آثار الحج 

الشيخ أحمد بن صالح السناني

 

الحمد لله الذي جعل في الكتاب والسنة مقاييس الخير والشر وأحكام الحلال والحرام، وجعلهما حجة على الأوضاع الاجتماعية والفردية وجعلهما حجة لأنبيائه ورسله ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) (البقرة: من الآية143)

 

وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأحكم الحاكمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أسوة المؤمنين وخاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:

 

فماذا بعد انقضاء الحج وعودة الحجاج؟

وما ذا بعد المرور بالعشر الفاضلة من ذي الحجة، ويوم عرفة، ذلك اليوم العظيم؟

وما ذا بعد إراقة الدم في سبيل الله إحياء لسنة أبينا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الذي ضرب لنا مثلاً عظيماً في الاستسلام لأمر الله مهما كان صعباً على النفس مصادماً للعواطف الفطرية أو المكتسبة والتضحية بمحبة الأنفس والأبناء والأموال في سبيل الله - عز وجل - دون تردد أو تأخر، ما هي الحال اليوم بعد هذه المناسبات العظيمة في واقع الفرد أو المجتمع؟!!

 

هل خرج الحاج وغير الحاج من هذه الأيام المباركة بنفس جديدة منيبة تائبة؟!

 

هل قرر أن يعيد النظر من جديد في كل حياته ليصوغها على ما يرضي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟

 

 إن من بوادر قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، و تصحيح السلوك والتوبة إلى الله والرجوع إلى حكم الله في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأعظم علامة على التوفيق والقبول، فمن خرج من هذا الموسم العظيم حاجاً أو غير حاجٍ وقد تشبعت نفسه بالإيمان نادماً على تفريطه وإتباع شهواته عازماً على العودة إلى مولاه، فحافظ على الصلوات جماعة في المساجد ولزم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ويعمل ويستعد للقاء مولاه بقلب سليم ((يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) (الشعراء: 88، 89)

من خرج من هذا الموسم بهذا الشعور وسلك هذا الطريق كان هذا مبشراً بقبول عمله وشكر سعيه وفلاح أمره ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)) (الجمعة: 4)

 أما من خرج من هذا الموسم خاوي الروح وقاسي القلب مستمراً على لهوه وغفلته بعيداً عن بيوت الله وكتاب الله عاكفاً على وسائل الإعلام الماجنة من غناء وأفلام ومجلات فتلك علامة الخسران والإفلاس والعياذ بالله.

 

فاحرص يا أخي المسلم على أن تخرج من مواسم الخير بتوبة صادقة و إنابة خالصة حتى إذا صرعك الموت ورحلت عن الحياة و أهيل عليك التراب في حفرة مظلمة موحشة وتولى عنك مالك وجاهك وأهلك وأصحابك، وبقيت أنت وعملك أمام القبر وسؤاله، ثم وقفت بين يدي الله يوم الحساب واجف القلب زائغ النظرات فماذا أنت قائل: عن أعمالك وأفعالك؟!!

 

أخي المسلم: استجيب إلى نداء خالقك ومولاك )) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (التحريم: 8)

 

أسأل الله - تعالى -أن يوفقنا جميعاً للتوبة النصوح وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

 

17/12/1425 هـ

28/1/2005

 

http://www.islamlight.net                       المصدر: