اتقاء الإشاعة أو ابتغاء الخلوص منها 2 -3
بدر بن علي العبد القادر
2/ ومتى أخذنا بيد السفية إلى بر الأمان، إن ما نشهده وتشاهده من أحداث توجب على كل مقتدر أن يوظف كل طاقاته، وألا ينتظر حتى يطلب منه الإسهام في التصدي لهذه الآفة الخطرة، وأوجب الواجبات أخذ الحذر في كل مجلس من السماع لفضول القول، أو ترك المناصحة.
إن تماسك المجتمع وسلامة القلوب حق مشروع لنا مثل الهواء والماء، فإذا بادرنا إلى تنقية الهواء من التلوث، وتصفية الماء من الكدر، وجب علينا أن نحفظ المجتمع عما يكدره أو يمسه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً) وكل مجتمع ينعم بأمن وارف، واستقامة راشدة، ورخاء عام، ثم لم يكن شاكراً لأنعم الله، واعياً لحقوقه ثم حقوق عباده، فإن الأمن ينقلب خوفاً، والاستقامة انحرافاً، والرخاء فقراً، ومتى أصيب المجتمع بأمر جلل، أو مرض خطر، وجب عليه التفتيش بعلاقته مع خالقه، ومن ثم يستطيع علاج نفسه بنفسه ناهيك عن تجاوزه النكبات والدعاوى التي تحيط به وتلازمه سواء أكانت بسبب الإشاعة الحاقدة، أو الأحاديث المبطنة، التي تكشف بين الحين والآخر عن رداءة في التصورات، وأخطاء في التصرفات، إننا في هذا الزمن الذي كثرت فيه المضلات، وتنوعت الفتن، وتيسرت به سبل الضياع بحاجة إلى المصلح والمجدد الذي يكون عوناً للأمة على تجاوز مراحل الخطورة ومكامن الضعف، وهذا لن يتيسر إلا بالاستنفار والنصح والتناصح وبيان الحقوق والواجبات، والأخذ على يد السفيه، والجدل بالعقل والحكمة والتي هي أحسن(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).
إن الإشاعة بأنواعها المختلفة فتن كقطع الليل المظلم، لا يعرف الغادون والرائحون في مدارجها مواطئ أقدامهم، علماً أن آيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة مواعظ (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) وكل من يطرق الإشاعة ويسعى إلى نشرها لا يكون ذلك إلا لاستشراف الإثارة عن طريق العقل وهنا مكمن النقص؛ لأن كل ما جاء عن العقل فهو ناقص، والناقص لا يأتي إلا بناقص، وإن كان ذلك نتاج عقد نفسية في نفس الشخص الممتهن لهذا الأمر، وهو يحاول حلها بالطريقة التي يرى أنها الأجدى في فاعلية الحلول، كما أنه يرى أنها متنفساً لهمومه وآلامه وأحقاده (وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) وإذا كان المجتمع يعيش في حالة من التوتر والغليان بسبب امتهان أفراده الإشاعة ونشرها بين الناس وتداولها وكانت شرّاً محضاً، فإن على الناجين من أعاصيرها، أن يراعوا هذا الأمر، وأن يضعوا له أبجديات الحلول المناسبة للقضاء عليها في مهدها وسد الباب على الحاقدين والمنافقين والمتزلفين، وعلى المجتمع أن يحمي الثغور، ويقطع دابر الخلافات، وأن يضع يده في يد الجماعة، وعلى العلماء والدعاة والمفكرين أن يمحضوا النصح، ويبصروا في الأمور، وألا تخفى عليهم الحقيقة، فالزمن رديء، والمجتمع لا يحتمل أي هزة، والأعداء متربصون، وكل شيء قاب قوسين أو أدنى من الفتن العمياء، وإذا فقد المجتمع هيبته قلت مصداقيته، وضعف احترامه، وكثرت مشكلاته، وتكالبت عليه الأوضاع، وتتابعت عليه الفتن والمضلات.