علامات أهل الأهواء .. وسبل علاجها
د.نادية محمد السعيد
من أخطر الآفات على الإنسان اتباع الهوى، وهو يؤدي بصاحبه للهلكة والضلال والبدع، ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء، وهو موضوع خطير وفتاك، وقد قال شيخ الإسلام - رحمه الله - أضل الضلال اتباع الظن والهوى، وقد يقع فيه المرء وهو لا يدري ولا يستطيع الانفكاك منه، فوجب الحذر منه والتحذير من خطره لما له من نتائج سيئة وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.
تعريف الهوى:
الهوى لغة: الميل والانحراف والعدول والنزوع إلى ما تهواه النفس.
والهوى شرعاً: هو الميل عن الحق وعن طريق السنة ومجانبة سبيل الله، قال - تعالى -: - ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله- ص: 62، ويشمل بدع الاعتقادات والأعمال، وبدع الشبهات وبدع الشهوات، فالبدع إذاً أهواء، والمحدثات في الدين كلها أهواء، عقدية كانت أو عملية، والافتراق كله أهواء، سواء كان الافتراق اعتقادياً أو عملياً أو هما معاً.
ولقد حذر السلف الصالح من الهوى واتباعه، أو الجلوس مع أصحاب أهل الهوى، قال ابن عباس: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، فإنهم يمرضون القلوب.
وقال إبراهيم النخعي: لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين.
أنواع الأهواء
1 - من حيث الجنس:
الأهواء من حيث جنسها على نوعين:
النوع الأول: واضح وجلي وبين، والثاني: خفي أو ملتبس، ينجر إليه الإنسان وهو لا يشعر، وأغلب الأهواء من هذا النوع الملتبس، لأن الغالب أن الإنسان بعقله وفطرته ينفر من الهوى البين والضلال الجلي، لكن قد يبتليه الله بسبب جهله أو تقصيره فيسلط عليه الشيطان بالتدرج فيقع في الأمور التي فيها لبس، وقد يتدرج من نزعة العاطفة إلى الهوى، ومن نزعة الحماس إلى الهوى، ومن نزعة الشبهة إلى الهوى، ومن نزعة الشهوة إلى الهوى.
2 - من حيث الحكم:
الهوى على نوعين:
الأول: هو عارض - لشهوة أو شبهة - يزول بقوة الإيمان وبيان الحجة ويزول باستظهار الدليل أو بالتوبة أو بالموعظة، ونحو ذلك.
الثاني: هوى مستحكم وهو الهوى الذي يستقر في العقيدة والقلب، وينبثق عنه شبهات وشهوات وشكوك تستقر في نفس الإنسان، بحيث يكون الإنسان عبداً للبدعة المحدثة، فيتعبد الله بها، أو يعتقد ما لا يوافق الشرع والسنة ويستمر على هذا الاعتقاد ويصر عليه أو يتعبد بالشهوة كأن يستحل المحرم مع قيام الحجة.
علامات أهل الأهواء
من علامات أهل الأهواء ما يلي:
1 - مخالفة السنة بأي من أنواع المخالفة اعتقاداً أو عملاً: فإذا خالف الإنسان السنة في الاعتقاد وأصر على المخالفة بعد بيان الحجة، فإنه صاحب هوى، حتى لو كان مظهره الصلاح والتقى، وحتى لو برر مخالفته بأنواع التأويلات التي لا مسوغ لها شرعاً عند أئمة الهدى وأهل العلم المعتبرين.
2 - اعتزال أهل الحق والسنة بأي نوع من أنواع العزلة التي تؤدي إلى
المفارقة:
فصاحب الهوى يتميز بأنه ينعزل - بأي نوع من أنواع العزلة التي تؤدي إلى المفارقة والشذوذ - عن أهل العلم وعن أئمة الدين وعن أهل الفقه في الدين، وعن أهل الصلاح والتقى والاستقامة، لاسيما إذا كان المفارق يعد قدوة، عالماً أو طالب علم.
3 - الخصومات والنكوص عن الحق: والغالب على صاحب الهوى أنه مخاصم، فإذا أقيمت عليه الحجة لج في الخصومة، وإذا بين له البرهان انتكس، وأحياناً قد يعترف بالحجة بالدليل ويتبين له الحق الذي مع المجادل، ثم ما يلبث أن ينكص ويرجع إلى هواه، وقل أن تجد صاحب هوى -يرجع إلى الحق-.
4 - التكلف في إبداء الرأي والانتصار والاستدلال له. من علامات صاحب الهوى: التكلف في إبداء الرأي والانتصار
والاستدلال له على غير منهج شرعي سليم والإصرار عليه، حتى وإن قامت عليه الحجة واستبان له الدليل، وكذلك التكلف في مخالفة السنة ونهج الأئمة.
5 - لمز أئمة الدين والعلماء وطلاب العلم والمتمسكين بالدين: - ومن علامات أهل الأهواء لمز أئمة الدين والعلماء وطلاب العلم أهل السنة والاستقامة والمتمسكين بالدين بأي نوع من أنواع اللمز.
كقول بعضهم: الإمام فلان على العين والرأس، لكن هذه مسألة أنا لي فيها رأي آخر! وهو لا علم له، أو يقول: العالم الفلاني متشدد أو مداهن، أو قول بعض المتعالمين: هم رجال ونحن رجال! ولا يمنع أن نقول: إن الشيخ قد يخطئ فهو ليس بمعصوم، فهذا الأصل في مبدئه صحيح، لكن ينبغي أن يكون الاستدراك من عالم لعالم.
وهؤلاء الذين يلمزون أهل العلم ليس عندهم الجرأة في الطعن على أئمة الدين مباشرة - لاسيما المتفق على إمامتهم - كالإمام البخاري والإمام أحمد ومسلم ورواة السنن، لكنهم إذا جاءوا إلى الروايات التي لا توافق أهواءهم لجؤوا إلى التأويلات والشبهات والكلام في الأسانيد والمتون بما يلبس على الناس.
6 - التعالي والتعالم والغرور والاستقلالية في القول والعمل: وهذه الصفات - مع الأسف - كثرت في الآونة الأخيرة، حيث ظهر أغيلمة - طلاب علم صغار في العلم والسن - يقول أحدهم: قال الإمام أحمد، وقال: فلان العالم، وقلت: أنا، أو يقول: من عنده شيء فليأتنا به، أو يقول: هذا رأيي في المسألة!! سبحان الله - هذا لمز صريح لأهل العلم من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو التعالي والغرور الذي نهى عنه أهل العلم، وهو إذا لم يرجع فهو في طريق الهلكة، وقد يكون سبيلاً للأهواء، فالانتصار للرأي بهذا الأسلوب والاعتزاز بالقول على هذا المنهج ليس من سمة أهل العلم، ولا من سمة أهل السنة والجماعة.
7 - اختلال منهج الاستدلال:
ومن علامات صاحب الهوى الخلل في منهج الاستدلال، فيستدل على غير الطريقة التي يستدل بها أهل السنة والجماعة وأئمة الدين، كأن يحكم عقله أو يحكم مقاييس ومناهج حديثة في أمر قد استقر ومناهج حديثة في أمر قد استقر في الدين، أو أن يحكم جماعته وحزبه أو من يخضع لهم خضوعاً ما، ولم يكونوا أئمة في الدين، أو يستدل بالنصوص الشاذة والغريبة، أو يستدل بالنصوص التي ينبغي أن ترد إلى نصوص أخرى، كأن يأخذ نصوص الوعد ويترك نصوص الوعيد أو العكس، أو يأخذ بالنصوص المنسوخة ويتناسى النصوص الناسخة، أو يأخذ بالنصوص الخاصة ويترك النصوص والقواعد المطلقة والعامة، أو العكس، أو يتغافل عن قواعد الشرع المبنية على النصوص العامة، وكثير من أصحاب الأهواء لا يخضعون للقواعد الشرعية المبنية على النصوص المجملة للشرع أو المبنية على المصالح التي استقرت عند أهل العلم.
ومن علامات اختلال المنهج أيضاً اجتزاء النصوص، حيث يأخذ جزءاً من النص ويترك باقيه.
8 - البعد عن العدل في القول وعن الإنصاف في الحكم: علامة صاحب الهوى أنه إذا قال قولاً في خصمه لم يعدل في قوله، وتناسى حسنات الخصم وخصاله المحمودة أو يذكر سيئاته وعثراته، ويذكر الحجج التي عليه، وكذلك في الحكم تجده يحكم على الشخص بجانب من جوانب سلوكه أو بجزء من أقواله ويترك بقية الأقوال التي فيها ما يقابل هذا الرأي، أو السلوك الذي يقابل هذا السلوك، ويتحامل على المخالف له ويشنع عليه بما يخرج عن الحد الشرعي ويؤدي للوقوع في البغي والعدوان، وهذا من علامات أهل الأهواء.
9 - الوقوف عند الجزئيات وإغفال قواعد الشرع وجوامع النصوص: ومن علامات صاحب الهوى أنه يتكلف في الكلام في الجزئيات والحديث فيها والخصومات فيها، ويتغافل عن قواعد الشرع العامة مثل -درء المفاسد وجلب المصالح- ونحو هذا من الأمور والقواعد التي لا توافق أهل الأهواء، إنما تكون حججاً عليهم فيتركونها ويغفلون عن القواعد المعروفة والمعلومة وأصول الاستدلال وجوامع النصوص التي ترد إليها الجزئيات.
العلاج والحلول: وبعد هذا العرض عن خطر الأهواء على الفرد والجماعة، لابد من علاج وحلول لعلاج هذه الظاهرة في المجتمعات الإسلامية أبرزها فيما يلي:
1 - العلم والتعليم:
إن أول ضمانة - بإذن الله - من انتشار نزعات التكفير والتشدد في الدين والأهواء والحزبيات هي: السعي إلى نشر العلم الشرعي والفقه في دين الله بكل الوسائل، وبأصوله السليمة، وعلى أيدي العلماء والمشايخ وطلاب العلم المعروفين بسلامة المنهج، من خلال الدروس والندوات والمحاضرات والوسائل العلمية والإعلامية المتاحة، وأهم شيء من العلم:
العناية البالغة بالتوحيد على منهج السلف الصالح - رحمهم الله -. ومؤسسات التعليم من المدارس والجامعات ومراكز البحوث ونحوها هي أجود وسيلة لنشر العلم الشرعي والفقه في دين الله، وغرس مبادئ العقيدة والأحكام والآداب وتهذيب الأفكار والسلوك.
2 - الإعلام: إن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة في ظل الفضائيات لاتزال أيسر الوسائل وأشملها وأسرعها تأثيراً في الناس، ولذا يتوجب تكثيف البرامج والمواد التي تعالج مثل هذه الظواهر من خلالها، بأسلوب شرعي وعلمي مقنع من قبل أهل الاختصاص، فلا يحسن أن تتيح وسائل الإعلام التعرض لهذه المسائل العلمية الشرعية الخطيرة من غير المختصين من أهل العلم الراسخين، كما أن أعظم أسباب درء الأهواء والتشدد ضرورة
خلو وسائل الإعلام من المواد التي تثير غيرة المسلمين مما يخالف العقيدة والأخلاق ويتنافى مع الفضيلة والقيم.
3 - غرس التقوى والآداب والسلوكيات الحسنة: ومن الأسباب الواقية - بإذن الله - من شيوع التشدد والتكفير والأهواء، تعليم الناشئة وطلاب العلم ما يغرس التقوى والاستقامة وأصول الأخلاق والآداب، وتهذيب السلوكيات حسب الضوابط الشرعية والأخلاقية من خلال المنزل والمدرسة ووسائل الإعلام والمنابر ونحوها من الوسائل المشروعة المتاحة.
4 - تفادي فشو المنكرات: إن من أكثر ما يثير نزعات التشدد والأهواء في نفوس بعض المتعجلين وحديثي السن وقليلي الفقه، شيوع المنكرات، مما يجعلهم يواجهونها بغيرة غير منضبطة، وبتصرفات متشنجة، وأحكام قاسية، ولذا فإن من أعظم الضمانات - بإذن الله - من هذه التصرفات والأحكام الشاذة، إزالة المنكرات والسعي بجدية إلى عدم تفشيها بين الناس تحقيقاً لأمر الله تعالى: - ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر- >آل عمران: 401<.
5 - حماية الأمة من الأفكار الوافدة: إذا تأملنا نزعات التشدد والأهواء نجدها جاءتنا من أفكار وافدة، ويدفعها أناس مغرضون وحساد ومفسدون قد يتمسحون بمسوح التدين، يسعون لإثارة الفتنة، فيجب أن تتضافر كل الجهود على حماية الأمة من المؤثرات الخارجية والأفكار الوافدة التي تخالف التوحيد والسنة، والتي تخل بالأمن وتنشر التشدد والغلو وإن أظهرت الغيرة على الإسلام والدين.
6 - حماية البلاد من الحزبيات والانتماءات: ومن أسباب شيوع التشدد والتكفير والأهواء: الحزبيات والانتماءات والشعارات أياً كان نوعها وشعارها، ولذا يجب حماية البلاد من هذه الشعارات؛ لأنها بحمد الله - حكومة وشعباً - على السنة، والسنة ليس فيها شعارات ولا انتماءات ولا أحزاب، إنما هي اجتماع ووحدة كلمة على الحق -طاعة الله ورسوله- والتفاف على الولاة والعلماء بالحق والمعروف، كما أمر الله - تعالى -وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: -أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم- >النساء: 58<.
والحزبيات والشعارات والانتماءات كلها شر وفرقة وأهواء، وما أنزل الله بها من سلطان، وعليه فيجب التحذير منها وحماية شباب الأمة من غوائلها وشباكها.
7 - انصراف بعض الشباب والعامة إلى ما لا يعنيهم: وحيث إن من أسباب شيوع الأهواء دخول بعض الشباب والعامة والمثقفين من غير العلماء فيما لا يعنيهم شرعاً من الكلام في المسائل الشرعية الكبيرة، والأحكام والفتاوى، والأفكار التي لا يستطيع الحكم فيها إلا الراسخون وأهل الاختصاص.
وكذلك تطرق بعض الشباب والعامة والمثقفين من غير العلماء والمختصين في مصالح الأمة العظمى للكلام في السياسة والمظالم، والأثرة والمسائل الكبيرة التي أغلبها مبني على الشائعات والكذب والظنون من هذه الأصناف
ومن المغرضين، في حين أنهم لا يجيدون ذلك ولا يحسنونه وليسوا من أهل الحل والعقد، فالكلام في هذه الأمور إنما يشحن القلوب ويثير العواطف بلا بصيرة، وعليه فإن من أهم درء هذه المفاسد توجيه الناس وتوعيتهم بالمنهج
الشرعي في ذلك، وإرشادهم إلى الكف عن هذه الأمور؛ لأنها لا تعنيهم، فإن >من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه<.
8 - القدوة الأنموذج: وأخيراً.. فإن من أكبر أسباب حماية شبابنا من هذه الأفكار الخطيرة: توجيههم إلى القدوة الأنموذج التي يتمثل بها المسلم المستمسك بالحق، وأعظم قدوة هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم صحابته الكرام والأئمة والأعلام من سلفنا الصالح، وفي علمائنا ومشايخنا المثال الحي الذي يجب أن يفيد شبابنا ويتلقون عنهم العلم والأدب والمنهج.