حديث
اللتين تظاهرتا عليه
الحلقة الأولى
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ وَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا قَالَ وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ فَصَخِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي قَالَتْ وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ فَأَفْزَعَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهَا قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ قَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَهْلِكِي لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَ عُمَرُ وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِغَزْوِنَا فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هُوَ أَجَاءَ غَسَّانُ قَالَ لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ طَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ فَقَالَ اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَاجَهُ فَقُلْتُ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ كَلَّمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا قَالَ إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَسُّمَةً أُخْرَى فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخَيُّرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ فَاخْتَرْتُهُ ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ
الحرص على السؤال والتعلم
قَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَل عُمَر ) فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن الْمَاضِيَة فِي تَفْسِير التَّحْرِيم عَنْ اِبْن عَبَّاس " مَكَثْت سَنَة أُرِيد أَنْ أَسْأَل عُمَر " .
لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر
قَوْله ( حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْت مَعَهُ ) فِي رِوَايَة عُبَيْد " فَمَا أَسْتَطِيع أَنْ أَسْأَلهُ هَيْبَة لَهُ , حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا " وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس " أَرَدْت أَنْ أَسْأَل عُمَر فَكُنْت أَهَابَهُ , حَتَّى حَجَجْنَا مَعَهُ ,
قَوْله ( وَعَدَلَ ) أَيْ عَنْ الطَّرِيق الْجَادَّة الْمَسْلُوكَة إِلَى طَرِيق لَا يُسْلَك غَالِبًا لِيَقْضِيَ حَاجَته ,
حتى تصرفات العالم اليومية العادية يستفاد منها
قَوْله ( وَعَدَلْت مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ فَتَبَرَّزَ ) أَيْ قَضَى حَاجَته , وَتَقَدَّمَ ضَبْط الْإِدَاوَة وَتَفْسِيرهَا فِي كِتَاب الطَّهَارَة , وَأَصْل تَبَرَّزَ مِنْ الْبِرَاز وَهُوَ الْمَوْضِع الْخَالِي الْبَارِز عَنْ الْبُيُوت , ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْس الْفِعْل , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الْمَذْكُورَة عِنْد الطَّيَالِسِيِّ " فَدَخَلَ عُمَر الْأَرَاك فَقَضَى حَاجَته , وَقَعَدْت لَهُ حَتَّى خَرَجَ " فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا يَجِد الْفَضَاء لِقَضَاءِ حَاجَته اِسْتَتَرَ بِمَا يُمْكِنهُ السِّتْر بِهِ مِنْ شَجَر الْبَادِيَة .
الإعانة على العبادة
قَوْله ( فَسَكَبْت عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ ) فِي رِوَايَة عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَة فِي الْمَظَالِم " فَسَكَبْت مِنْ الْإِدَاوَة " .
تشجيع العلم للمتعلم عن السؤال
قَوْله ( فَقُلْت لَهُ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ ) فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ " فَقُلْت يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أُرِيدَ أَنْ أَسْأَلك عَنْ حَدِيث مُنْذُ سَنَة فَتَمْنَعنِي هَيْبَتك أَنْ أَسْأَلك " وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن " فَوَقَفْت لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْت مَعَهُ فَقُلْت : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَنْ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَزْوَاجه ؟ قَالَ : تِلْكَ حَفْصَة وَعَائِشَة . فَقُلْت : وَاللَّه إِنْ كُنْت لَأُرِيد أَنْ أَسْأَلك عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَة فَمَا أَسْتَطِيع هَيْبَة لَك . قَالَ : فَلَا تَفْعَل , مَا ظَنَنْت أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْم فَاسْأَلْنِي , فَإِنْ كَانَ لِي عِلْم خَبَّرْتُك بِهِ " وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان الْمَذْكُورَة فَقَالَ " مَا تَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا أَعْلَم بِذَلِكَ مِنِّي " .
فيه تهوين العالم على المتعلّم وترغيبه في السؤال وتشجيعه عليه
أصحاب التقوى والعلم والقرب من الله لهم هيبة لكن لا تمنع من الاستفادة منهم
قَوْله ( وَاعَجَبًا لَك يَا اِبْن عَبَّاس ) تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْعِلْم وَأَنَّ عُمَر تَعَجَّبَ مِنْ اِبْن عَبَّاس مَعَ شُهْرَته بِعِلْمِ التَّفْسِير كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْر مَعَ شُهْرَته وَعَظَمَته فِي نَفْس عُمَر وَتَقَدُّمه فِي الْعِلْم عَلَى غَيْره كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِير سُورَة النَّصْر , وَمَعَ مَا كَانَ اِبْن عَبَّاس مَشْهُورًا بِهِ مِنْ الْحِرْص عَلَى طَلَب الْعِلْم وَمُدَاخَلَة كِبَار الصَّحَابَة وَأُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ , أَوْ تَعَجَّبَ مِنْ حِرْصه عَلَى طَلَب فُنُون التَّفْسِير حَتَّى مَعْرِفَة الْمُبْهَم , وَوَقَعَ فِي " الْكَشَّاف " كَأَنَّهُ كَرِهَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ . قُلْت : وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِعَيْنِهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق مَعْمَر عَنْهُ قَالَ بَعْد قَوْله " قَالَ عُمَر وَاعَجَبًا لَك يَا اِبْن عَبَّاس " : قَالَ الزُّهْرِيّ كَرِهَ وَاللَّه مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمهُ وَلَا يَسْتَبْعِد الْقُرْطُبِيّ مَا فَهِمَهُ الزُّهْرِيُّ , وَلَا بُعْد فِيهِ .
كيف لم يمنع ذكر حفصة أباها عمر من قصّ القصّة ولم يُخْف شيئا ولو كان فيه نقص من شأن ابنته التي نزلت آيات في معاتبتها مع صاحبتها
التعاون في طلب العلم : نحتاجه اليوم كثيرا في غمرة طغيان الحياة المادية والدراسات الدنيوية التي صار لا غنى عنها في كثير من الأحيان
قَوْله ( كُنْت أَنَا وَجَار لِي مِنْ الْأَنْصَار ) تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْعِلْم ,
وَاسْم الْجَار الْمَذْكُور أَوْس بْن خَوْلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث الْأَنْصَارِيّ سَمَّاهُ اِبْن سَعْد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ " وَكَانَ عُمَر مُؤَاخِيًا أَوْس بْن خَوْلِيّ لَا يَسْمَع شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ وَلَا يَسْمَع عُمَر شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ , فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد
قَوْله ( جِئْته بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَر ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ الْوَحْي أَوْ غَيْره ) أَيْ مِنْ الْحَوَادِث الْكَائِنَة عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد الْمَذْكُورَة " لَا يَسْمَع شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ وَلَا يَسْمَع عُمَر شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ " , وَسَيَأْتِي فِي خَبَر الْوَاحِد فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن بِلَفْظِ " إِذَا غَابَ وَشَهِدْت أَتَيْته بِمَا يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ " يَحْضُر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غِبْت وَأَحْضُرهُ إِذَا غَابَ وَيُخْبِرنِي وَأُخْبِرهُ " . قَوْله
( وَكُنَّا مَعْشَر قُرَيْش نَغْلِب النِّسَاء ) أَيْ نَحْكُم عَلَيْهِنَّ وَلَا يَحْكُمْنَ عَلَيْنَا , بِخِلَافِ الْأَنْصَار فَكَانُوا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان " كُنَّا وَنَحْنُ بِمَكَّة لَا يُكَلِّم أَحَد اِمْرَأَته إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَة قَضَى مِنْهَا حَاجَته " وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن " مَا نَعُدّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا " وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ " كُنَّا لَا نَعْتَدّ بِالنِّسَاءِ وَلَا نُدْخِلهُنَّ فِي أُمُورنَا " . قَوْله ( فَطَفِقَ ) بِكَسْرِ الْفَاء وَقَدْ تَفَتَّحَ أَيْ جَعَلَ أَوْ أَخَذَ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُنَّ أَخَذْنَ فِي تَعَلُّم ذَلِكَ . قَوْله ( مِنْ أَدَب نِسَاء الْأَنْصَار ) أَيْ مِنْ سِيرَتهنَّ وَطَرِيقَتهنَّ ,
وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ".
أثر اختلاف العادات الاجتماعية على حياة الزوجين ، وهذا أمر تنبغي مراعاته من الزوجين لأنّ عدم ذلك يمكن أن يؤدّي إلى مشكلات كثيرة لأنّ ما يكون عيبا عند قوم قد لا يكون عيبا عند آخرين وما يكون مقبولا عند قوم قد لا يكون مقبولا عند آخرين بل إنّ بعض الكلمات تختلف في المقصود منها تمام الاختلاف ما بين قوم وآخرين حتى لبما كانت الكلمة مدحا عند قوم ومسبة عند آخرين
والمقصود هنا أن يراعي كل من الزوجين عادات أهل الآخر وعادات بلده أو قبيلته وهكذا .
وعلى الإنسان المسلم أن يحذر عند انتقاله من بلد إلى بلد أن لا يتعلم أهله وأولاده إلا ما كان طيبا من عادات القوم .
ويُؤخذ كذلك من القصّة أنّ درجة نفوذ النساء ومكانتهن في البيوت وعند الأزواج وكذلك درجة تدخلّهنّ في الموضوعات والقرارت تختلف من مجتمع إلى آخر فمن المهمّ مراعاة ذلك وإعطاء الفسحة في الأمر ما لم يصل إلى شيء محرّم أو أمر يخالف الشّرع كتولية المرأة الولايات العامة كالإمارة والقضاء فهذا لا يجوز بنصّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم : لن يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة رواه البخاري
أما مسألة استشارة الرجل لزوجته أو السماح لها بإبداء رأيها وإشراكها في اتّخاذ القرار فإنه من إكرام الزوجة على أن يكون للرجل الكلمة الأخيرة والفصْل في القضيّة وهذا من قوامته
وبعض الناس يرفض أخذ رأي الزوجة في شيء البتّة ويورد حديثا منسوبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاوروهنّ وخالفوهنّ فإنّ في خلافهنّ البركة وهذا حديث لا أصل له مرفوعا بل قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه لما شاور أم سلمة رضي الله عنها في قصّة الحديبية فأخذ برأيها لما عرف وجاهته
قَوْله ( فَسَخِبْت )
وَالسَّخَب الزَّجْر مِنْ الْغَضَب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة " فَصِحْت " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة " فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْر أَتَأَمَّرهُ " أَيْ أَتَفَكَّر فِيهِ وَأُقَدِّرهُ " فَقَالَتْ اِمْرَأَتِي لَوْ صَنَعْت كَذَا وَكَذَا " . قَوْله ( فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعنِي ) أَيْ تُرَادِدنِي فِي الْقَوْل وَتُنَاظِرنِي فِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن " فَقُلْت لَهَا وَمَا تَكَلُّفك فِي أَمْر أُرِيدهُ ؟ فَقَالَتْ لِي : عَجَبًا لَك يَا ابْن الْخَطَّاب , مَا تُرِيد أَنْ تُرَاجَع "
وفي رواية : " فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَذَكَرهنَّ اللَّه رَأَيْنَ لَهُنَّ بِذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا مِنْ غَيْر أَنْ نُدْخِلهُنَّ فِي شَيْء مِنْ أُمُورنَا , وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْن اِمْرَأَتِي كَلَام فَأَغْلَظَتْ لِي " وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن رُومَان " فَقُمْت إِلَيْهَا بِقَضِيبٍ فَضَرَبْتهَا بِهِ , فَقَالَتْ : يَا عَجَبًا لَك يَا اِبْن الْخَطَّاب " .
قَوْله ( وَلِمَ ) . قَوْله ( تُنْكِر أَنْ أُرَاجِعك فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْنَهُ , وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لِتَهْجُرهُ الْيَوْم حَتَّى اللَّيْل ) فِي رِوَايَة عُبَيْد بْن حُنَيْن " وَإِنَّ اِبْنَتك لِتُرَاجِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَظَلّ يَوْمه غَضْبَان "
وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ " فَقُلْت : مَتَى كُنْت تَدْخُلِينَ فِي أُمُورنَا ؟ فَقَالَتْ : يَا اِبْن الْخَطَّاب , مَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يُكَلِّمك , وَابْنَتك تُكَلِّم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَظَلّ غَضْبَان .
قَوْله ( لَتَهْجُرهُ الْيَوْم حَتَّى اللَّيْل ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَبِالْجَرِّ فِي اللَّيْل أَيْضًا أَيْ مِنْ أَوَّل النَّهَار إِلَى أَنْ يَدْخُل اللَّيْل , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد حَتَّى أَنَّهَا لَتَهْجُرهُ اللَّيْل مُضَافًا إِلَى الْيَوْم . قَوْله ( فَقُلْت لَهَا قَدْ خَابَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ " خَابَ " بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ مُوَحَّدَة , وَفِي رِوَايَة عُقَيْل " فَقُلْت : قَدْ جَاءَتْ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ " بِالْجِيمِ ثُمَّ مُثَنَّاة فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ الْمَجِيء , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا بِعَظِيمٍ , وَأَمَّا سَائِر الرِّوَايَات فَفِيهَا " خَابَتْ وَخَسِرَتْ " فَخَابَتْ بِالْخَاءِ الْمُعَجَّمَة لِعَطْفِ وَخَسِرَتْ عَلَيْهَا , وَقَدْ أَغْفَلَ مَنْ جَزَمَ أَنَّ الصَّوَاب بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاة مُطْلَقًا . قَوْله ( مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " مَنْ فَعَلَتْ " فَالتَّذْكِير بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظ وَالتَّأْنِيث بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى .
المختار الإسلامي