القمة الثامنة للولايات المتحدة (الأفريقية) الأمريكية!

جمال عرفة

11/1/1428هـ

ما معني أن يكون من حق السودان تولي رئاسة الاتحاد الأفريقي منذ القمة الخامسة للاتحاد الأفريقي في سرت بليبيا يوليه 2005 التي أقرت بهذا الحق للسودان وفق مبدأ التناوب بين الكتل الأفريقية، ويتم التحايل علي هذا مرتين متتاليتين عامي 2006م ثم 2007م من قبل عدة دول أفريقية مدفوعة أمريكياً؟

وما معني أن يعطي قادة الاتحاد الإفريقي وعداً للرئيس السوداني عمر حسن البشير العام الماضي بتولي بلاده رئاسة الاتحاد، ثم يتراجعون عن مواقفهم بزعم اعتراض بعض القوى على تولي السودان الرئاسة بسبب العنف في دارفور، ويغيروا موقفهم لأن هناك بعض جماعات حقوق الإنسان الأوروبية والأمريكية تضغط عليهم؟

من الواضح أن الاتحاد الأفريقي أصبح أداة في أيدي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بعدما رهن إرادته لهذه القوى الكبرى، وعجز عن تدبير شئونه وحده بما يضمن الحفاظ علي وحدة القارة وتماسكها، واستقلال قرارها السياسي، بعدما رضخ العديد من القادة الأفارقة للضغوط الأمريكية المستترة هذه المرة، وأثاروا اعتراضات علي رئاسة السودان للقمة الأفريقية.

ومن الواضح أيضاً أنه رغم حرص الولايات المتحدة على عدم إظهار رفضها واعتراضها لرئاسة السودان للقمة الأفريقية هذه المرة (عام 2007م) فإن هذا لا يعني أنها لم تعترض مثلما فعلت علناً العام الماضي، وكل ما في الأمر أن الاعتراض الأمريكي العام الماضي أحرج عملاءها من قادة الدول الأفريقية، فظهرت مواقفهم بصورة التابعين لأمريكا والعملاء؛ فقررت هذا العام عدم إعلان رفضها رئاسة السودان علناً، والتصريح بأن هذا الأمر راجع لقادة الدول الأفريقية!!.

فعندما سُئل عن موقف الولايات المتحدة من ترشح البشير هذه المرة لرئاسة القمة الإفريقية قال نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية توم كايسي: إن "الاتحاد الإفريقي منظمة متكونة من دول ذات سيادةـ والقرار في هذا الشأن يرجع لهذه الدول(!)، وعندما هاجمت الخرطوم الضغوط الأمريكية رفضت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية جينادي فريزر اتهامات السودان بتعرض الدول الإفريقية لضغوط من الدول الغربية لمنع الخرطوم من رئاسة المنظمة الإفريقية، وقالت: "أعتقد أن هذا خطأ، أعضاء الاتحاد الإفريقي هم الذين يتخذون القرار حول من يرأسهم، وأعتقد أنهم يريدون رئاسة تعبر عن معايير موجودة داخل عملياتهم السياسية التي تتضمن ديمقراطيات ليست في حالة حرب، أعتقد أنهم أكبر من الضغوط"!؟.

ومن الواضح أن إخفاء الاعتراض الأمريكي هذه المرة استهدف عدم فضح عملاء واشنطن الأفارقة، أو قادة الدول المتعاونين معها، خصوصاً في ظل التهديدات السودانية بالانسحاب من المنظمة الأفريقية وتعليق عضويتها، والمخاوف من تفجير العلاقات الأفريقية – الأفريقية، وهدم المبادئ التي أقرتها الدول الأفريقية لتداول الرئاسة، والرغبة في إخفاء عدم استقلالية القرار الأفريقي وتبعيته للغرب، أو أن الاتحاد الأفريقي تابع للغرب.

 

تدخل أمريكي سافر:

والملفت أن هناك عموماً حالة من التبعية والسلبية تبديها العديد من الدول الأفريقية تجاه التغلغل الأمريكي في القارة الأفريقية، وتسيير شئونها بما يتناسب مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لأفريقيا، فمن غير المعقول أو المنطقي أن يتم قصف وغزو دولة مستقلة ذات سيادة من قبل الطائرات الأمريكية والقوات الأثيوبية بنفس طريقة غزو العراق وأفغانستان، ولا يصدر أي رد فعل أفريقي معترض في ظل الرئاسة الأفريقية الضعيفة التي تم نزعها العام الماضي من السودان.

ومن غير الطبيعي أن تهدد الولايات المتحدة الأمريكية بغزو حتي دارفور نفسها، وإنزال قوات أجنبية فيها دون أن يكون هناك رد فعل أفريقي واضح أو محدد، هذا ناهيك عن التدخلات التي تقوم بها منظمات أوروبية وأمريكية ذات واجهة خيرية وحقوقية في أفريقيا، وهي في حقيقتها فروع لأجهزة استخبارات أجنبية.

ولا شك أن هذا الموقف الإفريقي السلبي هو امتداد لسياسة ابتدعها وطبقها الجناح اليميني المسيحي الأمريكي في إدارة بوش تتلخص في رفع راية التدخل في أي مكان في العالم لحماية المصالح الأمريكية، ومحاربة الإرهاب، ما شجع دول أخرى مثل أثيوبيا على فعل الشيء نفسه، وهو ما يهدد العالم كله بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار لأنه لم تعد هناك معايير دولية، والأهم أن المنظمات أو الاتحادات (مثل الاتحاد الأفريقي) لم تعد تمارس دورها الحقيقي في حماية وحدة وسيادة دولها، وتشارك - علي العكس - في مخططات أمريكية وأوروبية علي حساب المصلحة الإفريقية!.

لكل هذا تحولت القمة الثامنة الأخيرة للاتحاد الأفريقي في أثيوبيا إلى قمة للاتحاد الأفريقي (الأمريكي) أو للولايات المتحدة الأفريقية (الأمريكية)، وظهر التدخل الأمريكي واضحاً حتى فيما يتعلق بترشيح مرشح أفريقي محدد (رئيس تنزانيا) لرئاسة الاتحاد بدلاً من البشير، ما دفع السودان لحساب حجم المكاسب لو تنازل طواعية مع حجم الخسائر لو انسحب ورفض، وتم فرض قرار رئاسة أفريقية غير سودانية عليه، وأختار التنازل طواعية عن الرئاسة الأفريقية للمرة الثانية مقابل مكاسب تتعلق بتفويت فرصة التدخل الأمريكي في دارفور، وحصار تدخله في الصومال عبر إرسال قوة تدخل أفريقية، وبقاءه لمحاربة أنصار أمريكا في المنظمة الأفريقية كي لا تتحول لأداة غير فاعلة تنخرها التدخلات الأمريكية مثل غيرها من المنظمات العربية والإقليمية.

بل أن السودان حرص على السعي للتنسيق مع الدول الأخرى المتعاطفة معه في العديد من قضايا المنطقة المفترض أن تتدخل فيها واشنطن، والسعي لتفويت الفرصة على المخططات الأمريكية في المنطقة خصوصاً أن السودان - كما سبق أن قال الرئيس البشير - "يتطلع إلي دور إفريقي أعلى صوتاً في عمليات صنع القرار داخل المؤسسات النقدية والمالية الدولية وفي الأمم المتحدة "، ما يشير ضمناً لرغبة السودان في قيادة الاتحاد الأفريقي في اتجاه عالمي للتأثير في عمليات صنع القرار في العالم تجاه القارة الأفريقية، وهو ما أقلق دولاً غربية سعت لتحجيم دور حكومة السودان.

 

لماذا إقصاء السودان؟

وربما يثور هنا سؤال عن السر وراء السعي الأمريكي لإقصاء السودان عن رئاسة القمة الأفريقية للعام الثاني على التوالي عبر حلفاءها الأفارقة، وترويج الادعاءات عن أن مذابح في دارفور فشلت الحكومة في منعها وراء هذا؟.

الإجابة على هذا السؤال تكمن في تفسير الاستراتيجية الأمريكية عموماً في المنطقة، فهذه الاستراتيجية سواء في المنطقة العربية والتي تسمي (الشرق الأوسط الجديد)، أو في أفريقيا والتي تسمي (القرن الإفريقي الكبير) تقوم على استبعاد وإقصاء وحصار الدول والحركات التي تشكل "مقاومة" للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، والقائم على خلق مناطق نفوذ هناك، والاستيلاء على الموارد المعدنية العديدة هناك سواء البترول أو المعادن.

ولأجل تنفيذ هذه الاستراتيجية في المنطقة العربية جرى حصار وخنق حركات المقاومة العربية خصوصاً حركات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد وغيرها، وتركيز التعاون مع المتعاونين مع المشروع الأمريكي للمنطقة من الحكومات أو القوى السياسية المختلفة، والأمر نفسه جرى في أفريقيا.

فحصار السودان، والتهديد بالتدخل في أراضيه بالقوة العسكرية في دارفور، وتشجيع انفصال جنوب السودان وغرب السودان وحتى شرقه ضمن استراتيجية تفكيك للسودان هدفها عدم السماح بقيام دولة سودانية قوية واسعة الأطراف، وغنية بالموارد المعدنية خشية تحولها مستقبلاً لدولة مؤثرة تعرقل النفوذ الأمريكي في أفريقيا.

وضمن هذا أيضاً جاء غزو الصومال لضرب قوى المقاومة الإسلامية (المحاكم)، والسعي لتفكيك هذه الدولة الإسلامية، وإبعاد الإسلاميين من السيطرة عليها، والاستعانة بأي قوى أو مرتزقة للوصول إلى هذا الهدف، والسعي لمنع السودان عن الرئاسة الأفريقية جاء في هذا السياق بهدف منع السودان من أخذ الرئاسة الأفريقية باتجاه منع التدخلات الأمريكية في القارة خصوصاً السودان والصومال، والسعي لـ"أفرقة" قوات التدخل العسكرية في مشكلات القارة المختلفة، وعدم السماح بالتدخلات الأمريكية والغربية.

القضية بالتالي أكبر من مجرد السعي لمنع السودان من الرئاسة الأفريقية، ولكنها مجرد جزء من مخطط أمريكي أكبر لإقصاء قوى المقاومة عموماً خصوصاً ذات الفكر أو المحتوى الإسلامي عن طريق المخطط أو الاستراتيجية الأمريكية لمجملة للمنطقة العربية والأفريقية!.

http://www.almoslim.net:المصدر