قوات إضافية.. هل تنهي المهمة؟

كيم سينجوبتا *

ترجمة: أحمد أبو عطاء

3 محرم 1428هـ الموافق له 21- 1- 2007م

كتب كيم سينجوبتا محرر صحيفة الاندبندنت البريطانية مقالاً تناول فيه التوقعات والتأثيرات المدنية المحتملة لخطة الرئيس الأمريكي جورج بوش، والتي أعلن عنها في الأيام الماضية فيما يتعلق بالشأن العراقي، والتي كانت أهم نقاطها الدفع بقوات أمريكية إضافية تصل إلى 21 ألف وخمسمائة جندي.

وأشار محرر الإندبندنت إلى أن هذه القوات الأمريكية الإضافية المقرر دعم قوات الاحتلال في العراق بها، والتي سوف تنتشر في العاصمة العراقية بغداد وما حولها؛ ستلقى عليها مسئوليتان رئيستان وهما: التصدي للمقاومة العراقية الصامدة التي تثبت يوماً بعد الآخر قوتها وبأسها وعزمها على تحرير كامل أرض العراق، إضافة إلى مجابهة العصابات والميليشيات الصفوية التي في كثير من الأحيان تضع أجندتها الخاصة فوق أية اعتبارات أخرى، تلك الأجندة التي تعتمد على تصفية شاملة لأهل السنة في العراق تمهيداً لمد النفوذ الإيراني القوي في كامل المنطقة.

ويقول كيم سينجوبتا: إن الممرات الضيقة في منطقة الكاظمية، والمباني التي تحمل فوقها قناصة الميليشيات الصفوية في جسر ديالى؛ إضافة إلى المناطق الصعبة الخطيرة في قلب مدينة الصدر ببغداد؛ ستكون كل هذه المناطق التي تعتبر معاقل للميليشيات الصفوية ساحات معارك دامية في المرحلة المقبلة.

ويضيف أنه على بعد أميال من هذه المعاقل الشيعية تقع المناطق التي تمثل أهل السنة، وتتجلى فيها صلابة المقاومة العراقية الشرعية ضد الاحتلال مثل شارع حيفا، ومنطقة الأعظمية، وغيرها من مدن أهل السنة، التي تمثل هاجساً كبيراً لقوات الاحتلال الأمريكية بعد حرب شوارع استمرت على مدار أربعة أعوام، وكلفت الاحتلال خسائر فادحة.

ويؤكد كيم سينجوبتا أن هناك مصاعب لوجيستية جمة تقلق القادة العسكريين الأمريكيين من إمكانية نجاح القوات الإضافية التي ستدفع بها واشنطن في العراق في خوض معارك شوارع وحروب عصابات في شوارع بغداد، والأسباب الرئيسة في ذلك استمرار الهجمات المسلحة المباغتة، وزرع العبوات الناسفة القاتلة من قبل المقاومة السنية ضد قوات الاحتلال، إضافة إلى إصرار الميليشيات الصفوية متمثلة فيما يسمى جيش المهدى بقيادة مقتدى الصدر وميليشيا فيلق بدر بالإضافة إلى بعض العصابات الأخرى من قوات البشمركة الكردية على التحرك في مناطق بغداد التي تعتبر معاقل للشيعة مع ترسانة قاتلة من الأسلحة لاستعراض القوة، ومواصلة عمليات القتل والاختطاف والنهب.

واعتبر محرر الإندبندت أنه هذه صورة مصغرة للوضع الميداني الذي ينتظر أن تواجهه قوات الاحتلال الأمريكية الإضافية؛ التي قرر الرئيس جورج بوش الدفع بها إلى بغداد في محاولة أخيرة منه للإمساك بمقاليد الأمور، لاسيما وأن كلمات بوش الأخيرة كشفت بوضوح عن أنه يعتقد أن السعي للسيطرة الأمريكية من جديد على بغداد - في مواجهة مقاومة تدرك هدفها جيداً، وعصابات صفوية حريصة على مواصلة استراتيجية الإرهاب والترويع بحق المدنيين السنة - سيكون هو الأمل الأخير لإخراج أمريكا من مستنقع العراق.

وقال كيم سينجوبتا: إن المشكلة الحقيقية التي تواجه هذه القوات الأمريكية الإضافية في بغداد أنها لن يمكنها أبداً أن تميز الصديق من العدو في محاولتها اليائسة للسيطرة على بغداد، فالأوراق اختلطت على صانع القرار السياسي الأمريكي، وبالتالي أصبحت قواته مشوشة لا تدري إلى أين تتجه، وعلى من تعتمد، وقد حذر الرئيس الأمريكي من أن إراقة الدماء ستزداد في بغداد، لكن السؤال الذي كان يجب أن يجيب عنه هو: هل ستكون هناك أية مكاسب بالمقابل؟

ويقول كيم سينجوبتا: إن من بين الأهداف التي تعتزم القوات الأمريكية الإضافية في بغداد التعامل معها ميليشيا عبارة عن عصابات من السفاحين والمجرمين والمرتزقة تعرف باسم "جيش مهدي"، تتبنى عقيدة صفوية تحت قيادة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وهي عصابات تمتلك أكثر من خمسين ألف عنصر مسلح في بغداد، وتتركز هذه العناصر في الغالب في مدينة الصدر، وهو حي فقير واسع جانب بغداد، إضافة إلى تمركز هذه العصابات أيضاً في مدينة النجف والمناطق المحيطة، لكن مقتدى الصدر يمتلك أيضاً ما يزيد عن 25 ألف مجرم صفوي تابعين له في جنوب العراق يمكن أن يشنوا حملة انتقام دامية ضد القوات البريطانية لو شعروا بأن واشنطن تمنعهم لسبب أو لآخر من مواصلة سيطرتهم التامة على بغداد لإبادة أهل السنة فيها.

ويشير محرر الإندبندنت إلى أنه بوش يدرك أن العصابات والميليشيا الشيعية في بغداد تتلقى الدعم والمساندة من قبل إيران، ويزعم في الوقت نفسه أن السوريين يقدمون الدعم والمساندة للمقاومة العراقية السنية، وعلى ذلك فقد حرص في خطابه الأخير على اتهام طهران ودمشق بإيواء العناصر التي تمنع قوات الاحتلال الأمريكية من السيطرة على الوضع الأمني في بغداد.

ويشير كيم سينجوبتا إلى أن مخاوف بريطانيا من تصاعد المواجهة بين قوات الاحتلال الأمريكية والعصابات الشيعية المدعومة من قبل إيران في بغداد دفع بها إلى نقل غالبية قواتها البالغ قوامها 7200 جندي من المناطق الجنوبية المختلفة في العراق إلى مدينة البصرة بالتحديد، رغم أن هذا التحرك عارضته واشنطن، وأبدت قلقها من انسحاب القوات البريطانية من محافظة ميسان، ومدينة العمارة تحديداً.

وأشار محرر الإندبندنت إلى أن إعادة الانتشار لقوات الاحتلال البريطانية في جنوب العراق تعارض مع الخطط الأمريكية الخاصة بتسليم المهام الأمنية في الجنوب العراقي لقوات الأمن الحكومية العراقية بحلول فبراير القادم خوفاً من تصاعد النفوذ الإيراني هناك.

وتتواصل المحاولات الأمريكية الدؤوبة لإقناع لندن بالدفع بالمزيد من القوات إلى المناطق الحدودية في الجنوب، تحسباً لأية محاولات من جانب طهران لمساعدة حلفائها من أتباع مقتدى الصدر من خلال عمليات تسرب حدودية واسعة النطاق، لكن في الوقت نفسه لا تستطيع الحكومة البريطانية التي تتخوف من حرب استنزاف طويلة في جنوب أفغانستان في مواجهة مقاومة شرسة متفاقمة من قبل حركة طالبان أن تتعاطف مع المخاوف الأمريكية في جنوب العراق، وتدفع بمزيد من القوات إلى هناك.

وفيما يتعلق بالوضع الميداني في العاصمة العراقية يقول كيم سينجوبتا: إن أصداء الخطة الجديدة للرئيس الأمريكي بدأت تظهر بالفعل في شوارع بغداد، حيث إن قطاعات واسعة من قوات الاحتلال الأمريكية انسحبت الآن من هذه الشوارع تاركة لقوات الأمن الحكومية العراقية مهمة حراسة نقاط التفتيش، مع اكتفاء جنود الاحتلال بالتحرك على متن مروحيات أباتشي، والبقاء في المعسكرات والقوات المحصنة، وكل ذلك في سياق الاستعداد لقدوم أكثر من عشرين ألف جندي أمريكي إضافية، وبعد وصول هذه القوات الإضافية إلى العراق ينتظر أن تعيد قوات الاحتلال انتشارها بقوة ثانية في شوارع بغداد على أن يتم تقسيم العاصمة العراقية إلى 9 أو 11 قطاعاً في إطار خطة للتنسيق بين مهام الجنود الأمريكيين والقوات الحكومية العراقية.

ويكشف محرر الإندبندنت عن حقيقة أن خطة بوش في لبها ترمي إلى خلق مناطق عديدة في بغداد بصورة تجعلها شبيهة بالمنطقة الخضراء المحصنة في قلب بغداد، والتي يوجد فيها المسئولون الدبلوماسيون الأمريكيون والبريطانيون والمسئولون العراقيون الموالون للاحتلال، بحيث تكون هناك أكثر من منطقة في بغداد خاضعة لتأمين محكم من قبل الاحتلال من خلال نقاط التفتيش القوية، وإقامة السياجات والأسلاك الشائكة، والحواجز الرملية، وغير ذلك مع فرض إجراءات صارمة للغاية فيما يتعلق بتنقلات المواطنين.

ويضيف كيم سينجوبتا أن أمريكا تدرك جيداً أنه ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بد من العمل بالتوافق مع القوات الحكومية العراقية لاستعادة العديد من المناطق من السيطرة والنفوذ الخاصين بالميليشيا الصفوية وقياداتها التي ثبت ضلوعها في عمليات دموية، وإدارة فرق موت لاستهداف المدنيين.

وفي تحليل شديد الأهمية يؤكد محرر الإندبندنت أن فرق الموت الصفوية متمثلة بالأساس في جيش المهدي وفيلق بدر كانت نتيجة مباشرة وحتمية للسياسة الأمريكية في العراق منذ وقع الغزو، ففي بداية عام 2004م ومع بزوغ نجم مقاومة عراقية سنية شديدة القوة، وطموحة لأبعد الحدود؛ قررت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون أن تتخذ خطوة تدريب مقاتلين شيعة وأكراد لتنفيذ سلسلة من المهام والعمليات، وتكرر مشهد حدث قبل أكثر من عشرين عاماً من الآن عندما قررت الولايات المتحدة أن تقدم الدعم لعصابات من المرتزقة والأفاقين والمجرمين في السلفادور بأمريكا اللاتينية من أجل مواجهة كل القوى المعادية للهيمنة الأمريكية، وكانت النتيجة أن ارتكبت هذه العصابات في أمريكا اللاتينية مجازر ومذابح أودت بحياة 70 ألف من المدنيين، إضافة إلى انتهاكات لا محدودة لحقوق الإنسان، وهو ما يجري في العراق الآن على يد الميليشيات الشيعية.

ويتحدث كيم عن لقاء أجراه مع مواطن في العراق يدعى أحمد سعدون كان قد ألقي القبض عليه في الموصل، واعتقل لمدة سبعة أشهر قبل أن يتم إطلاق سراحه بدون توجيه اتهام له، وكانت على جسده آثار حروق وتعذيب، ولم يكن يعرف سعدون - 38 عاماً - حقيقة المجموعة المسلحة التي اعتقلته، لكنه رأى الجنود الأمريكيين يصاحبون هؤلاء المسلحين.

أما بالنسبة إلى عصابات جيش مهدي فقد كانت حليفاً هاماً للقوات الأمريكية وخاضا معاً أكثر من معركة عنيفة ضد المقاومة العراقية خاصة في النجف قبل عامين من الآن، وكانت واشنطن في ذلك الوقت ترى أن استمرار تحركات "رجال الدين الشيعة" هامة في مواجهة مقاومة سنية متصاعدة، وحتى عندما سيطر جيش المهدي إلى حد كبير على مدينة العمارة جنوب العراق، وفجر عدداً من مراكز الشرطة؛ اكتفت القوات البريطانية بمراقبة تطورات الموقف، وتركت للجيش العراقي الحكومي التعامل مع الموقف.

ولفت محرر الإندبندنت إلى أن هناك اعتبارات سياسية صعبة للغاية تواجه خطة الرئيس الأمريكي بإضافة قوات جديدة في العاصمة العراقية، وذلك أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يعتمد على الدعم البرلماني من أتباع مقتدى الصدر، فعندما دخلت قوات أمريكية وقوات عراقية مؤخراً مدينة الصدر لاعتقال قائد مجموعة مسلحة شيعية متهم بإدارة فرق من فرق الموت؛ وبدلاً من أن يهنئ القوات أعرب المالكي عن غضبه من هذه العملية، وتعهد بالسعي من أجل عدم تكرر مثل هذا الأمر، خاصة وأن "فعلان حسن" زعيم كتلة الصدر التي تتمتع بثلاثين مقعداً في البرلمان المؤلف من 275 مقعداً هدد بإجراءات وخيمة لو تكررت مثل هذه المداهمات.

ومن داخل الجيش الأمريكي نفسه يعتقد العديد من العسكريين الأمريكيين أن ميليشيا جيش المهدي محصنة بدرجة كبيرة تجعلها غير قابلة للتفكيك أو الهزيمة، ويقول العريف جيف نيلسون محلل الاستخبارات بالكتيبة الأولى من الفوج الثالث والعشرين من القوات الأمريكية في بغداد: "لقد اخترقت ميليشيا جيش المهدي كل فرع من فروع الخدمات العامة، وكل مكتب سياسي، ووصلوا إلى مقاعد قيادية، وبمجرد خروج الولايات المتحدة من العراق ستكون السيطرة لهم على المنطقة وعلى المواطنين".

وأضاف العريف نيلسون أن كتيبته حقّقت في 40 عملية قتل طائفي، وعثرت على 57 جثة عبارة عن أشلاء خلال أسبوع واحد فقط، ورغم ذلك لم تنجح التحقيقات في توقيف أي من عناصر جيش المهدي، وأردف: "إننا نشعر في كثير من الأحيان بالعجز واليأس التامين".

__________________

(*)الإندبندنت البريطانية.

http://www.islammemo.cc:المصدر