في ظلال الحج
سيد قطب
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج من الآية 26-29].
فلِلتوحيد أقيم هذا البيت، منذ أول لحظة عرَّف الله مكانه لإبراهيم - عليه السلام - وملَّكَه أمره ليقيمه على هذا الأساس لله وحده دون سواه، وأن يطهّره للحجيج، والقائمين فيه للصلاة: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، فهؤلاء هم الذين أُنشئ البيت لهم، لا لمن يشركون بالله ويتوجهون بالعبادة إلى سواه.
ثم أمر الله إبراهيم- عليه السلام - إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كُلف به أن يؤذِّن في الناس بالحج، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يُلِبي الناسُ دعوته، فيتقاطرون على البيت من كل فجٍّ، رجالاً يسعون على أقدامهم، وركوبًا {عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} جهده السير فضمر من الجهد والجوع: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ}.
وما زال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم- عليه السلام - إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترف إلى رؤيته والطواف به، يطوف به الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله، والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه، وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة؛ تلبيةً لدعوة الله التي أذَّن بها إبراهيم - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام، ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.
والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة، والحج موسم ومؤتمر، الحج موسم تجارة وموسم عبادة، والحج مؤتمر واجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة..أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقًا رائجة، حيث تُجْبى إلى البلد الحرام ثمراتُ كل شيء من أطراف الأرض، ويَقْدِمُ الحجيج من كل فجٍّ ومن كلِّ قُطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرَّق في أرجاء الأرض في شتَّى المواسم يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد، فهو موسم تجارة، ومعرض إنتاج، وسوق عالمية تقام كل عام.
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قُربها من الله في بيته الحرام، وهي ترف حول البيت، وتستروح الذكريات التي تحوم عليه، وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد.
طيف إبراهيم الخليل- عليه السلام - وهو يُودِع البيت فلذةَ كبده "إسماعيل" وأمَّه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجِفِ إلى ربه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
وطيف "هاجر"، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة، وقد أنهكها العطش، وهدها الجهد، وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس؛ لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء، وإذا هي (زمزم) ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم- عليه السلام - وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}، فتجيبه الطاعة الراضية في "إسماعيل"- عليه السلام -: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 101- 102].
وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: {أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}[الصافات من الآية: 107: 104]، وطفق "إبراهيم" و"إسماعيل"- عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت في إنابة وخشوع: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127].
وتظلُّ هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب، وهو ينذِر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، فإذا هو "عبد الله"، وإذا عبد المطلب حريص على الوفاء بالنذر، وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء، وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء، والقداح يخرج في كل مرة على "عبد الله"، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة، فيقبل منه الفداء، فينحر مائةً وينجو "عبد الله"، ينجو ليودِع رحمُ "آمنة" أطهرَ نطفة، وأكرم خلق على الله، محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ثم يموت، فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير.
ثم تتواكب الأطياف والذكريات، من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت، وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل، وهو يصلي، وهو يطوف، وهو يخطب، وهو يعتكف، وإن خطواته- عليه الصلاة والسلام - لتنبض حيةً في الخاطر، وتتمثل شاخصةً في الضمير، يكاد الحاجُّ هناك يلمحها وهو مستغرقٌ في تلك الذكريات، وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وترف فوق هذا الثرى حول ذلك البيت تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار.
والحجُّ بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبةً، مؤتمرٌ يجدون فيه أصلَهم العريقَ الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: 78]، ويجدون محورهم الذي يشدهم جيمعًا إليه، هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا ويلتفُّون عليها جميعًا، ويجدون رايتهم التي يلتفون عليها جميعًا، ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان، ويجدون قوتهم التي قد ينسوها حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدى آية العقيدة والتوحيد.
13-12-2005