مفكرة الإسلام تفند دعاوى الرافضين للحل الإسلامي
تحقيق: أسامة الهتيمي
مفكرة الإسلام: لم يفتتن العرب والمسلمون في عصور انحطاطهم بالجانب المادي من الحضارة الغربية فحسب بل امتدت تلك الفتنة لتشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية والقانونية والتشريعية إلى الدرجة التي طالب فيها بعضهم بأن نتبع الغرب في كل كبيرة وصغيرة حتى يمكننا تحقيق ما حققه الغرب من تقدم علمي ومعرفي.
وكانت دعوة مثل هؤلاء تتضمن سرا أو جهرا التخلي عن القيم والمبادئ الإسلامية التي أضحت في نظرهم أسباب تخلف المسلمين وتراجعهم في الوقت الذي نسوا فيه أو تناسوا أن حضارة الأمة الإسلامية وازدهارها لم تكن إلا بتمسك الأمة بهذه القيم الإسلامية فضلا عن تحكيمهم لله ولرسوله في كل شئونهم.
واليوم وقد أدرك المسلمون خطورة الابتعاد عن هويتهم ووعوا جيدا أهمية التمسك بدينهم وأحكامه كحل وحيد لتحقيق النهضة الضائعة تعيد مفكرة الإسلام فتح ملف الرد على الرافضين للحل الإسلامي ودحض شبهاتهم التي لم يفتأوا يكررونها بين الحين والآخر.
الحضارة الإسلامية قامت على ربط الدين بالدولة:
في البداية يؤكد الدكتور مجدي قرقر الكاتب الإسلامي أن الرافضين للحل الإسلامي فريقان:
الفريق الأول هم ' الماديون ' نسبة إلى المادة وهؤلاء هم أصحاب النظريات المادية من شيوعيين ووجوديين ولا دينيين وهؤلاء يجدون في الإسلام منافسا خطيرا بل يعدونه العدو الأول لهم.
والفريق الثاني للأسف أخوة لنا في الإسلام ' الدنيويون ' أو ما اصطلح على تسميتهم بـ ' العلمانيين '.
ويضيف الدكتور قرقر أن الإسلام لا يعرف ثنائية الدين والدولة التي يقرها الفكر المسيحي حيث يقسم الحياة بين الله - تعالى -وبين قيصر [أعط ما لقيصر لقيصر وما للرب للرب] إلا أن رجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى خرجوا عن هذه المبادئ المسيحية وكونوا طبقة تسيطر وتستعلي وتضطهد وتتعصب بربطهم بين الدين والدولة واستغلالهم لمناصبهم اعتمادا على مبدأ ' الكهنوت ' في المسيحية حتى إنهم اضطهدوا الفكر ونشروا الجهل والخرافة تدعيما لمراكزهم التي كانوا يحرصون عليها..ومن أوروبا ومع بدايات القرن الميلادي الماضي انتقلت الدنيوية لبلادنا عن طريق بعض المستشرقين وبعض الدارسين العرب في أوروبا بعد أن عادوا لبلادهم..مع أن ربط الدين بالدولة في عصور الإسلام الزاهرة مكنه من أن يمتد من الصين حتى الأندلس.. كما أدى هذا الربط إلى ازدهار الفكر وتحرير الناس من جاهليتهم حتى ازدهرت الحضارة الإسلامية على أطلال حضارة الفرس والرومان.
وأشار قرقر إلى أن الرافضين للحل الإسلامي من الدنيويين يعلنون أنهم مؤمنون ويحترمون الدين ولكنهم ينشدون الإسلام المستنير كأن المطالبين بالحل الإسلامي يطالبون بالإسلام المظلم.. لكننا نتساءل هل يكتمل إيمان هؤلاء وهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه.
وأوضح قرقر أن مثل هؤلاء يعتمدون في منهجهم على شن الهجوم على رموز العمل الإسلامي واتهامهم بالإرهاب والتطرف وبأنهم يوظفون الدين لتحقيق مكاسب سياسية وبهذا يقيمون حاجزا من الكراهية وعدم الثقة بين الناس وبين هذه الرموز.. وكذلك إثارة الشبهات والانتقادات الموجهة للمشروع الإسلامي.
ويقول الدكتور مجدي ومن هؤلاء الذين ينكرون جانب الشريعة من الإسلام ويقصرونه على جانب العقيدة والعبادة بالمعنى الضيق وهم بذلك يلغون مئات الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام وهنا تتضح مغالطات هؤلاء فليست كل آيات الأحكام في التوحيد والعبادات فهناك أحكام البيع والربا والزواج والطلاق والمواريث والقصاص والحدود والقتال والجزية والخراج.
ومن هؤلاء أيضا الذين يتحفظون على ما يسمونه بالحكومة الدينية ' الثيوقراطية ' والتي تعني حكم رجال الدين الذين يستمدون سلطاتهم من الله في الوقت الذي لا يعرف فيه الإسلام الحكومة الدينية بهذا المعنى لأن الإسلام لا يعرف الكهنوتية وليس فيه رجال دين وإنما علماء دين متخصصون في علوم الدين.. وأكثر من هذا فإن الإسلام لم يشترط في حاكم المسلمين أن يكون أكثر الناس معرفة بعلوم الدين أو أكثرهم تدينا وسماحة أخلاق.
ويستطرد الدكتور قرقر قائلاً إن هناك كذلك من يتحجج بغياب النموذج الإسلامي ويتساءلون أين الفترة التي حكم فيها بالدين الصحيح طوال ألف وأربعمائة عام؟.. ومثل هؤلاء يستقون معلوماتهم من حكايات 'ألف ليلة وليلة ' إنهم يدعون أن التاريخ الإسلامي كان ظلاما بعد الخلافة الراشدة باستثناء سنتين ونصف لعمر بن عبد العزيز وتسعة شهور من الخلافة العباسية مع أن كل العلوم الإسلامية شرعية ومدنية بنيت بعد الخلافة الراشدة وكل تيارات الفكر الإسلامي لم تنشأ إلا بعد الخلافة.. وكل المذاهب الفقهية لم تنشأ إلا بعد الخلافة الراشدة وكل ما نتيه به على الدنيا وما تتلمذت عليه أوروبا جاء بعد الخلافة.
كما يتساءل هؤلاء أي إسلام تنشدون؟ إسلام النميري والترابي في السودان أم إسلام الخميني في إيران أم ضياء الحق في باكستان؟ ونقول لهم إنكم لا تملكون مؤهلات الحكم على هذه التجارب وحتى إن امتلكتم فإن هذه الأنظمة ليست حجة على الإسلام.. فالإسلام يحتج به ولا يحتج عليه.
ونرد كذلك على المتحججين بتعدد المذاهب الفقهية والذين يسألوننا أي إسلام نريد؟ إسلام مالك أم أبي حنيفة أم الشافعي أم أحمد بن حنبل؟.. وكأن الإسلام أكثر من إسلام!! ونقول لهؤلاء إن الأئمة متفقون في غالبية الأحكام وإن اختلفوا في بعض التفاصيل والهيئات فهذا دليل على عظمة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان ' إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة '.. ثم إنهم من القوم المطففين كما قلنا والذين يزنون بميزانين ويكيلون بمكيالين فإذا اختلفوا في تفسير القوانين الوضعية فهو حلال.. بل ويقنن هذا الاختلاف فهناك المحاكم الجزئية ثم هناك الاستئناف وهناك واضعو الدستور وهناك المحاكم الدستورية.. ولكنهم في حالة الاختلاف في تفسير القوانين الوضعية يغضون الطرف وفي حالة الفقهاء في بعض التفاصيل يفتحون عيونهم على آخرها لرصد أي تقصير في الحل الإسلامي ليشبعوه تشكيكا وانتقادا.
ويضيف ولا ننسى هؤلاء الذين يقولون يجب أن نعد المجتمع أولا وهم في ذلك مثلهم مثل من يدع المريض ليشفى وحده بدون دواء مع أنه يجب أن نفحص المريض حتى نضع أيدينا على مكمن الداء والخطر ولا ريب أن الحل الإسلامي هو الدواء لكل هذه الأمراض ومع ذلك فإن جهابذة المسوفين يقولون لا يمكن تطبيق الحل الإسلامي قبل تحقيق العدالة الاجتماعية رغم أن العدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا في ظل الإسلام.
رافضو الحل الإسلامي ليسوا بمسلمين:
ويقول الشيخ عبد الله السماوي الداعية الإسلامي المعروف إن هؤلاء الذين يعلنون رفضهم للحل الإسلامي لم يدخلوا الإسلام بعد حتى وإن تسموا بأسماء المسلمين لأن الإسلام ليس بالأسماء وشهادات الميلاد والبطاقات الشخصية كما أن من أنكر آية في كتاب الله أو حديثا متواترا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنكر معلوما من الدين بالضرورة فإنه لا يكون مسلما فأقول إن هؤلاء ليسوا بمسلمين وعلى هذا فلا نستمع لهم كمسلمين.
فالله - عز وجل - يرد على هؤلاء بقوله ' أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون '..
فالإسلام يساوي حكم الله، وحكم الله يتضمن الشرائع والشعائر معا، والذي يعبد الله بالشرائع دون الشعائر أو من يعبده بالشعائر دون الشرائع لا يكون موحدا ولابد من عبادة الله بالشرائع كما نعبده بالشعائر.. كما أن صلاتنا وصومنا وتوحيدنا لله فكذلك لابد أن يكون حكمنا لله ' إن الحكم إلا لله '.
فكلمة لا إله إلا الله كما تعني أنه لا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار إلا الله فكذلك تعني أنه لا حاكم ولا مشرع ولا منظم لحياة العباد إلا الله.. فالله من خصائصه الحكم والشرع كما له الخلق وحده فليس من حق أحد أن يشارك في تدبير الأمر ' ألا له الخلق والأمر '.. وإذا أحسنا الظن وتلطفنا في القول.. نقول هؤلاء كأنهم حديثو عهد بالإسلام فلم يعرفوا الإسلام بعد.
ويضيف الشيخ السماوي إن حياة المسلمين كلها دينية.. وكانت دينية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم من عند نفسه والله قال ' ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ' وقال ' ليس لك من الأمر شيء'.
وكانت دينية في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ولم يدعوا أنهم فوق غيرهم من البشر.. حتى أن أحدهم - رضي الله عنهم - يطلب من الناس أن يقوموه إذا أعوج وانحرف.. وبالتالي فإن إدعاء هؤلاء غير صحيح فحياة المسلمين كلها دينية.. إن الدنيا والآخرة طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة إن الحياة كلها تصطبغ بالإسلام ' قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين '.. وأؤكد مرة أخرى إن حياة المسلمين كلها دينية حتى العادات تصبح عبادات بحسن النية وكذلك الأكل والشرب يصبح دينا وعبادة... ومداعبة الزوجة وإضحاك اليتيم وإدخال البهجة على اليائس والسعي للرزق في الأرض طالما يسير صاحبه في هداية الله وتصطبغ حياته كلها بصبغة الله.. لا يوجد دينيات ودنيويات في الإسلام.
ويشير الشيخ السماوي إلى هؤلاء الزاعمين بأنهم من أنصار حقوق الإنسان وأن الحدود في الإسلام انتهاكا لهذه الحقوق قائلا إن هؤلاء لا يعرفون حقوق الإنسان حين يتباكون على حقوق الإنسان ويضيعون حق الله خالق الإنسان فهذا من الظلم والجور أن يعرف الإنسان للعبد حقه ولا يعرف للرب ولي النعم الذي خلقنا - سبحانه وتعالى - واستخلفنا في أرضه لا يعرفون له حقه، الحقيقة لو أنهم عرفوا حق الله فإنهم سيعرفون حق الإنسان أما إذا جهلوا حق الله - سبحانه - تعالى -فإنهم لا يعرفون مصلحة الإنسان، ومصلحة الإنسان هي العبودية لله فهم أعداء الإنسان وليسوا أنصار الإنسان.
ويرد الشيخ السماوي على القائلين بأن الشريعة لا تصلح إلا لزمن معين مشيرا إلى أن هؤلاء يتهمون الله - تعالى -الله عما يقولون علوا كبيرا - بالقصور وعدم الحكمة والله أعلم بما يصلح به الإنسان في كل زمان ومكان 'ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ' وهو أرسل نبيه ويعلم أنه لن تكون هناك شريعة بعده ويعلم أن شريعته هي الخاتمة وأنها صالحة للناس إلى يوم القيامة.. وقد قامت على هذه الشريعة دولة وحضارة كانت أعظم حضارة إنسانية عرفها بني الإنسان فكيف يدعون أنها قاصرة ولا تناسب هذا العصر فما الذي جعلها تناسب العصور الماضية إذا؟
ويضيف الشيخ السماوي أما بالنسبة للأقليات الغير مسلمة في الدول الإسلامية فإنه لا توجد أقليات على وجه الأرض عاشت في حرية وعاشت مكفولة الحقوق كالأقليات التي عاشت في ظل الإسلام بين أهل الإسلام.. أنظر إلى الأقليات المسلمة وكيف عانت ولو أن المسلمين عاملوا الأقليات كما عامل الصرب أهل البوسنة من المسلمين وكما عامل الشيوعيون المسلمين وكما عامل الهندوس المسلمين وكما عاملت أسبانيا المسلمين، لو أنهم عاملوا الأقليات كذلك لما تبقى نصراني أو يهودي على أرض الإسلام.. ولكنهم عاشوا مكفولين الحقوق في حمى المسلمين.. والنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى بهم وبمراعاة ذمتهم ' من عادى ذميا كنت حجيجه يوم القيامة ' فقد عاشت الأقليات في ظل الإسلام ولم تشتكي كما لم تظلمهم الشريعة.
دعاوى العلمانيين ترديد لمقولات قديمة:
أما ممدوح إسماعيل المحامي ووكيل مؤسسي حزب الشريعة المصري فيقول إن مثل هؤلاء الذين يرفضون الحل الإسلامي ويثيرون حوله الشبهات ليسوا نتاج اليوم وإنما هذه المحاولات ظهرت مع بدايات القرن العشرين وخلال استيلاء البريطانيين والفرنسيين وغيرهم على معظم بلاد العرب والمسلمين وبدءوا في غرس العلمانية عن طريق حلفاء لهم ارتدوا ملابس الوطنية.. ونفذت الخطة عن طريق البعثات التعليمية لفرنسا وانجلترا فضلا عن المدارس الأجنبية حيث كان أكبر مدخل لهم هو التعليم وهو ما دفع المندوب البريطاني في مصر 'دانلوب' إلى أن يعتبر التعليم هو الهدف الرئيسي وعبره حرص على تخريج جيل منقطع الصلة عن فهم الإسلام وعلمنة العقل المصري في أجيال من الطلبة.. هذه البذرة نتجت وأثمرت حتى أن الاستعمار البريطاني عندما خرج من مصر خرج وهو مطمئن من أن هذه البذرة لها ثمارها وأن الحياة في مصر بدأت في تغييب الشريعة وتنحيتها وقصرها على الأحوال الشخصية كما غرسوا العمل الحزبي العلماني وفتحوا الباب لأحزاب علمانية.
خرجوا وهم مطمئنون أن الوطنيين إذا ما وصلوا إلى السلطة فستكون الدولة علمانية ولن يعود الوجود الإسلامي.. حيث كان أغلب القائمين على العمل السياسي بمثابة الطابور الخامس يقوم على تغريب الشعوب.. لهذا فليس غريبا على الشيخ علي عبد الرازق أن يخرج بكتابه عن الإسلام وأصول الحكم تحت عين وبصر الاستعمار وأن توزع طبعات من كتب قاسم أمين عن المرأة وسط مسلمي الهند بواسطة الإنجليز.
ومن هذا نتيقن أن الأفكار التي تتناقل حتى الآن عن الإسلام بشموليته هي نفس الأفكار القديمة وإن تغيرت بعض الألفاظ بما يتناسب مع العصر.. فهم يستقون كلامهم من علي عبد الرازق وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم.
ويضيف وكيل مؤسسي حزب الشريعة إن الذين يرددون هذا الكلام أفاقون لأنهم يستغلون سيطرة القرار الأمريكي سياسيا واقتصاديا على بلاد العرب والمسلمين.. فهي فرصة لأن يعلوا أصواتهم للسيطرة على مناحي الثقافة والإعلام ولإثبات ذواتهم لكنهم لا سيطرة لهم على الشعوب لأن الصحوة غرست غرساً مهماً عمل على ترسيخ مفاهيم الإسلام في نفوس الناس وأكبر دليل على ذلك هذا التصويت الشعبي الذي حظي به التيار الإسلامي في مصر، فهو تصويت لرفض العلمنة ولدعم المشروع الإسلامي ورفضا للتغريب.
ويؤكد ممدوح إسماعيل أن المنكرين للجانب التشريعي ينكرون الثوابت في الكتاب والسنة وهم كمن يحاول أن يخفي ضوء الشمس لأنها حقائق ساطعة لكل من قرأ كتاب الله وهذه مسألة لا تحتاج إلى تدليل.
وأعتقد أن هؤلاء يلجأون إلى هذه الفرية نتيجة تزايد سطوة الاستعمار الثقافي والسياسي الغربي على العرب والمسلمين فهم يحتمون بسلطاتهم ليعلو صوتهم ولولا ذلك لما تكلم أحد بهذا الكلام.. ولو أن ملحدا كلمته عن التشريع وقلت له أقرأ القرآن لوجد أن القرآن ينطق بأحكام التشريع.
ويشير ممدوح إسماعيل إلى أن هناك البعض ممن يرددون كلاما أقل ما يوصف به أنه كذب فاضح حول أن الشريعة الإسلامية مطبقة في بعض البلدان بنسبة 95 % لأن هذا الكلام إنكار لمعلوم من الدين ومعلوم لمن لديه أبسط معرفة بقواعد القانون التي تحكم البلاد العربية والإسلامية فهي غير مستمدة من الكتاب والسنة وما حدث أن تم تنحية الكتاب والسنة كمصدر تشريعي وتم استيراد القوانين الأنجلوساكسونية والفرنسية وغيرها.. كما تم في بداية القرن العشرين وضع لجان من مختلف القانونيين الفرنسيين والبريطانيين ووضع البذور الأولى للقوانين المعمول بها الآن حيث تم اتخاذ الشريعة كمصدر من مصادر التشريع وليس مصدرا أوليا لأنهم وجدوا أن مصادر التشريع في القوانين الأوروبية واليونانية وحتى 'حمورابي ' فيها نقصا لن تسده قواعد القانون فلجأوا إلى الشريعة لسد هذه النقص.. ومثال ذلك القانون المصري الجنائي فهو أبعد ما يكون بنسبة 100 % عن الإسلام وليس فيه استنباط من أحكام الشريعة مطلقا بل عندما نقلوا القوانين 'مصروا' بعض القوانين وبعضها لم يستطيعوا تمصيرها فنقلوها نقلا حرفيا ووضعت هكذا نقلا من القانون الفرنسي.
أما ما يقال عن وجود الشريعة في الحكم فهذه فرية واضحة لأن الشريعة في الكثير من البلدان منحصرة فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية.. وحتى في ذلك تم تحريف الكثير منها فيما يخص المواد التي تتعلق بحقوق الرجل والمرأة حيث أعطوا للمرأة حقوقا تفوق ما للرجل.
ما أريد قوله إن مرجعية الشريعة في الحكم تفرض على المشرعين ألا يلجأوا إلى أي مرجعية أخرى حتى تكون الحاكمية لله بداية ونهاية.. وهذا غير معمول به مطلقا ففي القضاء المصري يجب على القاضي أن يحكم بالقانون الوضعي فإذا لم يجد نصا في الواقعة التي أمامه يلجأ إلى العرف فإن لم يجد في العرف ما يعينه على الحكم يلجأ إلى الشريعة الإسلامية.
الإسلام يكفل لأفراده المحافظة على الحقول الأساسية:
أما الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة وأستاذ الفلسفة الإسلامية فيؤكد أن تخلف المسلمين في العصور الأخيرة لا يرجع أبداً إلى الإسلام، بل أنه يرجع في المقام الأول إلى البعد عن تعاليم الإسلام، وأحياناً عدم فهمها فهماً صحيحاً. وهناك عوامل كثيرة وراء تخلف المسلمين لا يصعب على العاقل أن يحددها.
أما الحضارة الحديثة فلها إيجابيات وسلبيات، والإسلام يرفض بصراحة كل سلبيات الحضارة الحديثة، فهو ضد الانحلال الأخلاقي، والتفكك الأسرى، والبطالة، والإدمان، والتلوث، وجنون التسلح.. أما إيجابيات الحضارة الحديثة فإنه يدعو إليها بشدة منذ مئات السنين، وأهمها طلب العلم، وإتقان العمل، وتنظيم الطاقات، واحترام الوقت، بل إنه يزيد عليها بإعداد الفرد ليكون مؤمناً بالله، وعضوا صالحاً في المجتمع.
ويرد الدكتور طاهر على الادعاء بأن العقوبات الإسلامية [مثل قطع يد السارق ورجم الزاني] عنيفة ووحشية للغاية مشيرا إلى أنه من المعروف أن العقوبات إنما توضع للخارجين على نظام المجتمع.. ونظام المجتمع الإسلامي يكفل لأفراده المحافظة على الحقوق الأساسية التالية: [الدين والنفس والمال والعرض والعقل]. ومن ثم فإن الاعتداء على أي منها في فرد واحد يعتبر اعتداء على المجتمع كله، وتهديداً لأمنه واستقراره. يقول الله - تعالى -[مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً].. ومع ذلك، فإن الإسلام يوفر لأفراد المجتمع من الحقوق ما يكفيهم بحيث يصبح ارتكاب الجريمة في حد ذاته هو الوحشية.
وعلى الرغم من أن العقوبات الإسلامية قد تبدو في بعض الحالات عنيفة وقاسية إلا أنها لا تطبق بسرعة، أو لمجرد الشبهة، وإنما هي محكومة بعدد من الإجراءات الدقيقة التي ينبغي توافرها، قبل إدانة المجرم، مما يجعل تحقيقها قليلاً، إن لم يكن نادراً. ويمكن القول بأنها وضعت للردع والتحذير وتخويف المسلم من أن هناك جرائم لا يرضى عنها الله - تعالى -، الذي هو أرحم الراحمين بخلقه.
وقد كان لتحديد هذه العقوبات بهذه الصورة أثر بالغ في تكوين ضمير جماعي لدى المسلمين عبر العصور وفى كل المجتمعات تقريباً. وهذا الضمير جعلهم يمتنعون عن ارتكاب الجرائم من منطلق ديني أكثر من خوفهم من تشريع مدني.
ويضيف الدكتور حامد أما الادعاء بأن الإسلام ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن الشـورى ليسـت ملزمـة للحاكـم فنقول إن ذلك ليس صحيحاً على الإطلاق فقد سبق الإسلام الأنظمة السياسية المعروفة حالياً، ومنها الديمقراطية، في إتاحة المشاركة السياسية لكل أفراد الأمة، ولم يضع عليها أية قيود تعطل فعاليتها. فقد أمر الله - تعالى -رسوله في القرآن الكريم بأن يشاور أصحابه في أمورهم، فقال [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]، ووصف مجتمع المسلمين النموذجي بقوله [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ].. وقد ثبت أن الرسول كان أكثر الناس تشاوراً مع أصحابه، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده. وهناك وقائع تثبت معارضة بعض المسلمين للحكام دون أن يمسسهم أي أذى. فقد عارضت امرأة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مسألة، نزل فيها على رأيها. وهو الذي كان يقول: ' رحم الله امرءاً أهدى إلى عيوبي '.
وقد استخلص علماء الإسلام من هذا كله أن الشورى ملزمة للحاكم على الرأي الأرجح الذي يعتمده جمهور العلماء.
أما موقف علماء المسلمين من الرأي الآخر فتحكمه عدة مبادئ من أهمها: حسن الإصغاء إليه، وعدم معاداة صاحبه أو إيذائه بالقول أو بالعمل، والرد المقنع عليه بالحجة والبرهان، وقد رسخت بينهم مقولات رائعة تعبر عن ذلك، مثل: ' اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية '، 'رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب '.
ومما يدل على اتساع صدر المسلمين للرأي الآخر ما يوجد في الفقه الإسلامي، وأيضاً في علوم أخرى كثيرة، من اختلاف وجهات النظر، وتعددها، والانتصار لكل منها، وتكوين مذاهب ومدارس مختلفة تتبعها وتروج لها.
كما أن الإسلام هو الدين الأكثر رعاية لحقوق الإنسان. ونصوصه الثابتة تؤكد ذلك تماماً. وكذلك ما ظهر من تطبيقات في حياة المسلمين عبر العصور.
ويوضح الدكتور طاهر بأنه إذا كانت فكرة حقوق الإنسان قد بدأت تجرى الآن على كل لسان في العالم، فلابد من متابعة نشأتها المحلية الأولى في كل من إنجلترا [سنة 1688]، وفى الولايات المتحدة الأمريكية [سنة 1776] وفى فرنسا [سنة 1789] ولم يتم إقرارها على نطاق دولي إلا اعتباراً من [سنة 1948] في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفى [سنة 1950] في المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان، وفى [سنة 1966] في الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهى تتركز كلها حول مبدأين أساسيين هما: الحرية والمساواة، بالإضافة إلى مجموعة من الحقوق التي تحفظ حياة الإنسان وكرامته داخل المجتمع.
وبأي نظرة سريعة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ومن تربى بهديهما، يتبين سبق الإسلام إلى تأكيد كل هذه الحقوق بل وأكثر منها. ويمكن الاكتفاء من ذلك بما يلي:
- إعلان تكريم الإنسان من حيث هو إنسان: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ].
- تقرير حق المساواة بين البشر جميعاً دون التفرقة بين جنس ولون ووضع اجتماعي: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً].
- تقرير حق الحياة والسلامة الشخصية: [أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً].
- التحرر من الرق والعبودية: روى أن عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص وابنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ وكتب منشوراً للناس يقول فيه: إني لم أبعث عمالي يعنى الولاة ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم. فمن فعل به ذلك فليرفعه إلى لأقتص له.
- الحرية الدينية: يقول الله - تعالى -[لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ].. وأيضاً [وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ]، وأيضاً [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ].
مع ذلك، فمن غير الإنصاف أن تحكم وثيقة حقوق الإنسان التي لم يتوصل إليها البشر إلا في النصف الثاني من القرن العشرين على الإسلام كدين متكامل أنزله الله - تعالى -لهداية البشر في كل زمان ومكان.
ويبقى دائماً أن العبرة إنما تكون بمدى تحقق مبادئ حقوق الإنسان في الحياة العملية. وأن تكون عامة وشاملة للناس جميعاً. وليس أن تطبقها دولة متقدمة على رعاياها بينما تحرم منها بقية الشعوب الأخرى، أو أن تلوم على تطبيقها الدول الصغرى بينما تنتهك هي نفسها تلك الحقوق.
وأخيراً فإن حقوق الإنسان في الإسلام تتميز بأنها تمتزج كلها بدافع ديني عميق، كما يراعى في تطبيقها وجه الله - تعالى -، في حين تخلو حقوق الإنسان [المدنية] من هاتين الميزتين.
19 ذي الحجة 1426هـ
19يناير 2006م