الخطوة القادمة.. إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان!

طلعت رميح

12 ربيع الأول 1426هـ الموافق له 21 أبريل 2005 م

التركيز الإعلامي خلال التغطية لأحداث لبنان انصب على كل القضايا إلا القضية الجوهرية التي ستصبح بعد حين هي القضية الأولى والأهم على ساحة الحدث السياسي، أي قضية إنهاء الوضع الفلسطيني في لبنان بنزع سلاح المخيمات الفلسطينية، وإعطاء الفلسطينيين وثائق سفر إلى الخارج، مع تمكين بعضهم - أو الأقل منهم - من العمل في الداخل اللبناني كبديل للعمالة السورية المنسحبة، وغيرها من الإجراءات القادمة في الطريق، ضمن مخطط إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان، في إطار خطة إنهاء فكرة اللجوء وحق العودة إلى فلسطين المحتلة.

انصب الاهتمام الإعلامي على قضايا الانسحاب السوري، ونتائج التحقيق في جريمة اغتيال 'رفيق الحريري'، وعلى مسألة مصير سلاح حزب الله، وعلى تشكيل الحكومة اللبنانية من استقالة كرامي إلى تكلفه مرة جديدة، إلى اعتذاره مرة أخرى، وتعيين 'نجيب الميقاتي' بديلاً عنه، وتشكيله الحكومة من بعد ...إلخ، إلا قضية نزع سلاح الفلسطينيين في المخيمات والتي نص عليها القرار الصادر من مجلس الأمن رقم 1559 حينما تحدث بوضوح عن نزع سلاح المخيمات الفلسطينية، التي جرى الصمت عن إثارتها، والاكتفاء بإثارة جانب منه يتعلق بقضية سلاح حزب الله فقط، باعتبار أن قضية نزع سلاح المخيمات بات محل اتفاق كثير من الطوائف، رغم كل الاختلافات فيما بينها حول جوانب القضايا الداخلية.

السيناريو المتوقع أن تكون قضية 'نزع سلاح المخيمات' هي الخطوة الأولى التي سيجري طرحها وتنفيذها، بعد تسوية يجري طبخها الآن فيما يتعلق بقضية سلاح حزب الله، ليصبح الفلسطينيون هم الجهة الوحيدة المالكة للسلاح 'خارج إطار شرعية الحكومة اللبنانية'، ولتجري المعركة السياسية وربما العسكرية ضد المخيمات من أبواب كثيرة ومتعددة ومتنوعة.

ربما تكون نقطة الانطلاق - التي يجري ترتيبها حالياً - أن يجري الانتقال بقضية سلاح حزب الله من قضية تتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن إلى قضية تتعلق بالشأن اللبناني الداخلي، ومن بعدها ستثار مسألة تنفيذ بقية بنود القرار الخاص بسلاح المخيمات، وربما يكون ما سيجري في البداية هو تخفيف الضغوط الاجتماعية عن بعض سكان المخيمات بالسماح لبعض الفلسطينيين بالعمل رسمياً مع حرمان غيرهم، وربما تكون خطوة البداية هي منح بعض الفلسطينيين وثائق سفر - مع تكثيف الضغوط عليهم من اتجاهات أخرى - ليتم تشتيتهم في مختلف بلاد الدنيا، وربما تكون هناك أساليب أخرى لتحقيق هذا الهدف، دون استبعاد جر الفلسطينيين إلى حفرة جرى ترتيبها على هامش الأحداث الماضية جميعها، ليصبح التدخل بالقوة العسكرية ضد المخيمات أمراً مبرراً وغير مفتعل.

 

حفرة للوقوع فيها!

الشواهد على أن الخطوط كلها تتجمع بهذا الاتجاه كثيرة ومتعددة:

الشاهد الأول فيها كان اغتيال الحريري، الذي جاء فيما يتعلق بهذه القضية إضعافاً للسنة، والسنة دوماً 'متهمون' من قبل الطوائف الأخرى بأنهم حلفاء للفلسطينيين 'السنة'، حيث نظرت تلك الطوائف إلى الوجود الفلسطيني باعتباره تغييراً في الموازين السكانية لصالح السنة.

كان اغتيال الحريري ومن بعده إثارة الاضطراب في مواجهة تشكيل كرامي شاهداً من شواهد فتح الطريق إلى طرح قضية سلاح المخيمات والوجود الفلسطيني في لبنان بإضعاف أهم حلفاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

والشاهد الثاني جاء مرتبطاً بسحب القوات السورية من البقاع، إذ جاء سحب هذه القوات مرتبطاً بتحذيرات من فراغ أمني فيها، بما يعني 'أن السيطرة الأمنية والعسكرية اللبنانية في البقاع باتت هشة، بما مثل فتحاً للطريق أمام بعض الفلسطينيين إلى استثمار هذه الفجوة للقيام بعمليات ضد الكيان الصهيوني من الحدود اللبنانية، وبما يطرح مجدداً أهمية الوجود السوري لمختلف الأطراف الداخلية اللبنانية والخارجية، وهو أمر له سوابق، إذ كانت هناك حالات شبيهة طالما جرى استثمارها من قبل أطراف لبنانية، إذ كلما جرى الضغط على الحكومة اللبنانية من أجل إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، أو جرى ضغط لسحب الجيش السوري من لبنان؛ كانت تفتح ثغرة يستغلها المقاتلون الفلسطينيون في إطلاق بعض صواريخ تجاه المستوطنات الصهيونية، سرعان ما كان يجري القبض على منفذيها لتأكيد أهمية الوجود السوري وعناصر من حزب الله على الحدود، ولتأكيد عدم قدرة الجيش اللبناني على 'ضبط الحدود' وحده.

والشاهد الثالث كان الحدث الذي جرى في الجولان منذ أيام حينما قام فدائي فلسطيني مقيم في سوريا باقتحام الجولان المحتلة وإطلاق الرصاص على جنود الاحتلال، إذ كان المعنى الأهم الذي جرى التلويح به ليس فقط أن بإمكان سوريا أن تفتح جبهة الجولان، وإنما أن الفلسطينيين المقيمين في المخيمات بسوريا يمكن أن يكونوا بديلاً لصمت الجولان، إن لم يكن المعنى كذلك هو فتح الطريق أمام تكرار نفس الظاهرة من الحدود اللبنانية.

والشاهد الرابع هو بدء ظهور كتابات متعددة في لبنان وأحاديث متعددة بين السياسيين حول انتهاء ضرورة امتلاك المخيمات الفلسطينية للسلاح، وبأن هذا السلاح يمثل اعتداءً على السيادة اللبنانية، وأن وجوده يشكل عرقلة لبناء الدولة اللبنانية، وأن 'الاستقلال' لن يتحقق إلا بإنهاء حالة 'الدولة داخل الدولة'، وأن سلاح المخيمات يمثل إعاقة للقرار الوطني اللبناني المستقل، وعدواناً على قرارها المستقل، وأن سلاح المخيمات لم يجد نفعاً تجاه الكيان الصهيوني، وأن هذا السلاح انتهت ضرورته بانتهاء تجربة قتال إسرائيل من الخارج، وأن المخيمات باتت مصانع لإنتاج 'الحركات التكفيرية'، وكلها ستعيد الأجواء إلى المراحل التي شهدت توتراً بين بعض الطوائف والجيش اللبناني من ناحية والمخيمات الفلسطينية من ناحية أخرى، فكان ما كان من صراعات عسكرية.

 

تعدد القوى المستفيدة من الصراع ضد المخيمات:

كان الوجود الفلسطيني في لبنان موضوعاً للصراعات بين الطوائف اللبنانية، وكان وجود السلاح الفلسطيني داخل المخيمات هو نقطة البدء في كثير من الصراعات العسكرية التي جرت، وكانت الذروة فيها الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1975 - سبقها أحداث في عام 1969، وأخرى في عام 1973 جرت بين الجيش اللبناني والمقاومة ـ، وهي جميعها أحداث استدعت تدخلاً من الدول العربية، تمثل أهمها في اتفاق القاهرة في عام 1969، واتفاقية عام 1970 بين اللجنة السياسية العليا لشؤون اللاجئين الفلسطينيين والسلطات اللبنانية.

وبعد العدوان الصهيوني على لبنان في عام 1982م، وإثر حصار بيروت؛ خرج المقاتلون الفلسطينيون، وفجرت مذابح صابرا وشاتيلا ضد المخيمات التي لم يكن بها أحد يدافع عن سكانها، ومع دخول القوات السورية إلى لبنان فإن هذه القوات كان أحد مبررات وجودها في لبنان هو عدم السماح للمقاومة الفلسطينية بالانطلاق من الحدود اللبنانية تجاه حدود فلسطين المحتلة، بتطبيق عملية المنع لهم من العمل من خلال الجولان على الوضع في لبنان أيضاً.

ومن هذه المرحلة وحتى الآن تغيرت الأوضاع على نحو كبير، فمن ناحية لم يعد المقاتلون الفلسطينيون في لبنان كما كانوا في السابق، وبعد ظهور حزب الله لم يعد السلاح الفلسطيني مشاركاً في الصراع ضد الكيان الصهيوني، بل فرض عليه أن يبقى سلاحاً داخل المخيمات مع أصحابه المحاصرين داخلها للدفاع عن النفس لا للهجوم على الكيان الصهيوني.

ومن ناحية ثانية فإن هذا السلاح قد تعرض أيضاً إلى ضوابط وموانع فلسطينية وليس سورية ولبنانية فقط، بعد توجه منظمة التحرير الفلسطينية باتجاه التفاوض مع العدو الصهيوني، ووقف العمل المسلح بما جعل قرار عدم استخدام السلاح الفلسطيني قراراً فلسطينياً أيضاً.

ومن ناحية ثالثة فإن الوضع العربي الذي كان يمثل عامل ضغط على الأوضاع الرسمية في لبنان ضمن منظومة الحرب النظامية انتهى جميعه، ليس فقط إلى الحلول التفاوضية والتسويات التي حملت أخطر التنازلات، وإنما اتخذ العرب كلهم قراراً بإلقاء السلاح، واعتبار 'السلام خياراً استراتيجياً'، وها نحن نشهد ذروة التغير على الساحة اللبنانية فيما يتردد الآن من أن تحولاً باتجاه تسوية بين السلطات اللبنانية القادمة - بعد الانتخابات - والكيان الصهيوني سيكون بطبيعة الحال على حساب المهاجرين الفلسطينيين أولاً.

فحسبما أشار الرئيس السوري في الخطاب الذي أعلن فيه سحب القوات السورية فإن لبنان مقبل على عقد اتفاق 'مايو - أيار' جديد، نسبة إلى الاتفاق الذي وقعه 'أمين الجميل' مع الكيان الصهيوني من قبل، والمتوقع في هذه الحالة أن يجري الصراع ضد المخيمات، أو تجري الضغوط لنزع السلاح منها تحت شعارات مثل الانتهاء 'من الصداع الفلسطيني في لبنان'، أو 'استكمال السيادة اللبنانية'، أو إن احتلال قطر عربي - أي فلسطين - لا يبرر انتهاك سيادة قطر آخر، وأن 'نزع سلاح المخيمات ضرورة لعقد اتفاق مع إسرائيل' بعد انتهاء الصراع.

وربما تجري عملية تسوية لقضية مزارع شبعا بطريقة أو بأخرى ليكون الزخم كبيراً للهجوم على المخيمات وعلى الوجود الفلسطيني حرباً وسلماً، تحت شعار 'لا يمكن نشر الجيش اللبناني في الجنوب بينما الدولة لا تسيطر على مناطق مستقلة داخل حدود الدولة'.

 

اللاجئون والوضع اللبناني:

يعيش في لبنان الآن نحو 382 ألف لاجئ يمثلون نسبة 11% من سكان لبنان، وهم يتوزعون على 13 مخيماً، ومن قبل كانوا يعيشون في 16 مخيماً غير أن ثلاثة منها قد دمرت في الحروب عليها، أهمها مخيم تل الزعتر.

وتحازي المخيمات الفلسطينية مواقع وثكنات عسكرية للجيش اللبناني، ويمنع سكان المخيمات من توسيع مساحة المخيم، كما يمنعون من التوسع الرأسي للمباني القائمة، وقد وصل الفلسطينيون إلى لبنان عبر عدة هجرات، فكانت الهجرة الأولى بعد حرب عام 1948، ووصل فيها إلى لبنان نحو 100 ألف لاجئ، وهم يمثلون 'الفئة الأوفر حظاً' على صعيد تعامل السلطات اللبنانية معهم، إذ اعتبروا لاجئين قانونيين، وحصلوا على وثائق سفر، وأغلبهم هاجر من لبنان، وبعد هذه الهجرة أغلقت الحدود، واعتبر كل لاجئ جديد مخالفاً للقانون، ووجوده غير شرعي في لبنان.

وكانت الموجة الثانية من الهجرة الفلسطينية إلى لبنان قد جرت خلال عدوان عام 1956 على مصر، وكانوا في معظمهم من قطاع غزة وصلوا إلى لبنان عبر البحر نتيجة المجازر التي ارتكبتها القوات الصهيونية في القطاع خلال عبورها إلى سيناء لاحتلالها، وقد بلغ عدد هؤلاء نحو 5 آلاف لاجئ منحوا ما يسمى في لبنان بالورقة البيضاء الصادرة عن الأمن العام اللبناني، وقد حصلوا على وثائق مرور وتنقل داخل لبنان.

وكانت الموجة الثالثة بعد حرب عام 1967 حينما بدا يتوافد على جنوب لبنان كوادر من المنظمات الفلسطينية بشكل مطرد، وقد تزايدت أعدادهم بعد وقوع مجازر أيلول سبتمبر 1970، ومعارك جرش في عام 1971م، وبعد قرار الخروج من الأردن والتوجه إلى لبنان، وهم ظلوا في لبنان، وتزايدت أعدادهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حتى خرج الكثير منهم مرة أخرى مع عرفات بعد العدوان الصهيوني في عام 1982، وقد عومل الوجود الفلسطيني في لبنان معاملة هي الأشد حساسية بالنسبة للوجود الفلسطيني في الدول العربية الأخرى بسبب الأوضاع الطائفية في هذا البلد، فقد عومل الفلسطينيون حتى الستينيات كرعايا أجانب يخضعون لأنظمة ولوائح وقرارات الداخلية اللبنانية، ولا يمنحون حق العمل أو التملك أو الانتقال إلا بإذن خاص من السلطات الأمنية.

وقد زادت حالة العداء للوجود الفلسطيني بعد الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975م إلى درجة أن الرئيس اللبناني السابق - أمين الجميل - كان وعده للناخبين أنه سيقلص الوجود الفلسطيني إلى نحو 50 ألفاً - أي أن يطرد نحو 300 ألف فلسطيني -.

والخطورة في الوضع الفلسطيني الراهن أن الحل الذي سيتوافق عليه اللبنانيون هو طرد الفلسطينيين، حيث تتخوف الكثير من الطوائف من التوطين حتى 'لو وافق الفلسطينيون'، والأغلب أنه سيجري منحهم وثائق للسفر والمغادرة لإنهاء المشكلة، دون الوضع في الاعتبار وجود هؤلاء اللاجئين كعنصر ضغط على الكيان الصهيوني من أجل حق العودة.

 

خطورة الهجوم القادم:

الأخطر في الهجوم القادم أنه لن يأتي وفق معادلة لبنانية - لبنانية فقط، أو على أرضية اللعبة الداخلية اللبنانية فقط، وإنما سيأتي ضمن خطة إنهاء قضية المبعدين واللاجئين الفلسطينيين في محيط فلسطين، سواء على خلفية مفاوضات الحل النهائي، أو على خلفية إنهاء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لقضية اللاجئين، وفق اتفاق 'دولي' تشارك فيه أطراف دولية متعددة.

فإذا جرى الانسحاب من غزة، ودخل أبو مازن في إطار مفاوضات الحل النهائي حول القدس واللاجئين، وضمن أسلوب فرض الحلول على الأرض؛ فإن اتفاقاً دولياً سيجري وفق خطة أمريكية وصهيونية لإنهاء قضية اللجوء بمنح الفلسطينيين في الشتات والمخيمات في الدول العربية خيارات متعددة، ووضعهم تحت ضغوط متنوعة؛ لإنهاء حالتهم.

وضمن هذا الاتفاق الدولي سيجري فتح إمكانيات الهجرة أمام الأجيال الفلسطينية الجديدة للسفر والاستقرار في كندا وأستراليا وفي دول أوروبية، كما سيمنحون حق العودة إلى غزة، ربما كان الحل الذي نفذ مع المحاصرين في قضية كنيسة المهد خلال الاجتياح الصهيوني نموذجها المصغر، إذ جرى تهجير المحاصرين فيها بعضهم إلى غزة، وبعضهم إلى دول أخرى متعددة.

المصدر           :              http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=393