عودة عون وتعقيدات المشهد السياسي الداخلي اللبناني

علي حسين باكير

10- 5- 2005م

لا شك أن عودة عون إلى لبنان في هذه الفترة وقبل الانتخابات النيابية، وفي هذه الظروف المحلية والإقليمية والدولية السائدة؛ لها دلالاتها وآثارها، ولا شك أنها ستضيف إلى الوضع الراهن شيئاً جديداً بغض النظر عن بقاء اللاعبين الأساسيين في الساحة اللبنانية أو عدم بقائهم، ويُرجح أن تزيد هذه العودة من تعقيدات المشهد السياسي اللبناني المتشابك أصلاً بتركيباته الإقطاعية السياسية والطائفية، وأن تضيف عليه ما لم يكن موجوداً، وأن تفتح آفاقاً جديدة للأحداث، وبناء على ذلك نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على شخصية عون، والآمال التي يعقدها البعض أو الكثير على عودته، والأطراف المهتمة بهذه العودة، والمتوجسة منها، وشكل التركيبة السياسية، وموقف عون من جعجع وحزب الله في إطار الخريطة السياسية اللبنانية.

 

شخصية عون وأهم محطّاته:

ولد عون في لبنان في 3 أيلول 1935م في حارة حريك التي تعتبر معقلاً الآن من معاقل الشيعة نظراً للتغييرات الديمغرافية التي حصلت في تلك المنطقة أثناء الحرب اللبنانية، نشأ عون بين المسلمين، ولذلك يقول البعض: إن لهذه النشأة أثرها في كون عون محارباً للفكر الطائفي، وداعياً للانتماء الوطني، حتى إنّ عائلة عون المعروفة بأنّها نصرانية مارونية لها فرع آخر وصلة قرابة بعائلة "عون" التي تنتمي للمذهب الشيعي وإن بنسبة أقل.

انضمّ عون في العشرين من عمره إلى المدرسة الحربية في عام 1955م، تخرجّ بعدها في عام 1958م برتبة ملازم في سلاح المدفعية، تدرّج بعدها في الرتب العسكرية وعبر دورات أجراها في فرنسا وأمريكا إلى أن حصل في عام 1980 على رتبة "عقيد ركن" حين تمّ ترقيته.

في أيلول من عام 1988 قام رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك أمين الجميل بتكليفه برئاسة الحكومة، حيث شكل عون حكومة عسكريين امتدّت من العام 1988 إلى العام 1990 خاض خلالها ما يسميه حرب "تحرير" ضد القوات السورية الموجودة في لبنان، على اعتبار أنه رأى أن دورها انتهى آنذاك، وأدت هذه الحرب ضد القوات السورية إلى تدمير العديد من المناطق، إلى أن وصلت في النهاية إلى القصر الجمهوري في بعبدا، حيث اضطّر عون المغادرة إلى منفاه القسري في فرنسا إثر اتّفاق فرنسي سوري لبناني أمن خروجه من لبنان إلى باريس بعد رفضه لاّتفاق الطائف، وخسارته في المعركة العسكرية، حيث تمّ منعه من مزاولة أي نشاطات سياسية في باريس لمدّة خمس سنوات تحرّر بعدها من هذه القيود.

وكانت أبرز إطلالة له بعد ذلك في 17 أيلول من العام 2003م بالإدلاء بشهادته أمام النواب في الكونغرس الأمريكي، وطلب من الولايات المتحدة التدخل العسكري من أجل استرجاع الحكم له، وتحرير لبنان من سوريا.

 

عودة عون: أطراف مهتمة وأخرى متوجسة:

عاد عون إلى لبنان يوم السبت 7 - 5 - 2005 مع رفيقي دربه في الحكومة العسكرية التي شكلها عام 1988م وهما اللواءان المتقاعدان من الجيش اللبناني ادغار معلوف، وعصام أبو جمرة، بعد 15 عاماً قضاها في منفاه القسري في فرنسا إثر هزيمته أمام القوات السورية آنذاك، وللمفارقة فإن الأطراف المتوجسة من عودة عون هي الأطراف المسيحية والمارونيّة بالتحديد ،سواء أكانت قرنة شهوان (تيار مسيحي ماروني لا يقل تطرفاً عن تيار القوات) التي يتزعمها البطريرك الماروني روحياً، أم القوات اللبنانية التي يقبع زعيمها "جعجع" في السجن منذ 11 عاماً، فقرنة شهوان تخشى من عودة عون على أساس أن الجماهير المحسوبة على عون كانت تدعمها عندما كان بالمنفى، أما وقد عاد الآن فربما يؤدي هذا إلى حرمانها من هذه القاعدة التي كانت تستفيد منها، أضف إلى أن فكر عون يختلف كلّياً عن فكر قرنة شهوان خاصّة لجهة إلغاء الطائفية، ومعروف عنه تاريخياً نيّته تحجيم دور رجال الدين في السياسة، ولا شك أن البطريرك متضرر من هذا التوجه، أما بالنسبة للقوات اللبنانية فعلى الرغم من أنه قد أبدى نوعاً من التقارب مع عون، وذلك بهدف الضغط من أجل إطلاق صراح زعيمها جعجع من السجن، إلا أن ذلك لا يعني أن العلاقة جيدة بين الطرفين خاصّة أنهما خاضا معارك عسكرية طاحنة ضدّ بعضهما البعض، كل يسعى لإلغاء الآخر عرفت باسم حروب الإلغاء، كما أن سعي عون كما يقول إلى فتح الملفات السابقة لا يخرج عن سياق جعجع، ويلقي بظلال دائمة من الشكوك بين الطرفين (وبرأيي فإن إطلاق جعجع من السجن قد لا يتم قبل عقد بعض المساومات والصفقات للمقايضة بإطلاق سراح آخرين، وبعد إلحاح شديد على عائلة كرامي على اعتبار أن جعجع متّهم بقتل رئيس الوزراء السابق رشيد كرامي، وفي النهاية إذا تمّ التوافق فسيتم إطلاق سراحه على اعتبار أن آل كرامي ضحّوا بذلك من أجل الوحدة الوطنية كما سيقال لاحقاً)، وفي كل الحالات فإن التيار المسيحي الماروني قد يعاني من انشقاقات كبيرة ما لم يتم تدارك الأمر، والتوصل إلى تسويات داخلية، وثوابت للتحرك المستقبلي.

أما الأطراف المهتمة بعودة عون فهي غالباً أطراف مسلمة بقدرة الرجل على التأثير مستقبلاً في الأحداث، أو تلك التي تسعى لعدم الاصطدام معه في الملفات الخطيرة - ولاسيما ملف حزب الله ونزع سلاحه -، خاصة مع رغبة عون نفسه الانفتاح على المسلمين، إذ إن المشهد المسيحي معقّد كما سبق وأشرنا إلى ذلك.

وعلى الرغم من أن الرجل كان يعتبر إلى وقت قريب "خائناً"، ومتهماً بسرقات، وتحويلات مالية من خزانة الدولة إلى حسابه الخاص، والإضرار بالعلاقات مع دولة صديقة (سوريا) إثر شهادته أمام الكونغرس؛ إلا أنه سرعان ما تمّ غضّ النظر عن هذه الأمور، وليس صحيحاً أن الرجل لا يبدّل ولا يغيّر، فطبيعة المشهد السياسي اللبناني تفرض ذلك على جميع اللاعبين، وعودته تندرج ضمن هذا الإطار، وسيكشف المستقبل ذلك.

وعلى العموم فإن الرجل الذي شبّه "حزب الله" بأنه مثل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن في ندوة صحفية بباريس الخميس بتاريخ 1- 2- 2005، إلا أننا نجده اليوم أكثر واقعية بالدعوة إلى حوار مع حزب الله لنزع سلاحه، حيث قال: "أعتقد أن لدينا من الضمانات ما يكفي لجعل حزب الله يعطي سلاحه، ويقتنع بما نطرح عليه"، وأضاف في مناسبة أخرى عن علاقته بحزب الله: "إنها علاقة انفتاح مع كل اللبنانيين، هناك مواضيع أساسية وثوابت وطنية نحترمها، وهناك تنافس سياسي يمكن في إطاره أن تتحقق مصلحة البلد، وفي البلد تنوع واحتكاك فكري لا يمكننا بدونهما أن نعمر لبنان بذهنية حديثة، لأن الديموقراطية هي احتكاك للأفكار المختلفة لإنتاج العمل الأفضل"، وهذا تحوّل كبير إذا ما قورن برغبة أطراف مسيحية داخلية نزع سلاح حزب الله، وإن لم تصرّح بنيتها تلك علناً.

 

عون والآمال المعقودة عليه: بين المثالية والواقعية

يعقد كثير من اللبنانيين آمالاً على عودة عون إلى لبنان على أمل تغيير الواقع الميئوس منه في لبنان لجهة الفساد والمحسوبيات، والطائفية والديون، والإقطاعية السياسية....الخ، بالنظر إلى أن عون سيكون المخلّص الجديد على اعتبار أنه يسعى إلى تغيير نظام تحكمه الأسر الإقطاعية، والبرجوازية المسيحية والمسلمة، أقامته الإمبراطورية العثمانية في 1862م، وحافظ عليه الانتداب الفرنسي (1920 - 1943) وتأكد بعد الاستقلال، لكنّ الكلام شيء والفعل شيء آخر، وحتى لو توافرت إرادة الفعل فإن المشهد الداخلي اللبناني معقد جداً، بحيث يستحيل على أي أحد القيام بأي إنجاز ما لم يكن هناك توافق شبه كامل على حراكه، وإلا فإن برنامجه سيتحول إلى مجرّد شعارات عندما يصطدم بالواقع الصعب للتركيبة اللبنانية الشديدة التداخل والتعقيد، وسيضطر عندها إما إلى الانخراط في اللعبة القذرة، أو الانسحاب نهائياً، في انتظار هذا المشهد فإن الجنرال ميشال عون لا يخفي طموحه في أن يكون رئيساً للجمهورية، وهو ما يعتقد أنه قد يتاح له بعد الانتخابات التي ستجري، خاصّة في ظل وجود علاقات متينة له مع كل من فرنسا وأمريكا ترشحه للعب دور مستقبلي في إطار لبنان على الصعيد الداخلي المحلي والخارجي الإقليمي.

المصدر          :          http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=6640