علمانيو السعودية وحبوب الصراحة

إبراهيم العسعس

 

إذا كان العلمانيون يحملون فكراً واضحاً، عن وعي وقناعة، فليكشفوا لنا عن عقولهم، وليبينوا أغراضهم، حتى نعرف الأرض التي يقفون عليها، فنجيب على أطروحاتهم، ونتناقش معهم بوضوح وهدوء، وإلا فإنَّه من العبثِ إضاعةُ الوقت في نقاشهم كي يعودوا إلى الرشد، لأنَّهم عندها سيُثبتون بأنَّهم لا يطرحون ما يطرحون استرشادا، بل شغباً وتضليلاً!

 

في روايته "أرض النفاق" يتخيَّل يوسفُ السباعي أنَّ بطل الرواية اخترع حبوباً إذا أخذها الإنسان اكتسبَ الجرأة، وصار صريحاً لا يخشى من قول شيء! صحيحٌ أنَّ هذه الصراحة جرَّت عليه كثيراً من المشاكل، ولكن يكفيه أنه نال الرضى عن نفسه. وهذا شأنُ الصراحةِ تنمُّ عن رجولةِ من يمارسُها، وتُريح من يتعامل معه، لأنَّه يعرف أين يقف منه، فلا يكون في حيرةٍ من أَمره معه!

 

ولقد ودِدتُ ـ وكُلي حرص ـ أنْ لو ملكتُ ولو القليل من هذه الحبوب، إذن لجمعتُ "الذين يزعمون أنهم عَلمانيو وليبراليو الوطن العربي"، ولأذبتُ هذه الحبوب فيما أقدمه لهم من شراب، ولقلتُ لهم بعد أن تفعل الحبوبُ فِعلها في ضمائرهم: والآن أخبرونا ماذا تريدون؟! فأنتم منذ عقود طويلة تُثرثرون وتصخبون، وتُسوِّدون آلافَ الأوراق!

 

ومع كلِّ هذا، وبعد كلِّ هذا، أصارحكم بأنَّنا لم نفهم ماذا تريدون؟! نعم..لم نفهم شيئاً، ولن نخجل من اتهامكم لنا بأنَّنا لا نفهم دعاواكم العريضة، ومصطلحاتكم "العميقة"!! التي يغلب على ظنِّي أنكم أنفسُكم لا تفهمونها!! ولماذا؟! لأنَّكم لستم على درجةٍ من الرجولة لتُصارحوا الأمةَ بما تريدون!!

 

هذا عن عَلمانيي العالم العربي على العموم، أمَّا عن عَلمانيي السعودية خاصةً، فهؤلاء حكايةٌ لها طعمها الخاص! إذ ربما تجرأ بعضُ العَلمانيين في غير السعودية على التعبير عمَّا يعتملُ في نفوسهم! أمَّا أصحابُنا في السعودية فإنَّهم يحتاجون لمصنعٍ من حبوب الصراحة! ألا وإنَّ من أحمق الحمق ألا يكشِف كاتبٌ عمَّا في نفسه! بل يبقى طوال حياته وإلى أن يموت، وهو يلِفُّ ويدور دون أن يُصرِّح بما يريد!

 

وقبل أن أكمل ما أنا بصدده، أسأل: وهل هناك عَلمانيٌّ حقيقيٌّ في السعودية، يُعبِّرُ عن حقيقة العَلمانية كما أرادها آباؤها الحقيقيون؟! ولعمري لو قُدِّر لأحدِ هؤلاء أن يخرج من قبره، ويأتي إلى السعودية ليرى عَلمانية هؤلاء، لصاح بأعلى صوته: ألا سُحقاً سُحقاً، وبُعداً بُعداً، ما على هذا تركتُ العَلمانية! إنَّ هذا الذي أرى يصلح أن يُسمَّى بكل اسم، إلا أن يكون عَلمانيةً! ولا عجب فإنَّهم لا يعيشون العَلمانية كما ينبغي أن تُعاش، ولا يُمثلونها بأحاديثهم وكتاباتهم بصراحة، كما فعل رُوَّادها الذين أعلنوا عن رفضهم لعقائد مجتمعاتهم بكلِّ قوة، وقالوا: لِيقبع الدينُ في المعبد، ودعونا أيها الرهبان كي نصوغَ حياتنا كما نريد!

 

ونحن نطلب منكم معاشر العَلمانيين السعوديين أن تُصرِّحوا برفض الدين، وأخبرونا بقوةٍ أين تَرون مكان الدين الذي ينبغي أن يكون فيه.نريد منكم رجلاً صريحاً فصيحاً يقف برجولة ويقول: أيها الناس، أيها السعوديون إنَّما أنا نذيرٌ لكم بين يدي المجتمع المدني الراقي.

 

أيها الناس دعوا ما أنتم فيه، واتبعوني أهدكمْ صراط الحياة السعيدة التي لا ترون فيها "مُطوِّعاً" ولا "مُفتياً"!! تُرى هل يوجد مثل هذا الرجل؟ لقد ذكَّرني حالُهم بقولٍ قيل في الشيوعيين "المسلمين" (سامحوني على الجمع بين ما لا ولن يجتمع، ولكنها أحوال القوم!)، قالوا عن هذه المخلوقات: شيوعي فِجلَة!!! يعني أحمر من الخارج، ولكنه من الداخل أبيض!! وقالوا: الشيوعي "لمسلم" يبدأ ثورياً، ثم عندما يتخرج من الجامعة يتحول إلى الاشتراكية، ثم بعد قليل يصبح اشتراكياً علمياً، وأخيراً عندما يبلغ الستين يحمل حقيبته ويذهب إلى الحج! وهكذا العَلماني السعودي يتلون بكل الألوان، ولكنه من الداخل ضائع، بلا لون!

 

إن كان العلمانيون يحملون فكراً واضحاً، عن وعي وقناعة، فليكشفوا لنا عن عقولهم، وليبينوا أغراضهم، حتى نعرف الأرض التي يقفون عليها، فنجيب على أطروحاتهم، ونتناقش معهم بوضوح وهدوء، ولعلنا وإياهم نصلُ إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينهم! وإلا فإنَّه من العبثِ إضاعةُ الوقت في نقاشهم كي يعودوا إلى الرشد، لأنَّهم عندها سيُثبتون بأنَّهم لا يطرحون ما يطرحون استرشادا، بل شغباً وتضليلاً! وسلباً للأمة ما تملك بالحيلة لا بالإقناع! عندها سنصل إلى قناعة بأنْ ليس في جدال هؤلاء فائدة على أنفسهم، فقد يكون بعضهم قد وصل إلى نقطة يصعبُ عليه فيها العودة... فهو يعيش في ضوضاء وجمهور ومكتسبات يعزُّ عليه تركها! ولكنَّ الكلام عنهم سيكون ليَمنع "المهتدي أن يضل، فما به زجرُ الأول بل عظةُ الثاني" (الرافعي).

 

ومن طريف ما يفعله العلمانيون في السعودية، أنَّهم لا يرفضون الدين صراحةً، وهو الموقف الذي تلتف قلوبهم عليه، ولكنهم يتسترون بالشافعي ـ مثلاً ـ ليعارضوا به قولاً دارجاً ـ وقد لأحمد مثلاً ـ، لا حباً في الشافعي، ولا غيرةً على الدين، ولا لأنَّهم درسوا ورجحوا! بل لأنهم يريدون ضرب الدين.

 

وقد يتترسون بأخطاء "المُطوعين" والعلماء، ليرفضوا واقعاً بأكمله! وما هكذا تورد الأفكار! وهذه طريقة نعرفها، فهي قديمة جديدة، عنوانها: إذا عجزت عن الكلام في الفكرة، فاسقط حملتها تسقط هي! وليعذرونا إذا عتبنا عليهم، بل وشدَّدنا عليهم مرتين: مرةًّ لعدم صراحتهم! وأخرى لسعيهم في تخريب الحياة! ولعمري فإنَّ الأولى ليست بأهونَ من الثانية! ألا وإنه من النكد ابتلاؤنا بكم، وإجهادنا في البحث عن أغراضكم لعجزكم عن الصراحة!

 

إنني أتمنى أن أقرأ لواحد منهم يُصرِّح بما يريد (ولتكن هذه الأمنية تحدياً على صفحات العصر). وكل ما قرأته تلميحات لا تستقر على شيء، ولا تصل إلى شيء! ويسمونها مع ذلك: فكراً!! "حتى إذا فتشت وحققت لم تجد في أقوالهم إلا ذواتهم وأغراضهم وأهواءهم يريدون أن يبتلوا بها الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، كالمسلول يصافحك ليبلغك تحيته وسلامه، فلا يبلغك إلا مرضه وأسباب موته" (الرافعي).

 

وهو من قبل ومن بعد كلام كبير، حتى إذا خبرته لم تجد إلا طبلاً أجوفاً تلعب به الريح "ربِّ ما أبين التباينَ فيه! منزلٌ عامرٌ وعقلٌ خرابُ". ألا فليقولوا لنا إلى ماذا يريدون نقل الناس؟!، وهل يعرفون؟! أم هم كالذين قيل فيهم: ما تقول في خُزاعة؟ قال: جوعٌ وأحاديث! أمَا وقد عجزوا عن القول، أفلا عقل يُجمِّل؟، وإن لم يكن هذا ولا ذاك أفلا صمت يستر؟ وأقول فإن لم يكن الأخير أيضاً: أفلا موت يريح منهم الحياة!

 

هذا وإنني أمتلك من الجرأة والصراحة لأقول لهم: إنَّ بعض ما تقولون صواب. وإنَّ شيئاً مما تلاحظون موجود. فهلا ملكتم المنطق كي لا تغلوا في الاستنتاج؟ وهلا ملكتم الجرأة لتقولوا وبالتحديد ما الذي تريدون الوصول إليه؟ وإلا تفعلوا كنتم كالذي قيل فيهم: هم خطأ كله يخرج من عمله جزء من الصواب! ولا يكون صوابكم هذا إلا كالخطأ لأنه منه خرج، وإليه انتهى!

 

وقد يظنون أنَّ هذا الزمن زمانهم، وأنَّ الفرصة فرصتهم! لا لأنهم أقوياء بأنفسهم، بل لأنهم يقفون خلف من يعلن الحربَ على الإسلام، والتي أسموها "الحرب على الإرهاب"! ألا فليعلموا أنَّ وجودهم من رحمة الله بهذا الدين! إذ جرت السُّنَّة أنَّه كلما فتر الدين، رماه الله "بعلماني" يشاغب عليه، فإذا هو سبب من أسباب العودة إليه، والانتباه عليه!

 

وأقول لهم: لا تقفوا في وسط الحبل، وكفاكم رقصاً، فقد سئمنا من الانتظار! وإننا ننتظركم على أحد طرفي الحبل! نرجوكم قرروا فنحن بانتظاركم، وعلى أيٍّ أردتم! فلا بأس عندنا المهم أن تقفوا على خطِّ الوضوح، لنعرف كيف نتفاهم معكم! ومرةً أخرى نحن بانتظاركم.

 

11-10-2006

 

http://www.alasr.ws                  المصدر: