جرائم المراهقين ( حقل ألغام ) يهدد بنسف المجتمعات العربية
عبد الرحمن أبو عوف
منذ مدة ليست بالطويلة كان يطلق على مرحلة المراهقة مرحلة الأحلام والتطلعات والمثل العليا، وكان المراهق الذي تبدأ مراهقته من 13: 20 عامًا حسب أدق الروايات ينظر إليه بحساسية مفرطة قد تصل إلى عد هذه الفترة خيالية أكثر منها واقعية بسبب التفكير المثالي الذي يحكم سيطرته عليه، لكن هذه النظرة المثالية تعرضت لتدهور كبير في العقود الأخيرة، وتحول المراهق من فتى حالم ومثالي إلى قنبلة موقوتة تهدد حياة واستقرار المجتمع وإلى عامل من عوامل الاضطراب الأمني والاجتماعي بسبب بشاعة الجرائم التي يرتكبها، وإذا أردت أن تتيقن من هذا الطرح فليس عليك إلا أن تقلب صفحات الحوادث لترى دلائل هذا التحول وعلاماته لدرجة أن إحدى الدراسات الصادرة عن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة قد قدرت ارتكاب المراهقين لجرائم بما يزيد على 65% من الجرائم والحوادث التي ترتكب في المجتمع العربي.
وأوضحت الدراسة أن الجرائم التي يرتكبها المراهقون تبدأ من الاعتداءات بالأسلحة البيضاء والسرقة والتحرش الجنسي بالسيدات والفتيات والاغتصاب؛ وصولا إلى القتل الذي زادت وتيرته جدا بين الشباب والمراهقين.
ولا تقف مشكلات المراهقين عند حدود منطقتنا العربية والإسلامية فقد اتسع نطاق الجرائم التي يرتكبها المراهقون بشكل رهيب حتى أن دولة مثل ألمانيا قد أعلنت عجزها التام عن السيطرة على الجرائم التي يرتكبها المراهقون ودعت لفيفا من علمائها وخبرائها للبحث في التدابير الاجتماعية والقانونية الواجب اتخاذها للتصدي لهذه الظاهرة.
ولم تقف المعاناة من جرائم المراهقين عند حدود بلدة عربية بعينها، بل إن هذه الجرائم قد امتدت إلى مجتمعات توصف منذ زمن طويل بأنها مجتمعات محافظة فمثلا أجبرت حادثة نفق النهضة التي حدثت في المملكة العربية السعودية والتي اعتدى فيها طلاب في المرحلة الثانوية على فتيات وسيدات وتحرشوا بهم جنسيا لفترات طويلة ولم ينقذ الفتيات والسيدات من هؤلاء إلا وجود قوات الأمن.
وقد أجبرت هذه الحادثة وزارة المعارف السعودية إلى إعداد دراسات حول ظاهرة انتشار العنف والجريمة بين المراهقين، وأوضحت هذه الدراسة أن الجرائم الأخلاقية تمثل المرتبة الثانية بعد جرائم السرقات عند الذكور من المراهقين، وأكدت كذلك أن هذه المشكلات السلوكية بين الطالبات تحتل الفئة الأغلب حيث بلغت نسبتها 46 % من مجموع المشكلات، وهي تتركز في خروج الطالبات مع شباب أو مع سائقين وتعرضهن لمعاكسات ومشاكسات من الشباب، وممارسة التدخين وإحضار صور شباب في المدرسة وانتشار ظاهرة الإعجاب بين الفتيات والفتيان.
تحرش
فيما حذرت الدراسة من تفشي جريمة التحرش الجنسي بين الشباب والفتيات في المدارس بالمملكة العربية السعودية بمختلف أنماطها كما أن ظاهرة هروب الفتيات المراهقات من المنازل أصبحت تنتشر في المجتمع انتشار النار في الهشيم مما يستوجب ضرورة البحث عن أسباب انتشارها وكيفية اجتثاث هذه الظاهرة من المجتمع السعودي.
وفي الإمارات العربية المتحدة لم يكن الأمر مختلفا حيث يعاني المجتمع بشدة من انتشار العنف بين المراهقين، حيث شهدت مدرسة أحمد بن حنبل الثانوية بإمارة الشارقة معركة بالسيوف والخناجر والسكاكين بين مجموعة من المراهقين من طلاب المدرسة، بل وصل الجرم بين المراهقين إلى أن مجموعة منهم قد حاصرت المدرسة وأحد المطاعم المجاورة لها بثلاثين سيارة نزل منها عشرات المراهقين الملثمين وأعدوا كمينا لضحاياهم وتسبب في إصابة العشرات منهم بإصابات خطيرة خلف بعضها عاهات مستديمة
شراسة
وفي مصر كانت الأوضاع أشد فظاظة حيث وصلت معدلات جرائم المراهقين إلى حد خطير جدا، وقد شهدت مصر حادثا مروعًا في السنوات الأخيرة بإحدى المراكز التجارية الشهيرة بوسط القاهرة، حيث تصارع شابان على حب فتاة مالت نحو أحدهما وهو ما أزعج الشاب الآخر جدا لدرجة جعلته يقدم على قتل غريمه جهارا نهارا غيرة منه، ولم يقف إجرام المراهقين عند هذا الحد بل إن إحصائية خطيرة جدا أصدرتها وزارة الداخلية المصرية أكدت أن 60 % من المتورطين في جرائم الدعارة والبغاء من الفتيات المراهقات من طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، وأن 50 % من المحاضر المحررة فيما يخص إدمان المخدرات والبانجو معظمها من شباب تتراوح أعمارهم بين 15: 20 عاما، وليت المشكلات تتوقف عند هذه المرحلة.
وشهدت العديد من الدول العربية جرائم المراهقين وخصوصا المشرقية منها حيث انتشرت في الجامعات والمدارس الثانوية في دول مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن حالات الزواج العرفي بصورة مقلقة جدا، حيث يلجأ الشباب إلى هذا الزواج لتفريغ شهوة جنسية تسيطر عليهم دون أن يعبأ بأي قيم دينية أو اجتماعية ولا يكترث بمستقبل الفتاة التي تزوجها عرفيا خصوصا أن نسبة كبيرة من هذا الزواج السري تنتهي بالفشل.
عقوق الوالدين
كما امتدت جرائم المراهقين إلى عقوق الوالدين وهو ما أكدته العديد من محاضر الشرطة في العالم العربي؛ فهذا اعتدى على أمه بسبب رفضة إتمام زواجه من حبيبة القلب، والآخر يعتدي على أبيه وأمه بسبب رغبته في الحصول على أموالهما وإنفاقها على شهواته وملذاته، وثالث يضيق بأمه المريضة أو أبيه حتى إنه يفضل موتهم على استمرار إزعاجهم، أما أبشع التجاوزات التي تحدث في مرحلة المراهقة فقد شهدتها بقاع عديدة من دول المنطقة في ارتفاع في وتيرة هروب الفتيات من المنازل بسبب الارتباط بشاب لا توافق عليه العائلة أو بسبب الرغبة في الخروج من سيطرة أولياء الأمور عليها أو لارتباطها بشاب في علاقات محرمة؛ لدرجة أن أحد المجتمعات العربية قد شهدت هروب فتاة من عائلة عربية عريقة مع أحد حراسها من غير معتنقي الإسلام لتتزوج به رغما عن إرادة عائلتها، وأخرى تهرب من بيتها للزواج من شاب نصراني رغم أن أبسط مبادئ الإسلام تحرم هذا النوع من الزواج وتحظرها.
وتكشف هذه التجاوزات عن مدى انحدار المراهقين في عالمنا العربي لدرجة أنهم أصبحوا عامل قلق كبير واضطرابات أكبر، وهو أمر حير الكثيرين من الخبراء الذي عجزوا عن إيجاد وسائل لحل هذه المشكلة..وفي السطور التالية نتحاور مع فتيان مراهقين لعلنا نصل إلى أسباب تحولهم في مجتمعاتنا إلى قنابل موقوتة.
في البداية يقول حاتم شعبان طالب في المرحلة الثانوية في إحدى المدارس الخاصة في مصر عن مشكلات المراهقين بالتأكيد على أن هناك عوامل عديدة تقف وراء انتشار العنف والجريمة في صفوف المراهقين، منها مثلا شعور الشاب أو المراهق، بالهزيمة النفسية نتيجة اتساع الفوارق بين الطبقات في مصر تجعله يلجأ إلى العنف لتحقيق طموحاته، ناهيك عن وجود حالة من التأرجح بين التقاليد السائدة والتيارات المستوردة، وهو ما جعلهم يفضلون تقليد الغرب و ظهر ذلك جليا في ميلهم للعنف والجري وراء المخدرات والكحول ووضع العلاقات الغرامية المحرمة في أولايات أجندتهم وما إلى ذلك من مفاسد تؤثر تأثيراً مباشراً على الفرد والمجتمع.
فيما يوضح سيد مرسي أن انتشار العديد من مظاهر الفساد بين الشباب والمراهقين يعود إلى الواقع المرير الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ مما جعل الشباب يصاب بالإحباط واليأس ويلجأ إلى الجريمة والسرقة والإدمان للهروب من هذا الواقع مؤكداً أن انتشار ظاهرة عقوق الوالدين بين الشباب يعود إلى صراع الأجيال بين الآباء والأولاد وعدم احترام الآباء لخصوصيات الأبناء والظروف شديدة الحساسية التي يعانيها الشباب، بالإضافة إلى أن وسائل الإعلام الخبيثة هي التي أرشدت الشباب إلى السير في طريق الانحراف والغواية.
تمرد
بينما أرجعت دينا أبو رزق -طالبة بالثانوية الصناعية- انتشار تمرد البنات على التقاليد والشرع إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أصابت المجتمع، وبالتالي انعكست على الأوضاع الاجتماعية، مثلا الظروف الاقتصادية أدت إلى ضيق ذات اليد وعدم إقبال الشباب على الزواج مما أسهم في انتشار الزنا بأنواعه وصولا إلى زنا المحارم والشذوذ الجنسي، والتي جاء انتشارها انعكاسا لأزمة الإسكان التي جعلت العديد من الأسر الكثيرة تعيش في مساكن ضيقة ولا تفصل بين ذكورها وبناتها مما جعل هذه الجريمة تستفحل.
وتوافق على الطرح السابق وفاء محمود منصور -طالبة في الفرقة الأولى بكلية التجارة جامعة القاهرة-، وتشير إلى أن تصرفات هؤلاء المراهقين تعكس ما يحدث في المجتمع من فساد وانحلال كرسته وسائل الإعلام المنحرفة والمناهج التعليمية المشوهة، فالإعلام يسوق الرذيلة ويخلق من المنحرفات نجوما؛ فيما تكرس المناهج التعليمية قيم التبعية الثقافية للغرب وتقليدها، وهو ما ظهر جليا في الانحراف الأخلاقي وشيوع خروج البنات عن التقاليد وهروبهن من منازل الأسرة رغبة في التخلص من القيود والتقاليد التي تضبط الممارسات الجنسية في الإطار الإسلامي الصحيح.