إمامة المرأة والتيوس المستعارة والمأجورة
د. محمد عبد الرحمن غنيم
الحمدُ للهِ وحدَهُ, والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لَا نبيَّ بعدَهُ.
إننا في هذا الزَّمَانِ مَا نَزَالُ نلقى ونسمعُ مَا يجعلُ الحليمَ حيران, وإنَّ مِنْ آخرِ العَجَائبِ التي وصلتْ إلينا أنَّ امرأةً صلَّت بالنَّاسِ صَلَاةَ الجُمُعةِ, وقامتْ فيهم خطيبةً؟!, وأذَّنَتْ بينَ يديها امرأةٌ أُخرى مُتبرِّجَةٌ؟!, واصطفَّ خلفَها مَسْخٌ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ مُختلطين؟!.
وبمناسبة هذِهِ العَجَائبِ - لا كثر الله من أمثالها - أهتبل الفُرصةَ لأذكِّرَ ببعضَ الثَّوابتِ التي ينبغي ألا تضلَّ عن القارئ-وبخاصة الداعيةِ- في وَسَطِ الصِّياحِ والجَلَبَةِ التي لابُدَّ أنْ تكونَ مَعَ الحَدَثِ أو العَجِيْبَةِ, فَمِنْ هَذِهِ الثَّوابتِ:
1- أنَّ سَمَاعَ العَجَائبِ والغَرَائِبِ مِنْ سِمَاتِ آخرِ الزَّمانِ التي وردَ التنبيهُ عليها في سُنَّةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: ( ثم سيكون في آخر أُمَّتي أناسٌ يُحدِّثونكم ما لم تسمعُوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم ) رواه مسلم, وفي روايةٍ أُخرى: ( ثم يكون في آخرِ الزَّمانِ دجَّالُونَ كذَّابُون يأتُونكم مِنَ الأحاديثِ بما لم تسمعُوا أنتُم ولا آباؤكم, فإيَّاكم وإيَّاهم لا يضلونكم ولا يفتنوكم ).
2- ينبغي أنْ يتميَّزَ المسلمُ الواعي في مِثْلِ هَذِهِ العَجَائِبِ بالثَّباتِ وعَدَمِ العَجَلةِ والتَّسرعِ, فإنَّ ذلك يُؤدِّي إلى عَدَمِ فَهْمِ الحَدَثِ فَهْمَاً صَحِيْحَاً, وإلى عَدَمِ مَعْرِفَةِ أبْعَادِهِ الحقيقيَّةِ وخَلْفيَّاتِهِ الخفيَّةِ.
3- إنَّ الخلافَ الفقهيَّ قَدْ يكونُ في مسألةٍ مُعيَّنةٍ, وبسببِ الجهلِ أو التجاهلِ يتمُّ تعميمُ الخلافِ, وهَذَا لا ينتبهُ إليهِ إلَّا أهلُ العِلْمِ, فالمسألةُ التي نحنُ بصددِها - وهِيَ إمَامَةُ المرأةِ -؛ هُناكَ خِلَافٌ يَسِيرٌ في شَأْنِ إمامة المرأة في النَّوافِلِ وبشروط, ولكنْ لَمْ يقلْ أحدٌ بإمَامَةِ المرأةِ في المكتوباتِ, فَضْلاً عَنِ الجُمُعةِ, فَضْلاً عَنِ القَوْلِ بالخَطَابةِ واعتلاءِ المنبرِ, وقيامها بالأذان, فالقيامُ بهذا العملِ المنحرفِ قفزٌ فوق كل الثوابت, قال الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى -: " واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدةٌ بإجماع "([1]), وقال ابن قدامة - رحمه الله -: "ولا خلاف في أنها لا تؤمهم - أي المرأة - في الفرائض "([2]), وقال ابنُ مفلح الحنبلي - رحمه الله -: ".. لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في الصحيح من المذهب وهو قول عامتهم, قال البيهقي: وعليهِ الفقهاءُ السبعةُ والتابعون "([3])، ولا شك أن القفز فوق هذه الإجماعات والثوابت مقصودٌ مُتعمَّدٌ من المنظِّمينَ والقائمين بهذه البدعةِ وذلك الانحرافِ, من أجل التمرس على ذلك حتى يزداد عدد الراقصين واللاعبين على الحبال.
4- ليسَ كُلُّ خِلَافٍ في تاريخِ الفقه الإسلاميِّ يُمكن التعلقُ بِهِ, والركون عليه، فشتَّانَ بين مسألةٍ تعارضتْ فيها النُّصوصُ فاختلف بسبب ذلك العلماءُ, فقالَ بعضُ العُلماءِ بقولٍ, وقالَ آخرُ بقولٍ مُخالفٍ له, وأينَ مسألةٌ شذَّ فيها عالمانِ أو ثلاثةٌ أو أربعةٌ بقولٍ خالفُوا فيه مَنْ قبلَهم ومَنْ بعدَهم, فترك ما عليه الأمة كلها، والقول بقول هؤلاء العلماء نوعٌ مِنَ الظُّلم والتَّعنت لا التَّعبد, وكَمَا قَالَ بعضُهم:
وليسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبراً إلَّا خلافٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
ومن تتبع زلات العلماء اجتمع فيه الشرُّ كُلُّه كما هي القاعدةُ المشهورةُ, فهناك أناسٌ من البشر كالذُّباب لا يسقطون إلا على الضعيف والواهي والشاذ من الأقوال؛ مُتعللين أن العالم الفلاني الكبير قال بهذا القول, وهم في ذلك إنما يتبعون أهواءهم لا العالم الكبير ولا الصغير, بدليل أن ذلك العالم الذي احتجوا به عندما وافق قولُه هواهم، وهم مستعدون أن يضربوا بآرائه كلِّها عرض الحائط إذا خالفتْ أهواءَهم كما قال - تعالى-: (( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ))[النجم: من الآية23], والعالم المجتهد الذي بذل وسعَهُ له أجر وإن أخطأ كما قال - تعالى-: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ))[العنكبوت:69], وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران, وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) رواه البخاري ومسلم.
وأمَّا طالبُ الهوى فهو آثمٌ في كلِّ الأحوال؛ أصاب أم أخطأ؛ لأنه ما طلب حُكْمَ اللهِ في المسألةِ، وإنما جعلَ الشَّريعةَ تَبَعَاً لهواهُ، فهو يتعبَّدُ لهواهُ لا للهِ كَمَا قالَ - تَعَالَى-: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ))[الفرقان:43], وقال - تعالى-: ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))[القصص:50]، وقال - تعالى-: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ))[الجاثـية:23].
5- ليسَ كُلُّ مسألةٍ خلافية تستمرُّ خلافيةً إلى آخرِ الزَّمانِ, فإنَّ وقوعَ الإجماعِ بعد الخلافِ أمرٌ مُعتادٌ متكررٌ في الفقهِ الإسلاميِّ، فمثلاً كانَ الصَّحابةُ - رضي الله عنهم - مختلفين في بيع أمَّهات الأولاد، ووقع الاتفاقُ والإجماع بعد ذلك على منع بيعهن, وقد اختلفتِ المذاهبُ الأربعةُ في المواريث في العمل بالردِّ، وتوريث ذوي الأرحام, فقد منع منه المالكيةُ والشَّافعيةُ، وعمل به الحنابلةُ والحنفيةُ على تفاصيل مبسوطةٍ في كتبِ المواريثِ وكتبِ الفقه العام, ثم اتفقُوا جميعاً في العصور المتأخرة بعد فساد بيت المال على العمل بالردِّ، وتوريثِ ذوي الأرحام، صحيح أنه لا يسوغ الخلافُ بعد الإجماعِ، ولذلك يشترط الأصوليون على المجتهد أن يكون عالماً بمواضع الاتفاق والاختلاف؛ حتى لا يجتهد في مسألةٍ قد وقع فيها إجماعٌ سابقٌ، ولكنه يجوزُ - بلا أدنى شك ولا تردد - أنْ يقعَ الإجماعُ بعدَ الخلافِ، وهذه المسألةُ - إمامة المرأة لبعض الرجال في النوافل بشروط - وإنْ وقع فيها خلافٌ في قول الطبري وأبي ثور والمزني ولكن ليس معنى ذلك أنَّ الخلافَ ما زال مُستمراً، بل وقع الإجماعُ بعد ذلك، والإجماعُ اللاحقُ رافعٌ للخلافِ السَّابقِ، واللهُ أعلمُ.
6- أنَّ هناك مِمَنْ ينتسبُ إلى العلمِ مَن هو جاهزٌ لتأويلِ وتبريرِ و تمريرِ كُلِّ شيءٍ - مهما كان -,فَهُوَ يُشبِهُ المحللَ، فَهُوَ تَيْسُ الفقهِ المستعارُ، كلما وُجدت مسألةٌ طلَّقتها الأحكامُ الشرعيةُ ألبتة, ورفضتها الشريعة الشريفة؛ قام هو بدور المحلل والتيس المستعار، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعن الله المحلل والمحلل له) رواه أبو داود وابن ماجه، وقال: ( ثم ألا أخبركم بالتيس المستعار؟) قالوا : بلى يا رسول الله، قال: (هو المحلل, لعن الله المحلل, والمحلل له)([4])، وقد أصبحتْ هذه التيوس المستعارة فئةً معروفةً نستطيعُ أنْ نتوقَّعها ونتوقَّعَ ما تقولُهُ، فهي جالسةٌ في شارع الحياة - وبخاصة في شوارع واشنطن ولندن وباريس - كالعُمَّال والحفَّارين (يُسمَّون في اليمن"الشُّقاة"، وفي مصر" الفَوَاعليَّة") الذين يجلسون أو يقفون في موضع معين معروف عند مقهى أو مطعم، مَن احتاج إلى حفر شيءٍ أو إلى عِمَالةٍ جاء إليهم وأخذهم ليعملوا له ما يشاء، حتى لو كان ذلك حفرَ بيارة للأذى والعذرة، ومع اعتذاري لهؤلاء العمال المُجدِّين؛ فإنَّهم يعملُون عملاً حلالاً لا يجوز أن يُعابوا عليه، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لحفَّاري الفقه، ومُرتزقة الشريعة، وأشباه العلمانيين والعقلانيين، ومُعتزلة العصر, والتيوس المستعارة والمأجورة, فإنهم في عملهم هذا, وعَرْض أنفسهم للإيجار؛ ليسوا محمودين عند الله ولا عند الناس؛ لأنَّ الشريعة الشريفة لا تُباعُ ولا تُستؤجر، وكذلك هناك مجموعةٌ من مُرتزقةِ الفقه يعملون خيَّاطين (ترزية) للقوانينِ الشرعيَّةِ - بحسب الطلب -، فَمَنْ طلب منهم فتوى أعطوه الفتوى المناسبةَ للمقاس الذي يريده، فهؤلاء - أيضاً - مذمومون مُتلاعبون بالشَّريعةِ العصماءِ، ولو أنهم عملوا في تفصيل وخياطة الملابس حقيقة لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة، فهي عمل شريف ينفق منه الإنسان على نفسه، ويُعِفُّ نفسَهُ وأولادَهُ من مَدِّ أيديهم للناسِ، وهُناك طائفةُ أخرى من الفقهاءِ المغفَّلين الذين ينزلقونَ مع الحفَّارين والخيَّاطين دُونَ تعمدٍ أو تقصدٍ، وننصحُ هؤلاءِ الأخيرين بأنَّ الفتوى تحتاجُ إلى فِطْنَةٍ، وبخاصَّةٍ في الأزمنةِ الخدَّاعةِ التي ينطقُ فيها الرُّويبضةُ, ويُؤتمَنُ الخائنُ ويُخوَّنُ الأمينُ, ويُمسِي الرَّجُلُ مُؤمِناً ويُصبِحُ كافِراً، يبيعُ دينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا قليلٍ.
7- مَنْ تأمَّل هذا الحدثَ تأمُّلاً بعيداً عن الانفعالِ، وبعيداً عن الظَّواهرِ المدَّعاةِ؛ يجد أنَّ هذه الخطوة ليس المقصود بها اختياراً فقهياً لأناسٍ يرون ذلك، وإنما هي خطوة قُصد بها الآتي:
(أ) كسرُ الهيبةِ في قُلُوبِ المسلمينَ تجاه أركانِ الدِّينِ، وإذا لانُوا في هذِهِ الأركانِ فهم فيما سِوَاها ألينُ، وهَذَا - أظنُّهُ - تمهيدٌ لنسخةٍ جديدةٍ ممسوخةٍ يُدَّعى أنَّها الإسلامُ([5]), وهي نسخةٌ مُفصَّلةٌ في معاملِ المخابراتِ الأمريكيَّةِ يُقصَدُ بها فكُّ عُرَى الدِّينِ الحقِّ، وتحويلُهُ إلى نسخةٍ تخدمُ أغراضَ الدولِ الاستعماريَّةِ، وبخاصَّةٍ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيَّةُ زعيمةُ الاستعمارِ في العالمِ الغربيِّ، وهذِهِ النُّسخةُ تُلغي معالمَ الجهادِ، وتُلغي معالمَ تميُّزِ المسلمِ، وتُلغي أنَّ هناك كافِراً ومُؤمِناً، وتُلغي أنَّ الدِّينَ الحقَّ هو الإسلامُ، وأن ما عداه من الملل كالنصرانية واليهودية محرفةٌ، وتُلغي أحكامَ العِفَّةِ التي تميزتْ بها المرأةُ المسلمةُ طُوالَ الدُّهورِ السَّالفةِ.
(ب) معرفةُ ردود أفعال المسلمين، ومدى استعدادهم لتقبل التغييرات والتحريفات التي تُعَدُّ في المعاملِ الأمريكيةِ، فإنْ كان ردُّ فعلِ المسلمين ضعيفاً فيمكن إلقاءُ شيءٍ جديدٍ إليهم من التحريفات، وإنْ كان ردُّ الفعلِ قوياً فيتم تأجيلُ التحريفاتِ الجديدةِ التي كان يُنتوى طرحُها.
هذا واللهُ المسئولُ أنْ يجنبنا الفتنَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ.
[1] - مراتب الإجماع: لابن حزم (59)
[2]- المغني لابن قدامة (2/465). ط. دار الحديث - القاهرة.
[3]- المبدع لا بن مفلح الحنبلي (2 / 72)
[4] - رواه ابن ماجه عن عقبة بن عامر, وقال عبد الحق - في أحكامه -: إسناده حسن. راجع: تحفة الأحوذي (4/221), وسنن ابن ماجه(1/623).
[5] - يمكن أن نسميها النسخة البوشية ( نسبة إلى دجال العصر جورج بوش ).