اقتصادات العولمة عابرات القومية ··· أم كاسحات حضارية ··؟!!

عطية فتحي الويشي

 

لعل الطموح العالمي التي تتأسس عليه فكرة الهيمنة الاقتصادية في إطار النظرية العدوانية

تصادم الحضارات:

يتبلور في منظومة الشركات العابرة للقارات، التي لا تعتمد في أنشطتها، وكل تعاملاتها الكونية، أي معايير أخلاقية ذات بعد إنساني راسخ ورشيد··· بل إن هذا الطموح يتأسس على فكرة تكييف المعايير الدولية ـ أو الحضارية ـ حسبما تكمن مصالح أصحاب هذه الشركات وأغراضهم··· تلك التي تتجاوز بأي حال كثيراً من حدود وظيفتها الاقتصادية!

والحقيقة أن هناك اختلافات متداخلة وجوهرية حول دلالة مفاهيم هذه الشركات، فثمة فارق بين الشركات متعددة الجنسيات··· والشركات عابرة القارات··· والشركات عابرة القوميات··· والشركات فوق القوميات··· ومع أن كل هذه الاصطلاحات هي تسميات لشركات احتكارية عملاقة، إلا أن لكل اصطلاح منها مدلولاً مختلفاً تمام الاختلاف··· لأن تعبيري: ما فوق القومية والمتعددة الجنسيات يعطيان انطباعاً خاطئاً بأن هذه الشركات قد أفلتت من قبضة الدولة القومية فتحولت ملكيتها إلى ملكية عامة لرأسمالي أمم وحضارات وثقافات مختلف البلدان، وأصبحت عوائد عملياتها تتوزع على هذه البلدان جميعاً·

ولقد ترتب على هذا الانطباع الخاطئ نتيجة خاطئة، تتمثل في استبعاد الطابع الاستغلالي الاستعماري المتوحش لأنشطة هذه الشركات··· ومن ثمَّ فإن صفة عابرة القوميات أو العابرة للحدود أو القارات هي الصفة الأكثر دقة في توصيف هذه النوع من الاحتكارات الرأسمالية العملاقة··· لأنها تعكس حقيقة احتفاظ هذه الشركات بخصائصها وأهدافها وتوجهاتها الحضارية والثقافية القومية التي تعمل في سياقها··· واستناد إلى هذا التوصيف: تتكامل المعالم الحقيقية للشركات العابرة للقارات··· حيث يبدو التنافس بين هذه الشركات وبعضها بعضاً على ثروات الأمم ومخصصات الحضارات فضلاً عن المقامرات السياسية لحساب الدولة الأم على مقدرات ومصائر أمم وشعوب هذه الحضارات··· ومن ثمَّ تصبح هذه الشركات مثاراً للتوترات والاحتكاكات والتحرشات الإنسانية··· ولا شأن لها بقيم ومثل وغايات إنسانية بحال من الأحوال!!·

ومما يجدر ذكره أن منظمة الأمم المتحدة، قد نشرت تقريراً حول الشركات متعددة الجنسيات والتنمية العالمية كان من أهم ما أشار إليه ما يلي:

1 ـ استحالة الانسجام بين استراتيجية الشركات العابرة للقوميات، واستراتيجية التنمية في أي بلد من البلدان النامية.

2 ـ أن هذه الشركات تفرض شروطاً مجحفة على دول العالم الثالث مقابل استثمار رؤوس أموالها في هذه الدول، الأمر الذي يقضي على أي إمكانات للتنمية الذاتية في البلدان النامية.

3 ـ يشكِّل نقل التكنولوجيا إلى بلدان العالم الثالث بوساطة الشركات العابرة للقوميات أداة استغلال وتحكُّم··· نتيجة لما تحصل عليه هذه الشركات من أثمان باهظة مقابل ما تقدمه من تقنيات غير ملائمة، ومعرفة تقنية وهمية في معظم الأحيان· الأمر الذي يؤدي إلى قتل روح الإبداع والتجديد لدى البلدان النامية.

4 ـ تعمل الشركات بكل الطرق لتوجيه سياسة البلد النامي بما يخدم مصالحها، بغض النظر عن مصالح البلد المعني·

5 ـ استحالة قيام مساومة متكافئة بين الطرفين·(1)

وعلى الصعيد التاريخي: كان لشركة الهند الشرقية البريطانية الملكية ـ كواحدة من أمهات الشركات الغربية العملاقة عابرة القارات ـ دور سرطاني في تكريس التخلف السياسي والحضاري في كل البلاد التي كانت تقيم فيها عملياتها الاقتصادية··· بل كانت اليد التي اصطنعت كل صور الامتهان الإنساني عبر تاريخ الاستعمار الغربي الأسود في الصين منذ <حروب الأفيون> الأولى والثانية··· وقننت ممارسات النشاط الاقتصادي السلبي والابتزاز المكثف لمقدرات البلاد في عموم الشرق الأقصى بصورة فيها مهانة شديدة!

كما كان لمثل هذه الشركات أيضاً على الصعيد العربي الإسلامي: الضلع الأكبر في تخليق دولة الكيان الصهيوني الغاصب، وضرب حركات التحرر العربي الإسلامي، وتفتيت وحدة الصف العربي··· فضلاً عن تشجيعها الخبيث لخطط التنمية الاقتصادية في بعض الدول العربية والإسلامية، كل على حدة، بصورة لا تتكافأ من غير وجه مع أي من أنماط التنمية في دول الغرب الرأسمالية، وكذلك إجهاض أي محاولة للتكامل الاقتصادي العربي الإسلامي··· وذلك في إفشالها عن طريق تدشين مشروعات الشراكات ذات التوجه التفككي!!

وثمة ملامح أخرى للنشاط مثل هذه الشركات··· منها الملمح المخابراتي الذي يرسمه خبراء الثورات المضادة، ومنظمو الحركات الانقلابية··· من خلال حشد المعلومات والبحث باتجاه خلق فوضى اقتصادية··· تعصف بأي كيان سياسي··· فهذه الشركات تمثل في الأغلب حكومات ظل لقوى الهيمنة العالمية داخل الدول محل نشاطها، والتي قد لا تروق سياستها لمراكز الهيمنة··· ومن ثمَّ تقوم هذه الشركات بدور الجسر الذي يربط الحركات الانقلابية في هذه الدول بمراكز الهيمنة وأصحاب المصالح الكبرى وخارجها

ومأتى الخطر من قبيل هذه الشركات يبتلور في كونها خاضعة لقانون البلد الأم، لا لقانون البلد المضيف!! وهو ما يجعلها فوق القانون في حِلِّها وترحالها···! ذلك فضلاً عن أن مجرد انتقال ملكية وامتيازات بعض الأنشطة الاقتصادية من حوزة بلد، أو أمة، أو قومية، أو حضارة ما، إلى حوزة مثل هذه الشركات: إنما يؤل في الأجل الطويل باقتصادات هذه المفردات إلى التراجع والبوار!!

والحقيقة أن هناك شبكة ضخمة تتكون من ثلاثمئة شركة عملاقة عابرة للقارات تسيطر فعلاً على الاقتصاد ا لعالمي، ثلثا هذه الشركات أميركية، والثلث الأخر موزع بين أوروبا واليابان··· هذه الشركات تتجه إزاء مصالح كبرى ليس بالضرورة الكشف عنها جميعاً، بل إن بعض هذه المصالح تبقى بعيداً عن دائرة الخوض، فتتنكر وتتخفى وراء شعارات أو لافتات ماكرة خبيثة، وإن بدا بعضها موضوعياً، بيد أنها تحمل الشيء ونقيضه· كنوع من تكريس معادلة الصراع في فكر أصحابها الأصليين···!! فالعولمة في مواجهة الخصوصية··· والأقوياء في مواجهة الضعفاء··· والجوع في عالم الوفرة··· والفقر والبطالة في عالم الإنتاج بلا حدود··· والبؤس والحرمان في مقابل الاستهلاك بلا قيود··· إنها المادة في مواجهة الروح··· بل الجغرافيا في مواجهة التاريخ!!

وبوجه عام، فإن نشاط هذه الشركات وفعالياتها العالمية الحيوية: إذا لم تكن تحمل بواعث ومقومات حضارية، ولا دخل للمسيحية بها··· بيد أنها على الأقل: تمارس أساساً في مواجهة عقائد وأفكار وثوابت وخصوصيات لدى الآخر الحضاري··· ومن ثمَّ فنحن لا نستبعد الوازع الديني خلف واجهات هذه الشركات، ليس هذا من قبيل الإحساس بوهم المؤامرة··· بل إن ثاني أكبر شركة عالمية عابرة للقارات، وهي <ديزني لاند>··· كم هي ذات ضلع كبير في ترويج الدعاية الصهيونية غير عابئة بعقيدة خمس سكان العالم من المسلمين الذين يستهلكون أغلب منتجات هذه الشركات من البرامج والمواد الترفيهية!!

فـ<والت ديزني> ـ على سبيل المثال: تجاوزت كثيراً حدود لافتاتها العريضة كشركة إنتاج إعلامي، تقدم برامجها وموادها الفنية في إطار اللهو والترويح البريء··· فإذا هي تكشف ـ في معرضه العالمي خلال العام 2000م ـ عن دورها الحقيقي إزاء تهويد القدس واغتصاب فلسطين بمباركة مشروعات العولمة المتصهينة ـ أو الصهيونية المتعولمة!! <إن مؤسسات الإعلام العملاقة قد صارت مجهزة على أفضل نحو للنهوض بأعباء الـTittytianmment، التي أمعن التفكير فيها موجهو العالم الذين جمعت شملهم مؤسسة <غرباتشوف> الخيرية في <سان فرانسيسكو>· فما تبثه هذه المؤسسات من صور هو الذي يدغدغ الأحلام، والأحلام هي التي تحدد الأفعال>(2)·

فنحن لا يمكننا بحال أن نعزل مناشط مثل هذه الشركات عن سياق الانتماء الفكري والعقدي ـ الحضاري ولأصحابها، ولا عن خلفيات مقرري خططها ومنفذي برامجها، وعلى صعيد آخر، لا ينبغي أن ننسى ولو للحظة واحدة: ما تعكسه الصورة الحالية لانتشار التقدم الاقتصادي العالمي الذي تقود دفته عوابر القارات· من خلال مزايداتها على الاقتصادات الإقليمية والوطنية في تلك البلاد التي لم تعد مصدراً لفائض القيمة التاريخية وحسب، حيث نرى في هذه الصورة أصحاب القمة (20% من سكان الأرض) وهم يستحوذون على 85% من الناتج القومي لكل أمم العالم مجتمعة، وعلى 84% من التجارة الدولية، وعلى 85% من المدخرات··· وبينما الفجوة الاقتصادية وتتضاعف بين أهل المركز والأطراف··· تزداد أوضاع العولمة ظلماً وبشاعة·· وحين شرعت بعض دول شرق آسيا الإفلات من هذا النفق المظلم: فعلت العولمة ما فعلته بها···!

 

ــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1 ـ Multinational Corporations and word Ddevelpoment.United nations.new york 1973.

2 ـ هانس بيتر مارتين وهارلد شومان ـ فخ العولمة ـ عدنان عباس علي ـ سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت ـ 1419هـ ـ ص 47

 

http://alwaei.com                       المصدر: