دراسة لبعض المعاجم التي تأخذ بنظام التقليبات ( 2 )

محمد بن إبراهيم الحمد

 

الكتاب الثاني: تهذيب اللغة

أولاً: صاحبه: هو أبو منصور محمد بن أزهر الهروي المعروف بالأزهري، ولد سنة 282هـ وتوفي سنة 370هـ.

ويبدو أنه تخصص في بادئ الأمر في دراسة فقه الشافعي، وبرز فيه إلا أنه تحول بعد ذلك إلى دراسة اللغة، وساعده على ذلك أنه اختلط ببعض القبائل العربية الفصيحة فترة طويلة؛ حيث وقع في الأسر لديهم؛ فقد حدث أيام فتنة القرامطة سنة 312هـ في أيام المقتدر بالله المعتضد أن كان الأزهري مسافراً إلى الحج، وعنده عودته أسرته الأعراب، وعاش فترة طويلة بين عرب هوازن وقد اختلط بهم تمم وأسد، وهؤلاء جميعاً من فصحاء العرب، ويحكي ذلك الأزهري نفسه كما روته كتب التراجم فيقول: "وكنت امتحنت بالإسار سنة عارضتِ القرامطة الحجاج بالهبير، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عرباً نشأوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعم، ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهراً طويلاً، وكنا نشتى الدهناء، ونرتبع الصُّمَّان، ونتقيظ السِّتارَين.

واستفدت من مخاطباتهم، ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب".

وقد رجع الأزهري - بعد انتهاء أسره- إلى بغداد وكله شوق إلى دراسة اللغة وولوع بالبحث عن معاني الألفاظ والاستقصاء فيها، وأخْذِها من مظانها، وإحكام الكتب التي تأتَّي له سماعها من أهل الثبت والأمانة للأئمة المشهورين وأهل العربية المعروفين، وقد حكى ذلك عن نفسه في مقدمة كتابه التهذيب.

وفي بغداد تتلمذ على أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بـ: نفطويه ت323هـ، وأبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج ت 316هـ، وأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ت317هـ.

 

ثانياً: هدف الأزهري من التأليف: لعل عنوان كتابه (التهذيب) يبين هدفه من تأليفه؛ فقد قصد من ذلك أن يهذب اللغة، ويخلصها مما علق بها من شوائب.

والمتتبع لكلامه في المقدمة -كما يقول الدكتور أمين فاخر- يبدو له أن للأزهري أهدافاً ثلاثة:

1- تقييد ما سمعه وحفظه من أفواه العرب الذين شاهدهم وأقام بينهم.

2- النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين.

3- تصحيح الأخطاء الواردة في كتب اللغة قبله.

 

ثالثاً: منهجه: يمكن تلخيص منهج الأزهري في كتابه التهذيب فيما يلي:

1- اتبع نظام المخارج، وبدأ بحرف العين.

2- سار على نظام التقليبات الصوتية بحيث يذكر المادة وما تقلب منها.

3- قسم المعجم إلى أبواب حسب حروف الهجاء، ثم قسم كل باب إلى ستة أبنية، هي: الثنائي، والثلاثي الفصيح والمهموز والمعتل، والرباعي والخماسي، وأشار في صدر كل باب إلى المهمل والمستعمل.

 

رابعاً: مميزات معجم التهذيب:

1- اعتنى كثيراً بالشواهد القرآنية، والحديثية، وبالقراءات المختلفة.

2- يشير إلى المهمل وسبب إهماله، كما يشير إلى المستعمل الذي أهمله من سبقه من العلماء.

3- اهتم بنسبة الأقوال إلى أصحابها.

4- اعتنى بذكر المواضع والبلدان.

5- توسع في ذكر الألفاظ وشرحها.

خامساً: المآخذ على التهذيب: من المآخذ عليه ما يلي:

1- إتباعه نظام التقليبات الصوتية مما جعل البحث عسيراً صعباً.

2- توسعه في الشرح مما فتح عليه باب التكرار.

3- تحامله على كثير من اللغويين السابقين.

هذه بعض المآخذ على الأزهري وعلى أي حال فمعجمه من المعاجم التي بُذل فيها جهد عظيم، وأفادت منها العربية فائدة جليلة.

 

الكتاب الثالث: المحكم والمحيط الأعظم في اللغة

أولاً: صاحبه: هو ابن سِيْدَة أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيدة المرسي الأندلسي.

ولد سنة 397هـ بمدينة مرسية بالأندلس، وتوفي سنة 458هـ.

ورغم أنه كان ضريراً فقد نبغ في كثير من العلوم، وخاصة اللغة، فقد كان إماماً بها.

وقد أخذ عن كثير من علماء اللغة الأجلاء، ومنهم والده الذي كان عالماً باللغة.

وقد امتاز ابن سيدة بمكانة علمية مرموقة بين علماء عصره، وخاصة في بلاد الأندلس؛ فقد وهبه الله حافظة قوية، وذاكرة نادرة مما جعله - وهو ضرير- يحظى بما لم يحظَ المبصرون.

ولابن سيدة في اللغات مؤلفات أخرى غير المحكم، ولعل أكبرها: كتاب (المخصص) الذي يعد من أعظم معاجم المعاني إن لم يكن أعظمها على الإطلاق، وهو يقع في سبعة وعشرين جزءاً.

أما كتابه المحكم فهو من أهم المعاجم اللغوية التي اتبعت نظام التقليبات الصوتية، وقد طبع أخيراً طبعة جيدة، بتحقيق د. عبد الحميد هنداوي، ضمن منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت ط1421هـ-2000م، ويقع في 11مجلداً.

ثانياً: هدفه من تأليف كتاب المحكم: يتضح من مقدمته أن هدفه فيه يكاد ينحصر في أمرين: 1- جمع شتيت المواد اللغوية في الكتب والرسائل في كتاب واحد يغني عنها.

2- أنه أراد تصحيح ما فيها من أخطاء.

 

ثالثاً: منهجه:

1- اتبع نظام التقليبات الصوتية، وبدأ بأبعد الحروف مخرجاً وهو العين.

2- وضع لنفسه نطاماً يسير عليه في اختيار الألفاظ؛ فحذف بعض الأبنية لاطرادها، أو فهمها من سياق الكلام، وأشار إلى أبنية لم تذكرها المعاجم السابقة، بل ذكرتها كتب النحو والصرف، كما ميز الأبنية المتشابهة التي أغفلها اللغويون من قبله كتمييزه بين الاسم الجمع وجمع الجمع وغير ذلك.

 

رابعاً: مميزات معجم المحكم:

1- تجنب الأخطاء التي وقعت في كتاب العين.

2- تجنب التكرار الذي وقع في تهذيب الأزهري.

3- اعتنى بالأحكام النحوية والصرفية التي أغفلتها المعاجم السابقة.

4- اعتنى باللغات والأعلام والعروض.

5- اعتنى بكثير من الظواهر اللغوية مثل المزواجة والاتباع، والتغييرات المجازية.

 

6- أكثر من الشواهد غير مقتصر على ما ورد في المعاجم السابقة.

 

خامساً: المآخذ على المعجم: على الرغم مما امتاز به كتاب المحكم فقد أخذ عليه بعض الباحثين مآخذ كثيرة منها على سبيل الإيجاز:

 

1- اتباعه لنظام التقليبات الصوتية، مما جعل البحث فيه عسيراً.

2- مخالفته لبعض علماء اللغة الموثوق بهم.

3- وقوعه في بعض الأخطاء والتصحيفات، كما في قوله في (الهسع والهيسوع): "اسمان وهي لغة قديمة لا يعرف اشتقاقها".

ويقول الفيروز أبادي معلقاً على ذلك: "لقد أبعد أبو الحسن في المرام، وأبعد في السوم، وإن هذين الاسمين عربيان حميريان، واشتقاقهما من هسع إذا أسرع)".

4- أنه ساير بعض المعاجم السابقة عليه وخاصة العين في بعض الأخطاء.

5- إيراده بعض الألفاظ التي وُجِّه إليها النقد في المعاجم السابقة كالعين والجمهرة.

ورغم هذه المآخذ فإن كثيراً من علماء العربية يعدون كتاب المحكم من أحسن المعاجم التي ألفت على نظام التقليبات إن لم يكن أحسنها على الإطلاق.

 

18/4/1427هـ

 

http://www.toislam.net               المصدر: