.
ويضيف أفنيري في هذا المقال "في دورة تولي بوش الثانية؛ من شأن أمريكا الثانية أن تصل إلى ذروة البشاعة والقسوة، انّ من شأنها أن تشكِّل مثالاً من الفساد يحتذي به العالم بأسره"، على حد تعبيره.
حين توفي الملك (البريطاني) جورج الخامس حصلنا على يوم اجازة من المدرسة حزناً عليه، لقد كانت فلسطين "أرض إسرائيل" تابعة للامبراطورية البريطانية، التي سيطرت على البلاد بقوة الاستعمار، هناك شارع رئيس في تل أبيب يدعى باسم الملك جورج حتى اليوم.
بعد وفاة الملك جورج الخامس ظهر بعد وقت ما الملك جورج السادس الذي كان آخر جورج في حياتنا في ذلك الوقت، أما اليوم؛ فلدينا ملك جورج جديد؛ ليس بريطانياً بل أمريكياً.
لا يمكن تعريف العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل بسيط ومجرّد، فليس لدى أمريكا انتداب رسمي في البلاد، وهذا ليس عهداً عادياً بين دولتين، وهي أيضاً ليست علاقات بين دولة منجرّة ودولة حاكمة.
في بعض الأحيان تدور نكات بشأن كون الولايات المتحدة هي مستعمرة إسرائيلية، وبالفعل؛ فمن نواحٍ عديدة يبدو الأمر كذلك، اذ يرقص الرئيس بوش على أنغام ناي ارييل شارون، وغرفتا الكونغرس الأمريكيين مستعبدتان تماماً لليمين الإسرائيلي؛ أكثر بكثير من الكنيست.
وقد قيل ذات مرة: لو قدّم اللوبي الإسرائيلي في مبنى الكابيتول (البرلمان الأمريكي) اقتراحاً لإلغاء الوصايا العشر؛ لكان مجلسا التشريع وافقا عليه بأغلبية ساحقة، يصادق الكونغرس أيضاً على ضريبة سنوية هائلة تدفعها أمريكا إلى إسرائيل.
إلا أن هناك من يدعي العكس؛ أي أن إسرائيل هي مستعمرة أمريكية، وبالفعل هذا صحيح من عدة نواحٍ، فلا يمكن أن نتصور أن حكومة إسرائيل سترفض أمراً واضحاً يصدره رئيس الولايات المتحدة، إذا عارضت أمريكا إسرائيل في بيع طائرة استطلاعية باهظة الثمن للصين؛ فإن إسرائيل ستلغي اتفاقية البيع، وإذا عارضت أمريكا عملية عسكرية للجيش الإسرائيلي في غزة هذا الأسبوع؛ فلن تتم هذه العملية، وإذا أرادت أمريكا أن يتصرّف الاقتصاد الإسرائيلي وفق ما هو معمول به في أمريكا؛ فليست هناك مشكلة: يتم تعيين أمريكي لوظيفة عميد البنك الرسمي في إسرائيل، شريطة أن يكون أمريكيا "مختوناً" (أي يهودياً)، بالطبع.
في الحقيقة؛ الادعاءان صحيحان؛ فأمريكا هي مستعمرة إسرائيلية، وإسرائيل هي مستعمرة أمريكية، العلاقات بين الدولتين هي بمثابة تكافل، وهو مصطلح يعرِّفه قاموس أكسفورد على أنه "علاقة بين كائنين حيين يعيشان من خلال اتصال أحدهما بالآخر، أو يعيش أحدهما داخل الآخر"، المصطلح مؤلف من كلمتين يونانيتين: "عيش" و"معاً".
لقد دارت أحاديث كثيرة عن مصدر هذا التكافل، لقد سبقت الصهيونية المسيحية الأمريكية إقامة الحركة الصهيونية اليهودية، إن الأسطورة الوطنية الأمريكية متطابقة تقريباً مع الأسطورة الصهيونية الإسرائيلية من ناحية مضامينها، ومن ناحية رموزها على حد سواء: المستوطنون الذين فروا من الملاحقة في بلاد منشئهم، بلاد خالية خاوية، الطلائعيون الذين احتلوا الصحراء، السكان الأصليون المتوحشون، وغيرها وغيرها، الدولتان هما دولتا هجرة، بكل حسنات وسيئات مثل هذا المجتمع، ترى الحكومتان مصالحهما متداخلة في وحدة واحدة، في عيد الاستقلال الإسرائيلي نرى أعلاماً أمريكية كثيرة في تل أبيب إلى جانب علم إسرائيل، وهي ظاهرة ليس لها مثيل في العالم أجمع، منذ انهيار الكتلة الشيوعية.
لذلك حظي احتفال قسم جورج بوش بالولاء هذا الأسبوع بأهمية كبرى في إسرائيل، لقد بثته قناة التليفزيون الرسمي ببث حي ومباشر، لأنه بمفهوم ما رئيس الولايات المتحدة هو ملك إسرائيل أيضاً.
جورج بوش هو شخص مجرد تماماً، عنيف للغاية، آراؤه متطرفة جداً، كل ذلك إضافة إلى كونه جاهلاً بحتاً، هذا مزيج خطر من المزايا، لقد كان مثل هؤلاء الأشخاص سبباً في كوارث كثيرة على مرِّ التاريخ، ماكسمليان روبسبيير الثوري الفرنسي الذي أوجد نظام حكم الإرهاب يدعى "المجرِّد الكبير"، وذلك بسبب تجرّد مفاهيمه التي نشرها مستخدماً المقصلة.
الأيديولوجيون الذين يسيطرون على أفكار جورج بوش وأعماله يُدعَون "المحافظون الجدد"، إلا أن هذا الاسم هو اسم يوقع في الخطأ، فمن الناحية العملية؛ هذه المجموعة هي مجموعة ثورية، لا تهدف إلى المحافظة بل على العكس، أغلبيتها من اليهود من أتباع البروفيسور ليو شتراوس، وهو يهودي ألماني وصل إلى معتقدات تكاد تكون فاشية، وقد نشر هذه التعاليم في جامعة شيكاغو، لقد عبّر عن نظرته إلى الديمقراطية مستخدماً قصة غوليفر؛ فعندما نشب حريق كبير في مدينة الأقزام قام غوليفر بالتبوّل عليها، وبهذه الطريقة أخمد النار، هذا ما يجب على مجموعة صغيرة من الزعماء أن تفعله بالجمهور الثائر والساذج الذي لا يعرف مصلحته.
لقد وعد بوش في خطابه الذي ألقاه في الاحتفال بتتويجه أنه سيجلب الحرية والديمقراطية إلى كل نقطة في العالم، وليس بأقل من ذلك، لقد رفع على رؤوس الأشهاد دولتين كان قد حقق هذا الهدف فيهما؛ أي العراق وأفغانستان، لقد تم تدمير هاتين الدولتين من الأساس بواسطة القاذفات الأمريكية، منذ مدة غير طويلة محا الجيش الأمريكي مدينة كبيرة عن بكرة أبيها من على وجه الأرض ليطرد منها معارضي "القيم الأمريكية"، منذ ذلك الحين بدأت مدينة الفلوجة تبدو وكأنّ زلزال تسونامي قد مرّ من فوقها.
لم يعد الأمر سراً بأن المحافظين الجدد ينوون "إحلال الديمقراطية" في إيران وسوريا ليقضوا بذلك على عدوّين لدودين آخرين للولايات المتحدة وإسرائيل، لقد كان نائب الرئيس ريتشارد تشيني؛ قد تنبأ بأنّ إسرائيل ستهاجم إيران، وكأنه يهدِّد بحل حبل كلب روتوايلر.
كان من الممكن أن يحدونا الأمل في أنه بعد الفشل الذريع للحملة على العراق، والفشل الأقل وضوحاً في أفغانستان؛ سيرتدع بوش عن القيام بحملات جديدة من هذا النوع، إلا أنه كغيره من الحكام من هذا النوع غير قادر على الاعتراف بالفشل والكف عنه، بل على العكس؛ فانّ الفشل يحثّه على الاستمرار وزيادة التطرف، وكأن قبطان سفينة "تيتانيك" يقول: "يُمنع تغيير الاتجاه!".
لا يمكننا التنبؤ بما من شأن بوش أن يفعل الآن بعد أن انتخبه شعبه مرة أخرى، فإنّ "الأنا" لديه ستصل إلى ذروة لم يسبق لها مثيل، لقد نحّى كولين باول المسكين، وضعيف الشخصية، كما نحى دافيد بن غوريون في حينه موشيه شريت كتحضير للانقضاض على مصر، وعيّن مكانه كوندوليزا رايس خادمته الشخصية، كما عين بن غوريون غولدا مائير مكان شريت.
يتم تجهيز السفينة للمعركة الآن، يبدو بوش على هذه السفينة كمدفع لم يتم تركيبه كما يجب، إنه يُلحِق الخطر بحياة أي شخص يكون على مقربة منه، يمكن للتاريخ أن يسجل نتائج هذه الانتخابات وكأنها كارثة عالمية.
من شأنه إلحاق كوارث مشابهة في الشؤون الداخلية أيضاً، فباسم "القيم الأمريكية" هو على وشك خرق قيمة أمريكية سامية؛ الفصل بين الدين والدولة، إنه دين المرتدين إلى الدين: دين رجعي، تنعدم فيه الأخلاقيات، وينعدم فيه التسامح. سيطرة هذا الدين على كافة مجالات الحياة، ابتداء من منع الإجهاض، ومنع الزواج بين أفراد الجنس الواحد*، وانتهاء بتغيير المنهج الدراسي؛ يمكن أن تُحدِث تراجعاً في المجتمع لمئات السنوات إلى الخلف، وإفراغ الأمل من مضمونه، بعد أربع سنوات أخرى كهذه؛ ستكون أمريكا بعيدة كل البعد عن أمريكا التي أُعجبنا بها في شبابنا.
يدّعي أحد أصدقائي بأنّ هناك روحين تسكنان في جسد الأمة الأمريكية إحداهما طيِّبة، والأخرى شريرة، ربما يكون ذلك صحيح بالنسبة لأية أمة؛ حتى إسرائيل وفلسطين، إلا أن هذه الظاهرة هي ظاهرة متطرفة لدى الشعب الأمريكي بالذات، هناك أمريكا طيبة، وهي أمريكا توماس جفرسون، رغم أنه قد حرّر العبيد قبيل وفاته فقط، أبراهام لينكولن، ودرو ويلسون، فرانكلين روزفلت، ودوايت آيزنهاور، أمريكا المثاليات، برامج مارشال، والعلم والفنون، وهناك أمريكا قتل الشعب الهندي الأحمر، وتجار العبيد، وأسطورة الغرب المتوحش، أمريكا هيروشيما، أمريكا جو مكارثي، أمريكا تمييز السود، وأمريكا فيتنام، أمريكا عنيفة وساحقة.
في دورة تولي بوش الثانية من شأن أمريكا الثانية أن تصل إلى ذروة البشاعة والقسوة، انّ من شأنها أن تشكِّل مثالاً من الفساد يحتذي به العالم بأسره، لم أكن لأرغب في أن تكون دولتي دولة إسرائيل؛ متعاطفة مع مثل أمريكا هذه، يمكن للفائدة التي سنجنيها من ذلك أن تكون فائدة آنية، أما الأضرار فستكون بعيدة المدى؛ ولربما غير مرتجعة، إن إحدى ايجابيات الدستور الأمريكي هي عدم إمكانية انتخاب الملك جورج ثانية.
___________________
* يتضح لنا من المثالين أن الكاتب يؤيد حرية من أراد ممارسة مثل هذه الأعمال المحرمة في كل دين، وهو يتأسف على كون بوش ممن يعارض ممارسة هذه الأعمال من منطلق ديني نصراني، وهذا يبين لنا ويخلق لدينا قناعة عن مدى الانحطاط الأخلاقي الذي أصاب الغرب إذ يعتبرونها حرية شخصية، ولا نملك إلا أن نقول ليس بعد الكفر ذنب - المختار الإسلامي -.