التنصير ( التبشير )
Christianization
لقد لعب الاستشراق دوره في تمهيد الطريق أمام التبشير ليقوم بدوره في غزو المجتمعات الإسلامية، و من ثمَّ ارتبط التبشير منذ نشأته بالاستشراق ارتباطاً وثيقاً؛ لذا فإن أغلب المستشرقين مبشرون، كما أن أكثر المبشرين مستشرقون، و يشترط فيمن يقوم بالتبشير في البلاد الإسلامية أن يكون قد قرأ ما كتبه المستشرقون عن المنطقة الإسلامية.
لقد سعى المبشرون بكل ما لديهم من جهد لتدمير أخلاق و عقول المسلمين و تشكيكهم في دينهم لقطع صلتهم بالإسلام، كما عمدوا إلى القضاء على وحدة المسلمين بتمزيق المجتمعات الإسلامية و بث بذور الفرقة و الشقاق بين صفوفها و تشجيع الأقليات و القوميات المختلفة على الانفصال عن العالم الإسلامي و معاداته باسم التقدمية والقومية بغرض شغل المسلمين بصراعات و حروب داخلية مستمرة تفت في عضدهم.
لقد ساهم المبشرون بنصيب وافر في بث روح التخاذل و الخمول بين أبناء المسلمين، و لقد استطاع هؤلاء المبشرون بمؤسساتهم الكبيرة الغنية و بالعمل المنظم الدؤوب و بالوسائل المتعددة الفعالة أن يبعدوا أجيالاً من أبناء المسلمين عن الإسلام بجعل عقولهم تتقبل الكثير مما يخالف دينهم من أفكار و شعارات و نظريات.
و لقد استغل المبشرون ـ بدعوى المساندة و الإعانة ـ ما تتعرض له الكثير من الشعوب الإسلامية من الفقر الشديد والمجاعات و الأوبئة، فبثوا سمومهم و مارسوا نشاطهم علناً بين هذه الشعوب البائسة المنكوبة، خاصة في قارة أفريقيا و جنوب شرق آسيا.
لقد أصبح التبشير يمارس نشاطه الآن تحت أعين و أسماع الجميع و في كل بلاد المسلمين تقريباً و بصور متفاوتة، خاصة الفقيرة منها، بل أصبحت أقوال المبشرين التي تفضح نواياهم السيئة و أعمالهم المفسدة تتناقلها الألسن ولا تخفى على أحد، و ما تخفي صدورهم أكبر.
الأساليب المستخدمة في التبشير:
لم يكن التبشير (التنصير) عملاً فردياً عفوياً، و إنما هو في الحقيقة عمل جماعي منظم خططت له الكنيسة و دول أوروبا التي لها أطماع في الشعوب الإسلامية. و قد اتخذ التبشير عدة أساليب في دعوته بين أبناء المسلمين، منها: -
(1) المدارس التعليمية:
لجأ المبشرون إلى فتح المدارس التعليمية في بلاد المسلمين لاستقبال النشء المسلم فيها بهدف التأثير عليهم وتشكيكهم في معتقداتهم و زعزعة إيمانهم. و قد استفاد المبشرون من هذا الأسلوب إفادة كبيرة و أدركوا خطورة هذه المدارس و مساهمتها في تحقيق أغراضهم.
يقول "زويمر": (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكك بالمسلمين).
و تقول المبشرة "آن ميليجان": (لقد استطعنا أن نجمع في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشوات وبكوات، و لا يوجد مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وبالتالي ليس هنالك من طريق أقرب إلى تقويض حصن الإسلام من هذه المدرسة).
و يقول المبشر "دانتي": (كان التعليم وسيلة قيمة إلى طبع معرفة تتعلق بالعقيدة المسيحية و العبادة المسيحية في نفوس الطلاب).
و قد دأب الأمراء و الأثرياء و الطبقات العليا من المستوزرين و الحكام على إرسال أبنائهم و بناتهم إلى هذه المدارس التي كانت تَعِد تلاميذها المناصب، و أقدم عليها أبناء الطبقة المتوسطة تقليداً لهؤلاء الأثرياء في بعض الأحيان، وإعجاباً بنظامها المحكم الدقيق و ببراعة تلاميذها في اللغات الأجنبية التي تعد صاحبها لكثير من الأعمال المربحة في أحيان أخرى.
و أخطر ما في المسألة أن هؤلاء الأطفال هم خاصة المسلمين و خلاصتهم من ناحية الأسر و البيوتات التي ينتمون إليها، و من ناحية المستقبل الذي ينتظرهم في قيادة أمتهم تبعاً لذلك فكرياً و سياسياً و اجتماعياً.
و لقد تدرج المستشرقون في هذا المجال، فما كانوا ليبدأوا نشاطهم التعليمي بصبغة دينية مكشوفة، فبدأوا بفتح مدارس و كليات علمانية لإبعاد النشء عن الإسلام و تعليمه.
يقول المبشر "صموئيل زويمر": (ما دام المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية، فلابد أن ننشئ لهم المدارس العلمانية و نسهل إلتحاقهم بهذه المدارس التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب).
و يقول المبشر "تكلي": (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني لأن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام و القرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية و تعلموا اللغات الأجنبية).
و من أشهر المدارس العلمانية التي أسسوها: كلية فيكتوريا بالإسكندرية ـ و الجامعة الأمريكية بالقاهرة ـ والجامعة الأمريكية ببيروت.
ثم لما استتبت الأمور و وصل أثر التغريب إلى مناهج التعليم في بلاد المسلمين خاصة بعد الاحتلال الأجنبي للكثير من هذه البلاد، لجأ المبشرون إلى فتح مدارس تبشيرية دينية، يشرف عليها مبشرون و قساوسة لتلقين الصغار مبادئ النصرانية و تعاليمها.
يقول "زويمر": (إن للتبشير بالنسبة للحضارة الغربية ميزتان: ميزة هدم و ميزة بناء: أما الهدم فنعني به انتزاع المسلم من دينه و لو بدفعه إلى الإلحاد، و أما البناء فنعني به تنصير المسلم إن أمكن ليقف مع الحضارة الغربية ضد قومه).
فالمدارس التبشيرية تهئ للطالب من أي مذهب جواً مسيحياً، و تحمله على ممارسة التقوى المسيحية و السلوك المسيحي، و خصوصاً ما دام طفلاً، و هكذا ينشأ الطالب و تنشأ معه فلسفة مسيحية للحياة.
يقول المبشر "جون موط": (إن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكراً جداً، و من أجل ذلك يجب حمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم سن الرشد، و قبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية).
و يقول "هنري جب": (إن التعليم إنما هو واسطة إلى غاية فقط في الإرساليات المسيحية. هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح و تعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين و شعوباً مسيحية).
و من أمثلة المدارس التبشيرية حالياً تلك المدارس التي تفتح تحت إشراف القنصليات الأوروبية الأجنبية في بلادنا، ويعمل بها و يضع مناهجها متخصصون من هذه الدول، و يلتحق بها الكثير من أبناء المسلمين.
من أمثلة هذه المدارس بالإسكندرية:
1- مدرسة "ساكرد هارت" (و تعني القلب المقدس) بمنطقة رشدي، و تشرف عليها القنصلية البريطانية.
2- مدرسة "الميردي ديو" (و تعني أم الرب أو أم الإله - تعالى - الله عما يقولون علواً كبيراً) بمنطقة وابور المياه
و مدرسة "نوتردام دي سيون" (و تعني أخوات نوتر دام) بمنطقة جليم، و المدرستان تابعتان لإشراف القنصلية الفرنسية.
3- مدرسة "سان شارل بورميه" بمنطقة حي الجمرك، و تشرف عليها القنصلية الألمانية.
(2) تقديم المنح الدراسية و استقبال البعثات من الباحثين المسلمين، و التي عن طريقها يتم التأثير على عقلية المتفوقين من أبناء المسلمين و إعادتهم إلى أوطانهم متشبعين بالروح و الثقافة الغربية.
(3) تقديم الخدمات الطبية و الخيرية: بفتح المستشفيات و المستوصفات و بعث الإرساليات الطبية و قوافل الإغاثة لتقديم المساعدات الغذائية و التموينية، و هذه الوسيلة من أخبث و أسرع أساليب المبشرين لتحقيق أهدافهم التنصيرية في صفوف المسلمين الفقراء المحتاجين.
يقول "موريسون": (نحن متفقون بلا ريب على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين مرضى العيادة الخارجية في المستشفيات أن نأتي بهم إلى المعرفة المنقذة..معرفة ربنا يسوع المسيح، و أن ندخلهم أعضاء عاملين في الكنيسة المسيحية الحية).
(4) إلقاء المحاضرات و إقامة الندوات و طبع الكتب و المجلات و إصدار الصحف و النشرات الدورية التي يرجى من ورائها الترويج لأهدافهم و سمومهم.و لقد اعتمد المبشرون مدينتين لنشر كتبهم و صحفهم: القاهرة و بيروت. أما القاهرة: فاتخذها البروتستانت مركزاً لتوزيع المنشورات المسيحية في القطر المصري و في جميع العالم الإسلامي، كما أنهم أقاموا المطبعة الأمريكية في بيروت.. تلك المطبعة التي أصبحت أهم وسائل التبشير في الشرق كله. أما اليسوعيون فقد ركزوا جميع جهودهم في المطبعة الكاثوليكية في بيروت منذ عام 1887، و قاموا عن طريقها بعمل تبشيري في الدرجة الأولى.
(5) مناقشة و متابعة سير الأعمال التبشيرية بعقد المؤتمرات الدورية للمبشرين لتعديل و تجديد الخطط بما يناسب ما تحقق من نتائج.
(6) رعاية الأحزاب و المنظمات صاحبة المناهج المخالفة للإسلام: و قد ضرب النصارى في الدول العربية الرقم القياسي في الدخول في أحزاب و منظمات عربية تخدم أغراضهم و تصرف المسلمين عن دينهم، فمن هؤلاء:
ميشيل عفلق لحزب البعث العربي الاشتراكي
جورج حبش للقوميين العرب و للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
نايف حواتمة للجبهة الشعبية الديمقراطية
أنطون سعادة للحزب القومي السوري
و للنصارى دورهم الكبير في الدعوة إلى القومية العربية...
أهداف المستشرقين و المبشرين:
ذكرنا أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المستشرقين و المبشرين؛ لذا فإن أهداف الفريقين متقاربة و يكمل كل منهما الآخر، و تتضمن هذه الأهداف:
أولاً: أهداف دينية: -
و تعتبر الأهداف الأساسية الكبرى بالنسبة للمبشرين، و للمستشرقين دورهم المساعد في تحقيقها. و من هذه الأهداف:
أ - تشويه صورة الإسلام و حجب محاسنه عن الأوروبيين لإقناعهم بعدم صلاحية الإسلام لهم كنظام حياة. و قد ظهرت الأهمية لتحقيق هذا الهدف في أعقاب عودة المحاربين إلى أوروبا بعد انتهاء الحروب الصليبية و قد حمل بعضهم صورة مشرقة لحسن الإسلام و سماحته و صلاحيته كنظام للحياة ساعد العرب على الارتقاء و التقدم الحضاري. و قد استغل المستشرقون الحروب المستمرة مع المسلمين بعد التوسع العثماني في قارة أوروبا لتعميق الكراهية و الحقد في قلوب الأوروبيين.
ب ـ صرف المسلمين عن دينهم و إن لم يدخلوا بعدها في النصرانية: و لقد استخدم المستشرقون سلاح التشكيك و الافتراء لإضعاف العقيدة الإسلامية في النفوس، كالطعن في القرآن الكريم و النبوة و التهجم على اللغة العربية وادعاء اقتباس المسلمين لفقههم الإسلامي من الفقه الروماني. و قد بث المستشرقون بمكر و خبث الكثير من الآراء الهدامة تحت ستار البحث العلمي و تحري الحقيقة... و قد مهد كل ذلك الطريق لعمل المبشرين.
ج ـ تنصير المسلمين: بفتح المدارس التعليمية للنشء الصغير و السعي لتغيير المناهج الدراسية بما يخدم تحقيق هذا الغرض، و باستغلال الخدمات الطبية و المساعدات الإنسانية لتنصير الشعوب الفقيرة المنكوبة.
د ـ تربية زعامات و رجالات على اتجاهات معادية للإسلام يكون لها القدرة على التأثير في الرأي العام و قيادة الجماهير بعيداً عن الإسلام.
ثانياً: أهداف استعمارية: -
لم ييأس الأوروبيون رغم فشل حملاتهم الصليبية، و سعوا للعودة بجيوشهم لاحتلال بلاد العرب و بلاد المسلمين؛ لذا كان اتجاههم إلى دراسة بلاد المسلمين ككل دراسة شاملة عميقة في كل شئونها، من عقيدة و عادات وأخلاق و ثروات؛ ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، و إلى مواطن الضعف فيغتنموها. و لما تم لهم الاستيلاء العسكري و السيطرة السياسية كان من دوافع تشجيع الاستشراق إضعاف المقاومة الروحية و المعنوية في نفوسنا، و بث الوهن و الارتباك في تفكيرنا، و ذلك عن طريق التشكيك بفائدة ما في أيدينا من تراث، و ما عندنا من عقيدة و قيم إنسانية، فنفقد الثقة بأنفسنا و نرتمي في أحضان الغرب نستجدي منه المقاييس الأخلاقية و المبادئ العقائدية، و بذلك يتم لهم ما يريدون من خضوعنا لحضارتهم و ثقافتهم خضوعاً لا تقوم لنا بعده قائمة.
و مما يهتم به المستشرقون حالياً رصد و دراسة كل ما يظهر من حركات إسلامية في العالم الإسلامي و كل ما يجِدُّ من تطور فكري أو سياسي لدى المسلمين، لتحليله و تقييمه و تقديمه لقادة الدول الغربية، مع وضع الخطط الخفية و العلنية المقترحة للتعامل مع هذه الحركات و مواجهة هذه التطورات.
ثالثاً: أهداف سياسية:-
عن طريق بث الدسائس و وضع المؤامرات الرامية إلى إحداث الفرقة بين الدول العربية بعضها مع بعض و بين هذه الدول العربية و باقي الدول الإسلامية. و غالباً ما تأخذ هذه المحاولات صور التوجيه و النصح و إبداء الرغبة في التوجيه و الإرشاد، خاصة بعد التعرف على نواحي الضعف في سياسات القادة و كيفية الضغط عليهم عن طريقها مع اتخاذ الوسائل الكفيلة بالتأثير على الرأي العام العالمي و الاتجاهات الوطنية لدى الشعوب.
رابعاً: أهداف تجارية: -
تستفيد المؤسسات المهتمة بالاستشراق من الإغداق المالي الكبير و التسهيلات المادية الكثيرة من جانب الحكومات الغربية بدرجة أغرت الكثير من العلماء و المثقفين بالانضمام إليها و التعاون معها للاستفادة المادية من وراء ذلك، حتى صارت هذه الأموال من أسباب الإقبال على هذا العمل و من أهداف الالتحاق به عند كثير من المستشرقين.
و من جهة أخرى فإن نجاح المستشرقين في إضعاف المسلمين و هزيمتهم نفسياً أمام الحضارة الغربية الحديثة حول بلاد المسلمين إلى أسواق مفتوحة أمام المنتجات الغربية (فيما يسمى عند العوام "عقدة الخواجة")، مما ساعد على ازدهار و انتعاش هذه الصناعات و المتاجرة فيها، و ساهم في ضرب الصناعات و المنتجات المحلية في بلاد المسلمين.
خامساً: أهداف علمية: -
و هي محل اهتمام قلة قليلية جداً من المستشرقين الذين عرفوا بقلة تحاملهم و عدائهم للإسلام و المسلمين، فمن هؤلاء من أقبل على الاستشراق بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم و أديانها و ثقافتها و لغاتها، و من هؤلاء من دخل الإسلام و أعلن بالفعل إسلامه، و هؤلاء هم أصحاب الإنصاف و الباحثون عن الحق منهم. أما بقيتهم فلم يكونوا من المنصفين و إن لم يظهر منهم التحامل الشديد و العداء الصارخ للإسلام في كتاباتهم كسائر المستشرقين المتعصبين.
و من أمثلة هؤلاء المستشرقين:
توماس أرنولد ـ جوستاف لوبون: مستشرق و فيلسوف مادي لا يؤمن بالأديان مطلقاً، له أبحاث و كتب كثيرة أبدى فيها إعجابه بالحضارة الإسلامية مما دفع الغرب إلى إهماله و عدم تقديره ـ هادريان ريلاند ـ يوهان ج. رايسكه ـ الشاعر الألماني جوته ـ الكاتب الروسي تولستوي ـ سلفستر دي ساسي ـ زيجريد هونكه.