الإرهاب السياسي ضد حماس

صلاح سالم

 

عندما فجرت حماس مفاجأة الفوز بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، وقبل تشكيل الحكومة؛ كان واضحاً أنها تراوح بين خيارين:

الخيار الأول: يمكن تسميته بالخيار المصري الذي يدفع بحماس نحو الاعتدال صوب الالتزام بموروث أوسلو، وخريطة الطريق على النحو الذي يجعل منها استمراراً لفتح بشكل أو بآخر، ويعمل على إدماجها في النظام الدولي بشكله الراهن من حيث هو تابع للتصور الأمريكي للعالم، وبالأحرى يقود حماس إلى المهادنة مع المعادلات الأمريكية الحاكمة لتفاعلات هذه المنطقة من العالم.

هذا الخيار يبدو مرناً نسبياً، فهو وإن بقي نهجاً مصرياً في المجمل فإنه لا ينفي تأثيرات قوى عربية مهمة على رأسها السعودية، وكذلك الأردن، كما أنه لا يأخذ اتجاهاً واحداً بل أكثر من اتجاه على رأسها اتجاهين أساسيين يتوقف احتمال كل منهما على مدى فعالية الدبلوماسية المصرية والعربية، وعلى مرونة العقل السياسي الإسرائيلي في مرحلة ما بعد شارون، وكذلك على وعي الإدارة الأمريكية، ومدى استقلالها عن مركب الصهيونية المسيحية.

أول هذين الاتجاهين نحو الخضوع للسقف المنخفض الذي كانت الولايات المتحدة قد قبلت به للمطالب الفلسطينية المشروعة منذ حكم اليمين الجمهوري قبل خمس سنوات، والذي تمكنت السياسة الإسرائيلية في عهد شارون من أن تفرضه على الجميع بعد أحداث 11 سبتمبر، أي أنه يقوم على مجرد استبدال «حماس» بـ «فتح» في وراثة التركيبة السياسية التي راكمتها السنون الأخيرة.

أما ثانيهما فهو رفع هذا السقف قليلاً أو كثيراً بما يسمح بالعودة إلى دفق سيناريو أوسلو ما قبل شارون حيث الحل القائم على الدولتين، وعلى الشراكة السياسية بين طرفين يتبادلان الاعتراف والحقوق، مع تفاوض نشط وضروري حول شروط الدولة الفلسطينية، فيما يتعلق بوضع القدس، واللاجئين، والمستوطنات، وشتى مظاهر السيادة، ومدى تواصل الأراضي الفلسطينية على النحو الذي يجعل الدولة ممكنة وعملية، وقد كان ممكناً لهذا الاتجاه أن يتأسس على معطيات ثلاثة تصب في مصلحة حماس، وتمنحها فرصة أكبر للنجاح:

أولها: يتعلق بقدرتها الكبيرة على ضبط الأمن نتيجة لخبراتها الميدانية الواسعة، ولدرجة تحكمها في الشارع الفلسطيني خاصة الغزاوي، وسيطرتها على أغلب موارد السلاح خارج إطار السلطة، ولعل هذا المطلب مثل طويلاً أحد أهم مطالب الولايات المتحدة و"إسرائيل".

وثانيها: هو خلوها من الفساد الإداري والمالي الذي كان يضرب بجذوره في السلطة الفتحاوية إلى درجة مؤرقة للفلسطينيين يصعب معها توزيع مدخل المساعدات الخارجية، أو حتى عوائد التنمية المحدودة، وقد شكل مطلب التخلص من الفساد أحد أهم مطالب الشارع الفلسطيني.

وثالثها: هي درجة الصدقية العالية التي تتمتع في الشأن الوطني كله، وامتلاكها الطويل لحق الفيتو على القرار الفلسطيني، إذ لا يوجد هناك من يشكك في وطنية قرارها، أو يزايد عليها، ما يمنحها حرية اتخاذ القرار، وهي سنة سياسية معروفة تقول بأن الأكثر تشدداً ربما يكون هو الأقدر على اتخاذ قرارات صعبة دون خشية من مزايدات المنافسين، أو انقلاب الرأي العام.

أما الخيار الثاني: فيمكن تسميته بالخيار الإيراني الذي يدفعها إلى مزيد من التشدد بالخروج على موروث أوسلو، ورفض التسوية السلمية، والخروج على المعادلات الأمريكية الحاكمة لتفاعلات الإقليم، والصدام من ثم مع النظام الدولي في شكله الراهن، مع ما يستلزمه ذلك الخيار من ترابط تدريجي قد يصير حاسماً بين القضية - الوضع - الفلسطينية وبين القضايا الأخرى المشتعلة في الإقليم وخاصة الصراع على لبنان باتجاه التنسيق مع حزب الله، وسوريا، وكذلك الوضع السوري حيث الصراع الدائر مع الولايات المتحدة حول مستقبل النظام نفسه، أو توجهاته المستقبلية، وهيكلته الأساسية على الأقل، وأيضاً الشأن العراقي حيث الصراع المستمر لا يزال بين المشروع الأمريكي لعراق مهادن موال لإسرائيل، يعمل ضمن المجال الحيوي الأمريكي، والمشروع الوطني للعراق سواء الديمقراطي المستقل أو الطائفي المتأثر بإيران، وانتهاءً بالقضية الأكثر اشتعالاً وهي إيران نفسها في سياق الجدل حول برنامجها النووي ومدى مشروعيته، بل ومدى سلميته.

هذا الخيار بلا شك ينهي عملية التسوية في شكلها الراهن، ويرهن القضية الفلسطينية بتفاعلات عديدة متشابكة تنضوي كلها في إطار التصور الأمريكي عن «الشرق الأوسط الجديد» على نحو يصبح معه السلام مؤجلاً، والعنف المتزايد محتملاً على الجانبين، وسيناريو إعادة احتلال قطاع غزة ممكناً بشدة، وخاصة مع اشتعال أجواء القضايا الأربعة، وخصوصاً مع سخونة الصراع الأمريكي - الإيراني.

وفى الحقيقة فإن حماس قد أعطت لـ «الخيار المصري» أولوية تبدت ملامحها بزيارة زعيمها خالد مشعل للقاهرة في أول جولة خارجية له للحوار والتفاهم حول المستقبل، رغم عدم الترحيب المبدئي من قبل القاهرة بفوز حماس، كما تبدت في حوار الحركة مع المملكة العربية السعودية، والذي يدعم نهجها السياسي الخيار المصري المعتدل ضد الخيار الثاني المتشدد.

ولكنها في الوقت نفسه قد أبقت على فرص الخيار الثاني تحسباً للضغوط التي لاحقتها منذ الوهلة الأولى، وهو الأمر الذي تبدى في زيارة السيد خالد مشعل إلى إيران، ولقائه بالرئيس نجاد، والمرشد السيد علي خامنئي حيث حصل منه على وعد بدعم مالي لسلطة حماس حالة توقف المساعدات الأمريكية والأوروبية، ورفض "إسرائيل" تحويل مستحقات السلطة من الضرائب والجمارك، أي فرض حصار اقتصادي عليها، وقد تحدثت مصادر شتى عن صفقة سياسية بالمقابل تلتزم من خلالها حماس بالتصعيد ضد "إسرائيل" حالة وقوع هجوم أمريكي أو إسرائيلي على إيران.

وفي الواقع حدثت كل التطورات الأسوأ تقريباً؛ فقد قامت الولايات المتحدة بتجميد دعمها للسلطة الفلسطينية تماماً، وكذلك نهجت أوروبا فرادى، وفي إطار الاتحاد الأوروبي، كما قامت "إسرائيل" بوقف تحويلاتها المالية، واستبدالها بجرعات من العنف العسكري الشامل الموجه إلى الفلسطينيين، مع خطاب سياسي يؤكد على أولوية النهج الشاروني القائم على الحل أحادى الجانب، والانسحاب المحدود المتدرج من بعض الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع حرمان الفلسطينيين من أغلب مظاهر السيادة، بل ومن حرية الحركة والسيطرة على المعابر والموانئ والمطارات، ومن وضع القدس كعاصمة للدولة، ناهيك عن مشكلة اللاجئين، ما يعني أن كل مبررات الخيار المتشدد قد توفرت لحماس، ويعني كذلك أن احتمالات العنف تتزايد، واحتمالات السلام العادل تتلاشى.

________________

* كاتب مصري

http://www.palestine - info.info:المصدر