من أحق باللوّم سوريا أم أمريكا؟!

محمد السيد

17/1/1426هـ الموافق له 26/02/2005 م

من المسؤول ومن المستفيد من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري؟!

سؤال تبادر إلى أذهان الكثيرين ممن تابعوا هذه الجريمة التي فاجأت العالم، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الطرف الوحيد الذي لم يجد أدنى صعوبة في توجيه أصابع الاتهام دون أي دليل إلى سوريا، حيث وجدت واشنطن في هذا الحدث فرصة سانحة لتصعيد الضغوط على دمشق لفرض إملاءاتها ومطالبها على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حول هذا الموضوع كتب "إيريك مارجوليس" المحلل الأمريكي في صحيفة (تورنتو صن) الكندية الصادرة بتاريخ 20/2/2005 مقاله تحت عنوان "هل في الواقع نلقي باللوم على سوريا؟!"

 

اتهام يتحدى المنطق:

وقد استهل الكاتب مقاله بدحض الاتهامات الأمريكية الموجّهة لسوريا بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق قائلاً: بعد أن قتلت السيارة المفخخة بقنابل وزنها 300 كيلوجرام الحريري في بيروت الأسبوع الماضي، هلّلت إدارة بوش في الولايات المتحدة لإسرائيل، واتهمت سوريا بـ"الإرهاب"، وسحبت سفيرتها، وتوعد الكل سوريا بالحرب!!

إلا أن الكاتب يؤكد أن أي "دور سوري في الجريمة يتحدّى المنطق"، وإن كان غير ذلك فهو ليس ممكناً، ويستطرد "مارجوليس" في شرح وجهة نظره، قائلاً: نظام الرئيس السوري بشار الأسد يسعى إلى تجنب إعطاء الرئيس الأمريكي جورج بوش ذريعة للحرب ضد بلاده، ويسعى بشكل عاجل إلى تحسين العلاقات مع واشنطن.

وعن علاقة الحريري مع دمشق، يقول الكاتب إن الحريري تعامل مع سوريا بدون أي مشاكل لعدة سنوات، وعلى الرغم من معارضته لاستمرار وجود (15.000) جندي من قوات "حفظ السلام" السورية في لبنان، فالحريري لم يكن يمثل تهديداً رئيساً لدمشق.

ويرى الكاتب أن ما عرضه يكفي لاستبعاد القول بأن سوريا هي التي تقف وراء اغتيال الحريري، مضيفاً: لكن الحريري السياسي المحنك تمتع أيضاً بعلاقات عمل وعلاقات سياسية قوية مع سوريا.

 

آخرون مشتبه فيهم:

ويشير الكاتب الأمريكي في مقاله إلى أن هناك العديد من المشتبه في مسؤوليتهم عن اغتيال الحريري وهم: اليمين المتطرف اللبناني، والموارنة المعادين لسوريا، والموساد الإسرائيلي، و... موضحاً أن جميع هذه الأطراف لها مصلحة في عدم استقرار لبنان، وإيذاء سوريا.

ويضيف الكاتب إلى قائمة المشتبه فيهم الآخرين: عناصر وكالات الأمن السورية المتعددة، أو رجال أعمال منافسين للملياردير الحريري الذي كان شخصية لامعة، وكان مقاولاً لا يعرف التهاون في عمله، بالإضافة إلى آراء خبراء متخصصين في التفجيرات بتورط وكالة مخابرات دولة في اغتيال الحريري.

 

عزل نظام الأسد:

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى الحديث عن الأطراف الدولية المختلفة التي وجدت في حادث اغتيال الحريري فرصة لا يجب تفويتها نحو تكثيف الضغوط على سوريا، وتحقيق مطالبها، وعزلها عن المجتمع الدولي.

يقول "مارجوليس": إن انفجار بيروت وقع في وقت كان البيت الأبيض يكثف فيه جهوده للضغط على الحكومة السورية، وتطالب الولايات المتحدة وفرنسا ومجلس الأمن الدولي سوريا بسحب قواتها من لبنان التي تدخلت لإنهاء (15) سنة من الحرب الأهلية الدموية.

ويتطرق الكاتب إلى نقاط الاختلاف بين سوريا من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا، فيقول: إن هذه الأطراف الدولية متأكدة من أن السياسيين الموالين لسوريا يديرون لبنان، فيما ترفض دمشق الخروج من لبنان حتى تسحب إسرائيل قواتها من مرتفعات الجولان والضفة الغربية.

وعن جذور التعارض الفرنسي السوري يوضح "مارجوليس" أن سوريا لم تقبل كلية الاستقلال اللبناني، فيما جعل المستعمرين الفرنسيين لبنان خارج سوريا التاريخية لإقامة جيب ماروني يسيطر عليه النصارى.

وبشأن الخلاف بين الولايات المتحدة وسوريا فيرجعه الكاتب إلى أن واشنطن تبنت رؤية إسرائيل بشكل كامل، وهي أن سوريا تمثل تهديداً خطيراً، وهي داعمة للمقاومة - في إشارة إلى جماعات المقاومة الفلسطينية حماس والجهاد الإسلامي ومنظمة (حزب الله) -.

وعن أهداف الدولة العبرية يقول الكاتب: إن "إسرائيل" عازمة على الانتقام من (حزب الله) الذي أحبط محاولاتها لتحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية، وأخرج قوات الاحتلال الإسرائيلية من لبنان، ويضيف: إن رئيس الوزراء الإسرائيلي عضو حزب الليكود اليميني أرييل شارون قد يجدد جهوده السابقة لإعادة لبنان إلى منطقة نفوذ إسرائيل.

 

إسرائيل تنتظر!!

يركز الكاتب في الجزء الأخير من مقاله على أن مساعي الولايات المتحدة للإطاحة بنظام بشار الأسد من أجل عيون إسرائيل يعززها الأوضاع السورية الداخلية الهشة، فيقول الكاتب: إن البيت الأبيض يأمل في أن تسبب التهديدات الأمريكية والحصار الاقتصادي على سوريا قلب نظام الأسد، وهذه الاستراتيجية ربما تنجح، ويفسر "مارجوليس" ذلك برؤية عابرة للساحة الداخلية السورية، وفي هذا الإطار يشير الكاتب إلى أن سوريا مثل العراق في وضعها الداخلي العرقي المتوتر الهش، تحت حكومة ذات قبضة حديدية.

ويوضح الكاتب أنه في عام 2000 ورث بشار الأسد الحكم من والده حافظ الذي حكم البلاد منذ عام 1970، وهما ينتميان للطائفة العلوية التي تشكل 10% من الشعب السوري، إلا أن سيطرة هذه الطائفة - البعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة - على القوات المسلحة وأجهزة المخابرات سمح لعائلة الأسد بحكم سوريا لثلاث عقود.

ويضيف أن بشار يسعى لتحرير وإصلاح سوريا، ولكنه يواجه مقاومة كبيرة من الحرس القديم لحزب البعث، الذي يتخوف من تغيير لا يحتمل سيؤدي إلى ثورة.

ويبين الكاتب أن الكثيرين من السوريين يرغبون في التحرّر من حكم الأسد، مشيراً إلى أن الأسد الأب قمع محاولات الأغلبية السنية (الإخوان المسلمون) للانقلاب على الحكم، وتفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية، ولكنها تخشى من تغيّر مفاجئ قد يؤدي إلى الفوضى وحرب أهلية.

إلا أن إسرائيل سترحّب بانفجار سوريا كما حدث في العراق، ومن ثم تتركز الجهود الإسرائيلية الحالية على دفع البيت الأبيض والكونجرس لقلب سوريا المعادية، وعزل النظام الذي حليفه الوحيد إيران، وهي في مقدمة المستهدفين بالشرق الأوسط على قائمة الضربة الأمريكية.

ومابين الضغوط الغربية والأهداف الصهيونية من جهة، ومحاولات الصمود السورية من جهة أخرى؛ تدور عجلة الزمن في انتظار رؤية نهاية لهذه الحلقة الجديدة من الحرب الأمريكية على العالم العربي.

المصدر       :  http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=80&artid=5202