اتقاء الإشاعة أو ابتغاء الخلوص منها 3-3
بدر بن علي العبد القادر
3/ وإذا كان الله - تعالى - قد وجه النفس البشرية إلى ما يحقق لها سعادتها في الدنيا والآخرة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) فإن على النفس التسليم والانقياد طوعاً أو كرهاً لأن كل عمل خالف النص فهو لا يملك مشروعية، ولذلك سنراه امتداداً لعشرات الأعمال المماثلة الضالة والمضلة.
إن سريان الإشاعة في المجتمع وانتشارها يعني النخر في جسد المجتمع فإن استمر فهذا يعني هلاكه، وإن تداركه العقلاء فهم على ثغر من ثغور الإسلام، ولا شك أنهم مأجورون بفعلهم، ولو نظرنا إلى واقع (الإشاعة) اليوم لوجدناها مشتملة على كثير من المغالطات وقلب الحقائق، والإذعان لما يّسوَّق في المجالس والإعلام من كلام مخالف للحقيقة، وهذا يعني استمرار الظلم والقبول بزخرف القول، وكل يوم تطلع فيه الشمس تطلع معها (إشاعة) جديدة، ويطلع معها متطفلون يتعاهدونها بالإشاعة والتأييد والتنطع، و(الطاعم الكاسي) هو الذي يراقب الموقف يتندر بفلان ويعلق على مقولة فلان ويشحذ فلان، ويملأ قلب فلان (ولَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) وأياً كان مصدر(الإشاعة) ونوعيتها بين المحظور والمباح فإن التحايل عليها سبيل إلى استساغتها ومن ثَمَّ خروجها من المحظور إلى المباح، وقريباً تكشف الأقنعة ويبين سبيل الرشاد من نادم تائب، ومن مفرد غافل، ومن معتذر متفائل، وهنا يكمن أثر العلماء في توجيه المجتمع وتسييره السيرة المحمدية، ولو أدرك كل ذي عقل، أن (الإشاعة) المبطنة هي جماع المشكلات، وبؤر التوتر فعليه المسارعة إلى اجتنابها والتحذير منها (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولا ينبغي للمسلم أن يقف مكتوف الأيدي، أو موقف المشاهد لكل ما يجري حوله فالله - سبحانه - قال في كتابه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) وهنا يتضح عظم أمر النصيحة ووجوبها في رأب الصدع والسير بسفينة المجتمع إلى بر الأمان وقديماً قالوا في المثل (عيء اللسان ولا عيء الكلام)، فالإنسان يملك الكلمة َبيْد أنه إذا تكلم بها مللته
وكم في المقابر من صريع لسانه *** كانت تخاف لقاءه الشجعان
وخلاصة القول: [كلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون].
وما عصم إلا الأنبياء، وأما من ثاب إلى رشده فبل أن يدركه الموت فالله غفور رحيم، وعلى العلماء استلام زمام الأمور، ورفع راية النصح والتوعية والتهدئة بروح متفائلة ونفس مطمئنة، وموعظة حسنة، ودفع [بالتي هي أحسن] فالزمن غير موات، والإشاعات المبطنة تملؤ الرحب، والمجتمع يعيش حالة من الضعف والتفكك والهوان، وليس بمقدور أحد من حملة همه أن يضع التصور النهائي للمستقبل، وعليه أن يعي نفسه وواقعه، وأن يدرك ما ينفعه وما يضره، ولن تجتمع كلمة المسلمين إلا بالرجوع إلى مصدر العز والتمكين (الكتاب والسنة)، (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) والإسلام دين الرأفة والرحمة والعدل والإنصاف والحرية، أكد على الوسطية، واحترام مشاعر العامة، ونهى عن المساس بمشاعر الآخرين، فهل ننصف ديننا وأمتنا ومجتمعنا (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).