في البيت مراهق عاشق

 

المراهقة مرحلة دقيقة في حياة الفرد، وبالتالي في حياة العائلة. المراهقون مزاجهم صعب، شخصيتهم نزقة، تصرفاتهم عدائية غالباً...

وكثيراً ما يكون المراهق أنانياً، متعالياً، منغلقاً على نفسه... مطبات كثيرة والنتيجة واحدة: جحيم يومي يعيشه الوالدان إلا في استثناءات نادرة، ونادرة جداً... فكيف إذا وقع المراهقون في الحب واختبروا غرامهم الأول الذي يجعل عالمهم الضيق أضيق، وثورتهم على الراشدين أكبر، وحنقهم على القواعد والقوانين المنزلية اشدّ؟

وقع أو وقعت؟

المراهق يختلف كثيراً عن المراهقة في العالم الشرقي. فقد تُسمح له نزواته وعدائيته وأنانيته وقلة تهذيبه لأنه ذكر... فيما تمنع مبدئياً أي زلة سلوكية على المراهقة الواجبة عليها النعومة والتهذيب واللياقة لكونها «الجنس اللطيف» والأنثى الناعمة والعروس المستقبلية.

ويبرز الفرق واضحاً بين الجنسين في أول اختبار يمر به كل منهما، وهو الوقوع في الحب. فحب المراهق ينظر إليه انطلاقاً من كونه خطوة نحو الرجولة والرشد، وهو مسموح له بالتالي أن يسهر وان تتراجع علاماته المدرسية وان يمضي ساعات على الهاتف مع «صديقته» فيما تُراقب الفتاة عن كثب وتُمنع عنها أي خطوة تمُتّ إلى الوقوع بالحب بصلة. يتم البحث أحياناً في أغراضهما الخاصة لاكتشاف أي رسالة غرام أو قصيدة شعرية تدينها، ويتم وصف الوقوع بالحب في عمرها بأنه «غلطة العمر» والمطبّ الذي قد يودي بمستقبلها.

هذا، في غالبية المجتمعات الشرقية. أما في الغرب فالأمر سيان بين الجنسين ولا فرق بين مراهق ومراهقة في تعامل الأهل معهم. ويبقى الاثنان متساويين في الشعور والتصرف الداخلي والسلوك.

 

الأحاسيس القوية

الحب في ذلك العمر يجعل المراهق أكثر تطرفاً لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع الشعور الذي ينتابه والأحاسيس القوية التي تسيطر عليه. فهو تارة يحب حتى الموت وطوراً يكره حتى الموت أيضاً. قد يقوده غرامه إلى أقصى درجات السعادة ليسقطه في لحظة واحدة إلى جحيم الحيرة والقلق.

تكفي نظرة واحدة... أو عدمها، لينقلب عالمه المترجرج رأساً على عقب، ويتقلّب شعوره صعوداً ونزولاً كمن يخطط الرسم البياني لهزة أرضية من تسع درجات على مقياس ريختر.

والمراهق (أو المراهقة) يشعر بأنه سيحب إلى الأبد... متى أحبّ حقاً، في ميل واضح لاستعمال العبارات المتطرفة والفضفاضة التي تميّز الشخصية في ذلك العمر. أما إذا لم يكن حبه عميقاً، فإنه يتنقل مثل الفراشة بين فتاة وأخرى ليبدو ناضجاً ويتصرّف مثل «الكبار»... على عكس المراهقة التي قلما تتقلب في علاقاتها الغرامية، ربما لضيق فسحة الحرية المتاحة أمامها. من هنا تعلّقها المستميت بشخص واحد. إذ إنها تلجأ إلى إضفاء عنصر الرومانسية على الحبيب، عبر جعله يكتسب كل صفات الكمال في نظرها.

وقد تضاعف القراءة قوة روابط الحب في ذلك العمر، خصوصاً أنها تتمحور حول القصص الرومانسية التي تجعل كل فتاة تحلم بأن الحبيب سيأتي على صهوة جواده لينقذها من براثن قسوة أهلها، ناهيك بغرق المراهقات في أحلام اليقظة وأحلام- التمني wishful thinking، كما يسميها علم النفس، أي إنهن يقنعن أنفسهن بما يحلمن به، على انه حقيقة ملموسة. وهذا الأمر ينطبق خصوصاً على الصفات التي ويكسبنها للحبيب، والتي لا تتخطى أحياناً كثيرة الشكل الخارجي.

من هنا بروز عنصر «السترس» الذي تتسم به علاقات المراهقة، والذي ينطبق على 53 في المئة من المراهقين، وفق إحصاء اميركي.

 

مساعدة ضرورية:

تتعقد أوضاع المراهق الحبيب كلما تعقّد التواصل مع أهله، إذ إن رفضهم لمن يحب سيجعله يتشبث به أكثر انطلاقاً من مبدأ عصيان الأوامر والممنوعات، كما سيكسبه هالة من الصفات لا وجود لها حقيقة.

من هنا ضرورة التواصل مع الأهل بعيداً من «هز العصا» بين الجانبين... حتى لو لاح في الأفق الزواج المبكر. فمساعدتهم ضرورية لمواجهة كل الضغوط التي يتعرض لها المراهق في مرحلة عبوره إلى النضوج.

والمطلوب من الأهل أولاً، إظهار الحب والتفهم له كي يشعر حقاً انه مرغوب فيه، وإلا بات ينظر إلى القوانين المنزلية القاسية كأنها مرادفة لرفضه كفرد من العائلة أو كأنها ترجمة لكراهية الوالدين له. ولن ينفع أي منطق آخر معه، لأن المراهق لن يعتــرف إلا بمنطقــه الخاص... الذي لا يمتّ إلى أي منطق عقلاني بصلة.

ومن المفروغ منه القول أن مشكلات المراهق مع عائلته أو مع محيطه قد تصبح خطيرة نظراً إلى أنها قد تقـوده إلى تحطيم الذات أو إلى الإدمــان، ناهيــك بالانهيار العصبي واضطرابات الطعام مثل البوليميا والانوركسيا.

 

مغامرة مرهقة:

رحلة مرافقة المراهق إلى مرحلة النضوج في «العالم الحقيقي» مغامرة مرهقة بحد عينها، وتتضمن عثرات عدة قد تودي بعلاقة الوالدين به إن لم يحسنا الإمساك بزمام الأمور جيداً.

فعلى رغم كل العثرات التي قد تعترض طريق حياة المراهق اليومية وثورته الظاهرة وادعائه الرشد، يبقى طفلاً صغيراً في قرارة نفسه، يحتاج إلى من ينهره بعطف ويرشده إلى الطريق الصواب، وذلك عبر التفهم والحب والمنطق وارشاده إلى طريق المسؤولية كي يتمكن في ما بعد من تحمل المسؤوليات بدوره.

وما من وسيلة سحرية لإزالة العثرات بين مراهق وآخر، ولا من حل يصلح للتعامل مع مراهقين شقيقين مثلاً. إلا إن كل علاقة تكون ثلاثية العناصر: أولاً، تأمين الاتصال والتواصل باستمرار معه عبر الحوار أولاً وأخيراً، ثانياً، إرشاده والاهتمام بكل نشاطاته عن كثب بدءاً بالتعرف إلى أصدقائه وصولاً إلى الأماكن التي يرتادها للحؤول دون وقوعه في المشكلات، ثالثاً، تدريبه على الاستقلالية الفكرية الذاتية عبر احترام أفكاره.

ويعلق علماء النفس أهمية كبرى على تخصيص الوالدين وقتاً محدداً يمضيانه مع المراهقين للإبقاء على صلات الحوار معهم، أكان في ممارسة نشاط رياضي مشترك أم أي نشاط آخر.

ويلفت هؤلاء العلماء إلى وجوب إيجاد التوازن الدقيق بين الاهتمام بالمراهق أو عدمه، بحيث أن كثرة الاهتمام ستشعره بالاختناق وقلته بالإهمال.

 

زواج مبكر؟

كان زواج المراهقين حالة طبيعية في العصور القديمة نظراً إلى أن متوسط العمر عند الرجال والنساء كان أقصر بكثير من اليوم. فكان المراهق يدخل القفص الذهبي فور بلوغه الـ15 أو الـ16 من عمره ليؤمن سلالة العائلة فيما الفتاة تُزوّج في 12 أو في 14، على أحسن تقدير.

ومع تطور العصور وحتى القرن الخامس عشر، سمح للمراهق بالنضوج أكثر قبل الزواج، وحتى أن يبلغ الخامسة والعشرين أو الثلاثين فيما الفتاة بقيت تتزوج في الـ15 على أبعد تقدير كي تضمن الأولاد الكثر لزوجها.

أما اليوم فانقلبت المقاييس وبات الزواج المبكر علامة سوداء في المجتمعات الحديثة نظراً إلى اعتباره ظلماً للعروسين اللذين سيضطران إلى تحمل المسؤولية الزوجية في عمر مبكر جداً. فهما يعانيان من نقص في التعليم وفي الخبرة الحياتية والعملية... وبالتالي من انتقاص للحرية الفردية خصوصاً بالنسبة إلى الفتيات.

كما أنّ دراسات عدة أثبتت أنّ زواج المراهقين يتبعه طلاق أكيد في أقل من عشرة أعوام، خصوصاً أنّ سبب الزفاف الرئيس يكون الهروب من سلطة الأهل أو الحمل.

فالمراهقان سيضطران لمواجهة سيل من المسؤوليات، بدءاً بالمادية منها، وصولاً إلى الشؤون الحياتية اليومية... ناهيك بتربية الأولاد، إذا كان هناك من أولاد.

 

http://www.syria-news.com                    المصدر: