أمريكا المسكينة إذ تثير الشفقة ...
عبد الغني بلوط*
انتابني شعور غريب ممزوج بشفقة غير خفية على أمريكا المسكينة وأنا أتابع خبرا، نشرته نشرة واشنطن منتصف الأسبوع، تدعو فيه كارين هيوز وكيلة وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون العامة والدبلوماسية العامة الطلبة بالجامعة الأميركية في القاهرة إلى الإعراب عن معارضتهم لعدم التسامح والإرهاب والقتل بدون تمييز.
أضافت هيوز أثناء الحديث إلى مجموعة من الطلبة المصريين الحاصلين على منح دراسية قائلة "إنني آمل أنه في الوقت الذي يواجه فيه عالمنا التهديد المشترك للإرهاب، أن تنضموا وتترابطوا للإعلان عن معارضتكم للقتل والقضاء على الأرواح البريئة والقتل بدون تمييز الذي يعد جزء لا يتجزأ من الإرهاب في الوقت الراهن".
محل الاستغراب ليس نابعا من الاعتراض على الدعوة إلى التسامح ورفض التقتيل أيان كان منبعه ودوافعه، لأن التعلم في مدرسة قرآنية أيام الصغر وإن كانت تستعمل حصيرا، والسكون إلى حديث الجدة العذب عن الخير والفلاح ومساعدة المحتاج يجعل المرء لا يحتاج إلى مثلها نصائح خاصة إذا كانت من بطانة بوش، كما أن التاريخ العريق برهن على أن المجتمعات التي عاشت ضمن أكبر حضارة إنسانية عرفها تاريخ البشرية وهي في الحضارة العربية الإسلامية، لم يشعر فيها أي أجنبي بمقدار ذرة كره أو تحقير أو تهديد بالقتل. ومازالت "أقليات" تذكر أنها لم تشعر بتاتا أنها مضطهدة أو ناقصة المواطنة أو مهددة في ممارسة شعائرها الدينية ولعب دورها الاجتماعي والاقتصادي في بلد يسمع فيه الأذان خمس مرات ويجوب المحتسبون الأسواق من أجل زجر الغش وإن كان من أجل انتزاع حق من واحد من الأغلبية لصالح واحد من الأقلية...، أغلبية، أقلية عاشوا جنبا إلى جنب يدافعون عن دولتهم المدنية الصاعدة، وخير مثال على ذلك ما قام به أهل مصر من المسيحيين الأقباط حين شاركوا في الدفاع عن وطنهم أرض الكنانة ضد الاحتلال المسيحي الغربي البريطاني على وجه التحديد. وفي المغرب يذكر التاريخ ما قام به الأجداد حين استقبلوا آلاف المهجرين الهاربين من جحيم المطارق والتقتيل الجماعي في جنوب أوروبا، ولم يشعر أي أحد من الديانة الوافدة بعد أقل من جيل أنه في بلد غير بلده، خير مثال على ذلك ما أقيم من علاقات عائلية واقتصادية ممتازة مع أهل الدار، حتى كانوا يسكّنون الأحياء القريبة من القصور الملكية تعزيزا لمكانتهم في المجتمع المغربي الناشئ آنذاك..
إن أمريكا مسكينة حقا وهي تخوض حربا بالوكالة، وتريد أن تسوق الجميع إلى ما سمته "حربا ضد الإرهاب"، تسوقهم وهي تشعر أنها مهددة أكثر لأنها الأكثر ظلما للشعوب أكثر خنقا للطيور في العلالي وتسميما للأسماك في البحار وتسمينا لوحوش البراري. تصف كل من ساهم فيها بالشعب المتحضر، في حين يبقى كل من يرفض سياساتها في العراق وفلسطين وفي جميع أنحاء دول العالم من فصيلة الشعوب المتخلفة، كل من يعارض حرب أمريكا على الإرهاب على طريقتها، يبقى مصدر تهديد للشعوب المتحضرة وداعيا للكراهية وعدم التسامح والتحريض، وغير مؤيد للتنوير والتوعية".
نفهم جيدا شعور أمريكا وهي قادرة على بناء ثقة دنيا لدى الملايين من شعوبها من سياستها التخريبية خارجا، ونفهم شعورها وهي غير قادرة على تحقيق مزيد من الرخاء إلا على حساب ثروات غيرها، نفهم أيضا ما تروج له الوكيلة هيوز وهي التي ستزور أيضا السعودية وتركيا، حين تصف الأولى بأنها بلد الإرهابيين وستتحدث أثناء زيارتها عن بواعث قلق الولايات المتحدة بشأن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في بلاد الحرمين الشريفين، مع ادعائها الإدراك والاقتناع بأن التغير في مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان "سيأتي بوتيرته الخاصة"، ونفهم من ذلك الوتيرة الأمريكية بصيغ متنوعة لعل إحدى نتائجها ما يحدث في العراق مع عدم المقارنة مع وجود الفارق.
ما تقول هيوز المسكينة عن التسامح واحترام حياة الآخر للطلبة العرب وقبلها للأطفال العرب في مخيمات السلام تجمع عربا وعجما وأحفاد شارون، يجب أن توجهه إلى الساكن البيت الأبيض بوش الثاني، وإلى ساساته ذوي الآذان الصماء والعيون العمياء، الذين لا تسمعون لا صفير الإنذارات من كل حدب وصوب، و لا يتعظون من عقاب على الأرض مرير، ولا ينصتون لشكاوى آلاف الثكلى عراقيات وأمريكيات فقدوا ذويهم في حرب لم يعرفوا لماذا نشأت وكيف نشأت..
قالت هيوز في خطابها للطلبة أيضا "أعتقد أن نيل الإنجازات الأكاديمية يعد هدفا نبيلا جدا إذ إنكم تريدون المساهمة في بناء حياة أفضل، ليس لأنفسكم ولأسركم التي ستكونونها فحسب، وإنما للمجتمع الذي تنتمون إليه ولبلدكم أيضا". خطاب هيوز هذا يجب أن يوجه إلى الكوندليسا وغيرها يأمرهم بالتوقف عن دعم دولة مارقة غرزت في قلب البلاد العربية، وبتجريم مجازرها وقتل تلاميذ لم يعودوا يفقهون في تحقيق الإنجازات الأكاديمية غير لغة الانتفاضة من أجل تحرير كامل للأرض وإن وصفوا بالإرهابيين وسعا بعضهم إلى تجريدهم من سلاحهم، تلاميذ لم يعودوا يفهموا غير لغة السلاح بديلا في ظل احتلال أخرق للتعبير عن اهتمامهم بخدمة وطنهم. هو أيضا نفس خطاب الأمهات في بلاد العرب والمسلمين، وهو نفسه الخطاب في البلاد المحتلة من الأراضي يضاف إليه "لا حياة بعد الذل، ولا سبيل للنصر إلا بمقاومة المحتل".
أمريكا مسكينة، تستغرب أن ترسل لها دول فقيرة إعانات على خلفية كوارث طبيعية، وتنسى أمريكا أن النخوة والكرم وعدم التشفي في بلاد الفقراء تلزم تقديم التعازي وتقديم المساعدات كلما واجه شعب أعزل فقير أو غني كارثة طبيعية أو أمريكية أقصد إنسانية، لأن هذه الشعوب الفقيرة مازالت تعتقد بأن الإنسان هو خلق الله، وهو مكرم أين وجد ومرحب به أين نزل إلا أن يكون محتلا فلن يُساعد على الحرب ضد الأوهام.
-------------
*كاتب صحفي من المغرب