يوميات طبيب بيطري مع أنفلونزا الطيور
د. ليلى بيومي
15صفر1427هـ الموافق له 15مارس 2006م
عندما اجتاح العالم مرض أنفلونزا الطيور بدأت وسائل الإعلام والفضائيات تنقل أخبار الوباء في بعض الدول الأوروبية ودول شرق أسيا، ولأن المرض وبائي ومرتبط بالطيور المهاجرة والتي لا يمكن السيطرة عليها، أو تحويل مساراتها من دولة إلى أخرى؛ فهي تعبر البحار والمحيطات، وتنتقل من موطن إلى آخر في مواسم هجرتها الطبيعية، ومن ثم فإن أية دولة معرضة للإصابة به، وشدة المرض أو ضعفه مرتبطة بالوعي الصحي لدى الشعوب، إلا أن وجود الخنازير يزيد من شراسة انتقال الوباء، وهذا ما تؤكده المشاهدات الواقعية والخبراء البيطريون.
فمنطقة شعبية مثل البساتين، ومنشأة ناصر في مدينة القاهرة شهدتا أكبر انتشار لهذا الوباء وذلك لانتشار تربية الخنازير في تلك المناطق المرتبطة بتجمعات القمامة والزبالين، ومن المعروف أن طعام الخنازير في معظمه من القمامة، وقد أجريت العديد من الاستقصاءات حول هذا الوباء، ومدى انتشاره، وكيف تم التعامل معه من خلال بعض الأطباء.
ومن خلال متابعتي لأخبار أزمة أنفلونزا الطيور علمت أنه منذ الإعلان عن انتشار الوباء في تركيا وبعض البلدان الأوروبية - أي قبل إعلان وجوده في مصر بأكثر من شهر - ورد العديد من الشكاوى للوحدات البيطرية، فكثير من المربيات كن يحضرن بعض الطيور النافقة، ويشكين من أن معدلات النفوق تفوق 80%، ويتأكد البيطريون بعد الكشف الظاهري على تلك الطيور وجود أعراض متوافقة تماماً مع المرض، إلا أنه كانت هناك تعليمات بتهدئة الناس، وعدم إثارة الذعر بينهم، ولم يكن مطروحاً ولا مقرراً أخذ أي عينات للتحليل من الطيور النافقة، وفي نفس الوقت كانت هناك العديد من الإعلانات بالصحف ووسائل الإعلام تحكي عن كيفية التعامل مع المرض والطيور دون تحديد إذا كانت هناك مجرد شبهات.
وقد امتنعت بعض القطاعات تلقائياً عن تناول الدجاج، وأدى ذلك بالضرورة إلى انخفاض سعره، لكن هناك قطاعات أخرى تعاملت مع هذا الأمر بتجاهل تام، إما لظرف اقتصادي، ولعدم إمكانية شراء لحوم حمراء لارتفاع سعرها، أو لتجاهل الأمر برمته.
ولكن ما أن تم الإعلان الرسمي عن وجود أنفلونزا الطيور في مصر - والذي يعتبره البعض قراراً سياسياً - حتى ظهرت العديد من التناقضات والمفارقات داخل المجتمع المصري، وكانت هذه التناقضات والمفارقات مؤشراً لطبيعة العلاقات الاجتماعية بين المصريين، ومدى تدهورها، وكيفية تعاملهم مع الأزمات، وأيضاً مدى الوعي الصحي والبيئي لديهم.
وأكثر هذه التناقضات الساخرة هي أن جمهور شعبي من المربين ذوي الدخول المحدودة جداً، والتي كانت تعتبر مثل هذه التربية الداجنة مصدراً متواضعاً للدخل يعين على كثير من الاحتياجات سواء بشكل مباشر لتناول بروتين حيواني؛ أو غير مباشر ببيعه، والاستعانة ببعض نقوده على المعيشة الصعبة، بعض من هذه الأسر ذهبت بما تملكه من طيور إلى الوحدات البيطرية لأنها لا تعرف كيفية التعامل مع هذه الطيور، وتخاف من ذبحها أو إخفائها، لأن الخوف الأكبر كان من الغرامة، والغريب أن الموظفين في الوحدات البيطرية أخذوا معظم هذه الطيور واقتسموها فيما بينهم لأنهم يعرفون جيداً كيفية التعامل معها.
وفي جولتي مع زميلاتي البيطريات في بعض القرى والمناطق الشعبية شاهدت العديد من المفارقات، فإحدى السيدات المتعلمات وهي مهندسة زراعية، وتقيم في منزل خاص بها بمنطقة الجيزة، ولديها حجرة مستقلة للطيور في الطابق الأخير، وتقول: إنها كانت تعمل موظفة لأكثر من خمس سنوات تقضى معظم وقتها في المواصلات، وبعيداً عن الأولاد، وتقول أيضاً: عندما كنت أعود إلى منزلي تصدمني كثرة المشاكل بين الأولاد، والتزامات البيت التي لا تنتهي، ومن الناحية الاقتصادية فإن راتبي كان يضيع معظمه في نفقاتي الشخصية، ولأن الحاجة تولد الاختراع وجدت أنه بحسبة بسيطة يمكن أن أقوم بتربية بعض الطيور في المنزل، وهذا سيوفر لي الوقت والجهد بدلاً من الوظيفة، وسيغنيني عن شراء اللحوم والدواجن، وسيوفر لي أيضاً بعض المال، وعندما تم الإعلان عن انتشار المرض قمت بشراء ديب فريزر، وقمت بذبح معظم الطيور لكي تكون مخزوناً استراتيجياً، أما الطيور الصغيرة والغير مناسبة للذبح فقد أخفيتها بعيداً عن الأنظار والتفتيش.
ومن المفارقات الطريفة ومن ضمن ملايين البلاغات كان بلاغ أحد الأبناء عن أمه في منطقة جزيرة محمد بإمبابة، والأم قد تمسكت بدواجنها رغم تحذير الابن لها، وعندما تحدثنا معها قالت: ابني وزوجته لا يهمهما سوى اقتسام طيوري التي تعبت في تربيتها، وإن كان لابد لي من التخلص من عشة الطيور فإنني سأقوم بذبح الطيور مؤقتاً حتى يهدأ الأمر، وسأعود للتربية مرة ثانية.
أما إحدى السيدات والتي تم الإبلاغ عنها، وتقديم شكوى ضدها؛ فكانت تعيش في شقة فاخرة بمنطقة الهرم، وعندما استأذنتها في الدخول وجدت بهواً كبيراً ومفروشات، وأثاث فاخر، وفي البلكون المطل على المنور وجدت الطيور في أقفاص خاصة ومحاطة بعناية ونظافة فائقة، وقد أشرت عليها ودياً بذبح هذه الطيور تبعاً للأوامر الصادرة، فاستجابت السيدة، وقالت: إنني لا أثق في الدواجن الخارجية، وفي تربية المزارع لأنها تأكل أعلافا غير صحية، ونموها قائم على الدم والهرمونات، لذا فإنني اعتمد على تربيتي الخاصة، ورغم إنني لا أقوم مطلقاً بإيذاء الجيران إلا أن إحدى جاراتي على خلاف دائم معي، واستغلت هذا الأمر وقامت بالإبلاغ عني.
أما في القرى فكانت ظاهرة انتشار الشكاوى ملفتة للباحثين، فالخلافات بين بعض الأسر، والتنافس يتم التعبير عنه من خلال الشكاوى الكيدية، أحد المربين خرج بمجموعات كبيرة من البط والدجاج الرومي لبيعها في الأسواق، ولأنه لا يمتلك ثلاجة أو فريزر لذبح هذه الطيور وحفظها، ولما لم يجد من يشتري؛ ألقى بطيوره في شوارع السوق لأنه كما يقول خائف من الغرامة التي ادعى البعض أنها ستصل إلى آلاف الجنيهات، وكانت طيور هذا المسكين من نصيب بعض المارة الذين التقطوا ما شاء لهم منها.
وتقول إحدى الفتيات وهي يتيمة وخريجة كلية الدراسات الإسلامية بالأزهر: إنها لا تعمل، وقد تخرجت منذ خمس سنوات، وتمت خطبتها، ولأنها تريد شراء بعض احتياجاتها كعروس أقدمت على شراء بعض الطيور لتربيتها ثم بيعها للإنفاق على جهازها، لكنها بعد أن تم الإبلاغ عنها قامت بذبح الطيور، وأهدت منها لأقربائها، واللافت للنظر أن كثيراً من المشاحنات والخلافات بين الأهل والجيران تم ترجمتها إلى بلاغات كيدية حول وجود أنفلونزا الطيور لدى من يراد الانتقام منه.
هذا وقد امتلأت الثلاجات وأدراج التبريد بالطيور المذبوحة حتى يتم الإعلان والإفراج عن الطيور المختبئة في الحجرات الخلفية والأماكن السرية، فقد ذكرت لي إحدى الطالبات الجامعيات أنها قامت بتجهيز مكان سري للغاية في أحد أرجاء منزلهم الريفي، وذلك لأن هذه الطيور يتم من خلالها الإنفاق على تعليمها الجامعي.
وهناك بعض الأسر في بعض القرى ألقت بالطيور والبط الصغير في المصارف والترع، وخصوصاً أن الطيور الصغيرة غير صالحة للذبح، وبعد أن تركوها تسبح في المياه جاء البعض بمصائد، وأخذ الكثير من هذه الطيور وأخفاها، وأعد العدة لتربيتها، ومعظم الذين ألقوا بدواجنهم على قارعة الطريق ولم يستطيعوا ذبحها أو التخلص منها بأي صورة خافوا من قيمة الغرامة التي قدرها البعض بعشرة آلاف جنيه، وما هي إلا شائعات أخافت الناس، وليس لها أي ظل من الحقيقة، وهذا يذكرنا بالشائعة التي تم إطلاقها إثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي تفيد بأنه من يمتنع عن الإدلاء بصوته سيغرم بمئة جنيه، فما بالنا بعشرة آلاف جنيه فهي تمثل ضربة قاضية دفعت الكثير للتعامل مع مشكلة أنفلونزا بشكل عشوائي وغير مدروس.