هدفهم كنيسة في مكة: ملف التنصير في جزيرة العرب..فقراء ومرضى يستبدلون الإسلام بالخبز والدواء..وحكومات أدمنت الصمت

مصطفى عبد الجواد

 

لم تكن العلاقة ما بين الغرب والإسلام في حاجة لإضافة مزيد من الزيت على الحريق المشتعل على طول وعرض العالم الإسلامي في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2000 في الولايات المتحدة، حتى جاء مقتل ثلاثة من الأطباء الأمريكيين العاملين في مدينة جبلة اليمنية على يد من وصفته وسائل الإعلام بـ " متشدد إسلامي " ليضيف بعدا جديدا في حلقات الصراع المحتدمة ما بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية الجهادية المصنفة أمريكيا في خانة الإرهاب، حيث اتهم منفذ العملية الأطباء الأمريكيين بالقيام بالتنصير وسط صفوف الفقراء اليمنيين في جبلة، مؤكدا أن العديد من هؤلاء ارتدوا عن الإسلام وتنصروا بفعل جهود المبشرين في جبلة وغيرها من المحافظات اليمنية، وبرغم أن ملف التنصير يعد من الملفات المهمة والمعلنة في الدول الإسلامية الفقيرة التي ابتليت منذ عقود بهذا الوباء، إلا أن الحديث عن التنصير في الدول العربية، وفي شبه الجزيرة العربية " مهبط الوحي " بالذات، يحتاج إلى كثير من التأني، فالإحصائيات أو الحوادث المعلنة نادرة سواء من جانب المؤسسات التبشيرية أو فيما يتعلق بالحكومات والحركات الإسلامية العربية، ومع ذلك فإن واقعة جبلة، وما سبقها من مقتل ثلاث راهبات في مدينة الحديدة عام 1998، إضافة إلى ما شهدته دول الخليج من حوادث تبشير متعددة، كل ذلك يجعل من فتح ملف التبشير في شبه الجزيرة العربية ضرورة ملحة، وخاصة وأن الحركات التبشيرية تخلت مؤخرا عن طابع السرية الذي اتسمت به نشاطاتها في الجزيرة العربية، حتى أن أحد المواقع التنصيرية على شبكة الإنترنت يعلن بصراحة أن هدفه هو " كنيسة في مكة... وقداس في المدينة ".

ويلفت المراقبون إلى أن جذور عملية جبلة أعمق من المشاعر العدائية التي سادت الدول العربية تجاه الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة بعد تفجيرات 11 سبتمبر، ويدللون على ذلك باعترافات عابد عبد الرزاق الكامل منفذ العملية بأنه كان على صلة بـ " عبد الله الناشري " الذي نفذ عملية قتل ثلاث راهبات كن يعملن في مستشفى للأمراض العقلية في مدينة الحديدة في 26 يوليو 1998، وقد أعلنت الأجهزة الأمنية اليمنية في حينها أن الناشري مختل عقليا، وذلك رغم أنه من قدامى المحاربين العرب في البوسنة أوائل التسعينات.

ويشير المراقبون - أيضا - إلى أن مدينة عدن جنوب اليمن شهدت في الأول من يناير 2001 عدة تفجيرات استهدف أحدها كنيسة المسيح في حي التواهي والتي تعد أقدم الكنائس في اليمن، وحينئذ رأت بعض المتابعات الإعلامية في هذا التفجير رسالة إلى بعض المبشرين الأمريكيين الذين توسع نشاطهم من خلال الخدمات الاجتماعية والصحية التي تقدمها الكنيسة لفقراء عدن، وما تردد عن ارتداد بعضهم عن الإسلام وتحولهم إلى المسيحية.

ولمدينة جبلة التابعة لمحافظة إب جنوب العاصمة صنعاء تاريخ طويل مع نشاط المنظمات التبشيرية والتي تتمثل في البعثة المعمدانية الدولية الجنوبية وهي هيئة تنصيرية أمريكية تدير مشروعات صحية وخدمية في 184 دولة، وتشير بعض التقارير إلى أن أفراد البعثة في جبلة استطاعوا خلال سنوات عملهم التي بدأت عام 1967 تنصير 120 يمنيا من الأيتام والفقراء والمرضي المترددين على المستشفى، وفي عام1992 شهدت جبلة حادثة هزت المجتمع اليمني بأكمله، حيث قام مواطنان بتمزيق القرآن الكريم ورميه في حمامات مسجد الأشرفية، وبعد التحقيق معهما اعترفا أمام المحاكم بأنهما ارتدا عن الإسلام، ودخلا في المسيحية من خلال شخص ثالث، وعند استدعاء الأخير أقر باعتناق المسيحية نتيجة قراءته واطلاعه على الكتاب المقدس (الإنجيل).

وأشار أحد الثلاثة إلى أن المحور الرئيسي لحركة التنصير هو أحد الأطباء العاملين في مستشفى جبلة المعمداني، واعترفوا بأنهم تلقوا وعودا بالحصول على مبالغ مالية، مقابل ما يقومون به من جهد تنصيري داخل المديرية.

وفي محاولة للتصدي لهذه الأنشطة التنصيرية، أصدر مركز الدراسات الشرعية في إب عدة نشرات ودراسات للتحذير من نشاط البعثة، كما أن العاملين في المستشفى تلقوا تهديدات عدة لوقف نشاطهم التنصيري، وهو ما رصده تقرير الخارجية الأمريكية الخاص بحقوق الإنسان الصادر في فبراير 2001.

 

وجهة نظر مختلفة:

وكان من اللافت للنظر، أنه في الوقت الذي اعتبر المسئولون اليمنيون ما حدث في جبلة مجرد حادث قتل قام به شخص متطرف، فالرئيس على عبد الله صالح وصف الحادث بـ " العمل الإجرامي المشين "، مؤكدا وقوف صنعاء مع واشنطن في خندق واحد إلى جانب المجتمع الدولي من أجل محاربة الإرهاب واستئصال شأفته، كما أن الشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس النواب اليمني وزعيم حزب الإصلاح ذي التوجهات الإسلامية اعتبر مقتل الأطباء الأمريكيين " جريمة كبرى " لأن هؤلاء يقدمون خدمات إنسانية عظيمة منذ أكثر من ثلاثة عقود وخدماتهم يعرفها المجتمع اليمني.

 

مستشفى جبلة

إلا أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية كان لها وجهة نظر أخرى، حيث أكدت أن الحادث يثير التساؤلات ويضع علامات استفهام حول نفوذ الإرساليات التبشيرية وحجمها في الدول العربية والإسلامية، مشيرة إلى اتهام المستشفى من قبل أحزاب المعارضة اليمنية في عام 1995 بتشويه الإسلام، وإقناع اليمنيين بالارتداد عن دينهم.

واعتبرت الصحيفة أن انتشار الإرساليات التبشيرية في جميع الدول الإسلامية أطلق الشرارة لموجة من العداء ضد الولايات المتحدة، كما أنه أثار غضب المسلمين والمسيحيين في تلك الدول على السواء، مشددة على أن الحادث يؤكد مدى خطورة عمل تلك الإرساليات في أجواء تتداخل وتتقاطع فيها الدين والسياسة.

ولفتت النيويورك تايمز إلى أن الإرساليات التبشيرية لا تواجه عداء من المسلمين فقط بل من الهندوس أيضا، مذكرة بقيام هندوس بحرق أسرة تبشيرية حتى الموت في الهند منذ ثلاث سنوات. ومن جانبه أشاد " جيش عدن آبين الإسلامي "، والذي تردد اسمه في العديد من الهجمات التي تعرضت لها مصالح غربية وأمريكية باليمن، في بيان نشر على الإنترنت بالهجوم وقال " أنه استهدف مبشرين أمريكيين كانوا يعملون على نشر المسيحية في اليمن.. تحت سمع الحكومة وبصرها ".

لماذا اليمن

ويرى بعض المحللين أنه ليس من العسير فهم ذلك التناقض بين الإدانة اليمنية الصارمة للحادث من ناحية، وبين دعوة النيويورك تايمز للإجابة على علامات الاستفهام المحيطة بعمل المبشرين في اليمن، وذلك إذا ما عرفنا حجم الخدمات الاجتماعية والطبية والتعليمية التي تقدمها هذه المؤسسات مقارنة بالأوضاع الصعبة التي يعاني منها المجتمع اليمني، فمستشفى جبلة التي كان يعمل بها الأطباء الأمريكيون القتلى تقدم خدماتها الطبية لأكثر من 40 ألف يمني سنويا في منطقة من أفقر مناطق اليمن.

وتظهر دلالة ما يمثله تلك الأرقام، إذ ما عرفنا أن معدل نمو الاقتصاد اليمني في عام 2001 لم يتجاوز 1.8 %، رغم تنفيذ الحكومة لبرنامج إصلاح اقتصادي شامل، كما أن معدل العاطلين عن العمل ارتفع من 9.6 % عام 1994 من أجمالي القوى العامة، إلى 37 % في عام 2000، وتشير تقارير البنك الدولي لعام 2001 إلى أنه من بين 7.7 مليون شخص قادرون على العمل، هناك 3.7 مليون شخص لا يجدون عملا، ومن بين 4.3 % ينضمون لسوق العمل سنويا، فإن الحكومة لا تستطيع توفير فرص عمل سوى لـ 3.%.

وعلى الرغم من أن القضاء على الفقر كان الهدف الرئيسي لخطط الإصلاح الاقتصادي في اليمن إلا أن الفقر ازداد اتساعاً وباعتراف الحكومة نفسها، فوفقاً لنتائج مسح الفقر الذي نفذ في عام 1998 فإن 18% من السكان لا يحصلون على الغذاء المناسب وذلك مقارنة بنتائج مسح عام 1992، والذي أوضح أن نسبة فقر الغذاء في ذلك الوقت لا تتجاوز 9%. أما نسبة الفقر العام التي تتضمن فقر الغذاء والملبس وغيرها فقد بلغت حوالي 43%.

وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الخدمات التي تقدم للمواطنين، فالريف اليمني محروم من أي نوع من الرعاية الصحية، فحتى لو توفر مبنى يمكن تشغيله كعيادة أو مستوصف لتقديم الرعاية الأولية فإنه يظل بدون استخدام لانعدام الطبيب أو الدواء أو المعدات.

أما في المدن فعلى الرغم من توفر عدد من المستشفيات والمستوصفات العامة والخاصة؛ إلا أن عددا كبيراً من الناس لا يتمكنون من الحصول على الرعاية الصحية المناسبة إما بسبب سوء إدارة المستشفيات العامة، أو بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

أما في المجال التعليمي، فإن نسبة الأمية بين البالغين بلغت في عام 2000 حوالي 53%، وبلغت نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي حوالي 65% أي أن حوالي 35% من الأطفال يتسربون من التعليم سنويا، بينما لا تتعدى نسبة الذين يلتحقون بالتعليم الثانوي 27% من أجمالي طلاب المرحلة الأساسية، ولا يقتصر الأمر على المؤشرات العددية، فالمناهج الدراسية في اليمن ضعيفة للغاية، ونسب الرسوب والتسرب مرتفعة بالمقارنة حتى بالدول الأقل نموا، ولضعف الإمكانيات المادية دورا رئيسيا في ضعف مستوى خريجي المدارس والجامعات اليمنية الحكومية، وهو ما يجعل الالتحاق بالمدارس التابعة للمؤسسات التبشيرية حلم أبناء الطبقة الراقية في اليمن.

 

بيئة مثالية للتنصير

ويلفت المتابعون لملف التنصير في اليمن إلى أن المؤسسات التبشيرية كانت سباقة في قراءة تضاريس الخريطة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في اليمن، والاستفادة منها باعتبارها بيئة مثالية لعمليات التبشير، ففي عام 1856 قام القس سترن برحلة تبشيرية إلى صنعاء في اليمن وهو يحمل نسخا مترجمة من الكتاب المقدس، ثم تبعته إرسالية إيان كيث فولكونر من كنيسة اسكتلندا الحرة، والتي بدأت عملها التنصيري في عدن في جنوب اليمن عام 1885.

 

إحدي الكنائس في الكويت:

وتشير التقارير إلى أن أول عمل تبشيري منظم بدأ في منتصف القرن الماضي، وتركز أساساً في مدينة عدن ومحافظات اليمن الجنوبي، في ذلك الوقت، واستمر العمل حتى عام 1972م، كما بدأ العمل في شمال اليمن من عام 1969 إلى أوائل عام 1981، وكان هذا النشاط يتبع منظمة تنصيرية أسمها " فريق البحر الأحمر الدولي "، كما أطلق على هذه المنظمة - أيضا - اسم " الخيَّامون "، حيث كان أفرادها يقدمون الخدمات الصحية والاجتماعية للمدن والقرى التي ينزلون بها، وكانت المؤسسة ترفع شعار " الإسلام يجب أن يسمعنا "، مشيرة إلى أن هدفها: نشر إنجيل الرب عيسى بين المسلمين، وذلك ضمن نطاق عملها الذي ضم كل من مالي وجيبوتي وباكستان واليمن وتنزانيا.

ويشير المراقبون إلى أن واجهات التنصير في اليمن تتنوع ما بين دينية واجتماعية وصحية وتعليمية، وفيما يتعلق بالكنائس المسيحية في اليمن، فأشهرها الكنيسة الكاثوليكية بالتواهي، وهي أهم موقع مسيحي في اليمن وربما في شبه الجزيرة العربية بأكملها، وتتبع المجمع الكنسي الكاثوليكي في قبرص، ولكنها تدار حاليا من جانب الكنيسة الانجليكانية في دبي بالإمارات، وقد بذلت السفارة الأمريكية في اليمن جهودا حثيثة لإعادة افتتاح تلك الكنيسة عام 1995، ويوجد بالكنيسة مركز طبي يقدم خدماتها لأبناء المناطق المحيطة.

وبالإضافة، لكنيسة التواهي، فإن بعض جماعات التنصير الإنجيلية نجحت في إقامة كنيسة في العاصمة صنعاء داخل إحدى المجمعات السكنية، وكما أنه كانت هناك كنيسة معمدانية في مدينة كريتر بعدن تدار بواسطة الكنيسة الأنجليكانية المعمدانية في لندن، لكنها أغلقت بسبب إهمال أعضاء البعثة وتقصيرهم، كما أنه توجد كنيسة ملحقة بالمستشفى المعمداني في جبلة.

وفيما يتعلق بالواجهة الصحية، فهناك المركز السويدي في مدينة تعز، وجمعية من طفل إلى أخر، والتي يتركز نشاطها بين الأطفال المصابين بالعمى والخرس، وتدير المنظمات التبشيرية مركزا صحيا ودارا للعجزة في الحديدة، وفي صنعاء تملك جمعية " رسالات المحبة " والتي كانت ترتبط مباشرة بالمبشرة الشهيرة الام تريزا مركزا للمصابين بالجذام والأمراض العقلية تضم 400 مريضا، وتشرف الجمعية أيضا على دارين للعجزة في صنعاء، ومن جانبها تنشط منظمة " ماري ستوبس " في مجال رعاية الأمومة والطفولة وتدعم مشاريع تنظيم النسل.

وتشكل مخيمات اللاجئين الصوماليين في محافظة أبين بيئة خصبة لنشاطات التنصير، وتحدثت تقارير صحفية عن العديد من حالات التنصير في صفوف هؤلاء اللاجئين. ومن الجدير بالذكر، أن الحديث عن المؤسسات التنصيرية، ليس له علاقة باليمنيين المسيحيين، وهؤلاء يقدر عددهم بعدة مئات، وترجع جذورهم إلى أصول هندية، وهم يتمتعون بحرية تامة في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بحكم الدستور والقانون، ولا يمارس المسيحيون اليمنيون أي نشاط تبشيري، فهذا ممنوع عليهم بحكم القانون، حيث تنص المادة الأولى من الدستور على أن الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، وأنّ اللغة العربية لغتها الرسمية، وتشير المادة الثانية إلى أنّ الإسلام دين الدولة، فيما تنص المادة الثالثة على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات.

 

التنصير في الخليج

وإذا كانت اليمن هي الحلقة الأضعف بالنسبة لجهود التنصير في اليمن، إلا أن بعثات التنصير لم تكتف بالعمل داخل اليمن فقط، فالسعودية، مهبط الوحي وقبلة الإسلام، كانت في قلب نشاطات التنصير، ففي وقت مبكر، تمكنت تلك البعثات من التوغل داخل باقي دول الجزيرة العربية، حيث وصلت في عام 1891 إلى البصرة بالعراق كمحطة أولى في الخليج العربي، وفي العام التالي وصلوا إلى البحرين، ومنها إلى مسقط في عمان عام 1893، أما الكويت فمثلت المحطة الرابعة للمبشرين الذين نزلوا على شواطئها عام 1900، ولكنهم قوبلوا برفض عنيف من جانب سكان الكويت وأميرها، واضطروا لمغادرتها عام 1910.

وقد نجح المبشرون في الوصول إلى الرياض عام 1914 تحت غطاء تقديم الخدمات الطبية لأفراد العائلة المالكة، وقد رفض الملك عبد العزيز آل سعود السماح لهم بالإقامة في الرياض، مشيرا إلى أنه سوف يستدعيهم حين يحتاج إليهم.

ويلفت المحللون إلى أن تقديم الخدمة الطبية شكل الغطاء الرئيسي لعمل المبشرين في الخليج العربي، ويشدد المبشر الشهير صموئيل زويمر على " أن الطبيب القدير والجراح الماهر يحمل جوازا يفتح الأبواب المقفلة، ويغزو القلوب مهما كانت عنيدة "، ويصف المبشر الطبيب بول هارسون عمل الطبيب المبشر بـ " إنه يخفف كثيرا من آلام الناس، ويكسب صداقة الأعداء ويفتح طريقا لدخول الإنجيل، وبخاصة لأولئك الذين هم في رعايته ".

ولفت الداعية السعودي الشيخ سلمان العودة في دراسة موسعة له عن التبشير في الخليج العربي إلى أن الحديث عن أرقام وإحصائيات بالنسبة لنتائج عمل المنصرين في الجزيرة العربية تكتنفه صعوبة كبيرة، فالمبشرون لا يعلنون عن الأرقام الحقيقية خوفا من الكشف عن حجم توغلهم في المنطقة، وفي الغالب فانهم يعمدون إلى المبالغة من أجل تثبيط همم المسلمين وإشاعة اليأس في صفوفهم، ومع ذلك، فان العودة أكد أنه يعرف أسماء عدة أشخاص في المملكة تنصروا من الشيعة والسنة.

ويخلص الشيخ العودة إلى نتيجة مفادها أن المبشرين فشلوا في تنصير أهل الجزيرة العربية كما كانوا يخططون، وأن ثمار 84 عاما من العمل الشاق اقتصرت على تنصير 52 شخصا معظمهم من الأطفال الأيتام الذين احتضنتهم دور الرعاية التنصيرية، ونتيجة لهذا الفشل الذريع فأنها انتقلت من الأسلوب المباشر إلى التخفي تحت ستار الأعمال الإنسانية والخبرات التي تحتاج إليها دول الخليج، ولذلك فإن دول الخليج بات تضم مئات الآلاف من العمال الأجانب المسيحيين.

 

كنيسة في مكة

ويبدو أن السرية والتخفي ليست هي الطابع الدائم لعمل المؤسسات التنصيرية في الجزيرة العربية، ففي ظل تكنولوجيا الإنترنت بات كل شئ مباح، ولذلك فليس مفاجأة أن تجد أحد المواقع التبشيرية يحمل عنوان " كنيسة مكة " church4mecca.4t.com "، ويعلن الموقع الذي يسمى نفسه " كنيسة يسوع المسيح والسعودية " أن هدفه هو " إقامة كنيسة في مكة ".

ويقول من يديرون الموقع أنه " إذا كانت السعودية تمنع بناء الكنائس على أراضيها، بل تمنع دخول أصحاب الأديان الأخرى إلى بعض المدن السعودية، فقد رأينا أن نفتتح هذه الكنيسة على صفحات الإنترنت ".

 

الفقر أحد مداخل التنصير

ويزعمون " أن هناك كنيسة حية للسيد المسيح في السعودية، ويتعرض أعضاؤها من السعوديين والأجانب إلى العديد من أنواع القهر والتعقب والسجن، ونود أن تكون هذه الكنيسة على صفحات الإنترنت واجهة ومنبر للمسيحيين في السعودية ".

ومن الملاحظ أن الموقع لا يتضمن هجوما مباشرا على الإسلام، كعادة عمل المبشرين، وإن كانت الواجهة الرئيسية تشير إلى تعرضه لهجمات تخريبية من جانب بعض مستخدمي الإنترنت دون أن يحدد ديانتهم، ومتصفح الموقع يجد أنه سطحيا للغاية وصفحات لا تتجاوز أصابع اليد الواحد، ويبدو أن الهدف من إطلاقه هو استفزاز مستخدمي الإنترنت المسلمين أكثر من كونه موقعا تنصيرا يروج للمسيحية.

مع ذلك فإن لجوء من يعملون في مجال التنصير إلى مثل هذه الدرجة من العلانية، رغم مظهريتها الفاقعة، يشير إلى أن هذا المؤسسات وصلت إلى درجة خطيرة من التغلغل والانتشار، وإن كان التنصير كهدف نهائي يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي، فإنهم حققوا نتائج لا بأس بها في مخططهم لزعزعة عقيدة الشرائح المسلمة التي يستهدفونها، عبر الأنماط الثقافية والتعليمية والفنية التي يروجون لها.

ويلفت المتابعون لملف التنصير إلى ضرورة الاتعاظ بما فعلته البعثات التنصيرية في الدول الإسلامية، فالفلبين تعد " فردوس الإسلام الثاني " الذي فقدوه بعد خروجهم من فردوس الأندلس، وذلك بعدما نجح المبشرون الأسبان والأمريكيون في إعادتها للمسيحية مرة أخرى، حتى أن اسم العاصمة الحالية " مانيلا "، وهو تحريف لاسمها العربي " أمان الله "،

وفي أفريقيا " قارة الإسلام " ينتشر حوالي 11 ألف منصر يشرفون على تعليم أكثر من 5 ملايين فتى وفتاة، وقاموا بتشييد 1600مستوصف ومستشفى كنسي و 500 مدرسة لاهوتية و20 ألف معهد كنسي، وظهرت نتائج ذلك جلية في مالاوي حيث انخفضت نسبة المسلمين من 66 % إلى 17 % خلال 50 سنة من أعمال التنصير، وفي مالي قام قس واحد بتشييد 200 كنيسة و 20 مستوصف و 50 مدرسة وحفر 600 بئر، وإذا انتقلنا إلى أوروبا فإن ألبانيا التي لم يكن بها سوى خمسة أسرة مسيحية في عام 1991 شيد بها المبشرون خلال العقد الماضي فقط حتى الآن 160 كنيسة.

 

 http://tanseer.jeeran.com                      المصدر: