إمامة المرأة .. والإسلام الذي تريده أمريكا !
طارق ديلواني
أخطر ما في القضية أن هنالك استخفافا واضحا بمشاعر ملايين المسلمين في المعمورة الذين أحسوا أنهم طعنوا في دينهم وفي أخص خصوصياتهم..ماذا لو طالب البعض بأن تتولى إدارة الفاتيكان امرأة بدل البابا.. بدون شك ستقوم الدنيا ولا تقعد... والأكثر من ذلك طبيعة علاقة الشرق العربي المسلم بالغرب التي باتت تأخذ طابعا من الإملاء والتبعية وطمس الهوية، فهل هذا ما نرجوه من حوارنا مع الغرب والانفتاح عليه والجلوس إليه؟!
لا يمكن قراءة التضخيم الإعلامي لقصة إمامة الدكتورة ودود أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة فرجينيا لرجال ونساء في صلاة الجمعة إلا على أساس حملة تقودها الولايات المتحدة لخلق واقع إسلامي جديد.
لسنا هنا بصدد الحديث عن حرمة أو جواز هذه الخطوة بقدر ما سنتطرق إلى دلالات النموذج الأمريكي الذي تريده الولايات المتحدة للإسلام والمسلمين.
للأسف، فإن المسلمين في أمريكا بعضهم وليس جميعهم يستخدمون رأس حربة في حملات تشويه ضد الإسلام ليست آخرها قضية إمامة المرأة للمصلين في صلاة مختلطة. والأمر إذا تعلق بتشكيل نموذج إسلامي جديد سيلقى قبولا ورواجا ولو بعد حين، ما دام الأمر يتم برضا من المسلمين وبأيديهم.
هجمات 11 سبتمبر خلفت وراءها موجات من التغيير طالت العالم كله وعلى رأسه المسلمين، وبدعوى محاربة التطرف والإرهاب والتشدد الإسلامي يجري اليوم العمل في دوائر السياسة الأمريكية.. لتشكيل نموذج إسلام هجين يمزج ما بين المعتقدات الإسلامية و"التحرر" و"التسامح" و"الانفتاح" وهي كلمات حق يراد بها باطل.
وأحسب أن دعاة حقوق المرأة والمساواة سيفرحون بشكل كبير لتحقيقهم نصرا عظيما وخطوة أولى على الطريق في مشروع تمييع الإسلام وتحويله إلى "الإسلام العصري".
بعض المروجين حاولوا التبرير للدكتورة أمينة، فقالوا أنها حاولت لفت الأنظار إلى حقوق المرأة المسلمة في الدعوة.. وكأننا انتهينا من قضية المساواة بين المرأة والرجل حتى يدخلوننا في المساواة حتى في التأصيل الشرعي لديننا.
تصرف شاذ، جاء نتيجة غياب المرجعيات الدينية للمسلمين.. وليس غياب هذه المرجعيات فقط هو ما أدى إلى ظهور هذه المحاولات لاستهداف الإسلام من الداخل.. بل تساهل المرجعيات الدينية وانصياعها لحملات الضغوط والتأثير، ولنا في قضية الحرب على الإرهاب أكبر مثالا.. إذ طلب من العلماء محاربة مفهوم الجهاد باسم الحرب على الإرهاب، كما تم تشديد الخناق على المدارس الدينية والجمعيات الخيرية وطلب تعديل المناهج بل تغييرها.
القضية إذا حلقة في سلسلة تطويع الإسلام وتمييعه وتهجينه، والولايات المتحدة اليوم تحارب الإسلام من الداخل فهي على قناعة تامة بأن أسلوب المواجهة المباشرة بات أسلوبا غير مجد.
أما الأسلوب الأكثر جدوى فهو محاولة إحداث تغيير من الداخل، بل محاولة نسف الثوابت والمعتقدات التي تقوم عليها عقيدة المسلم وصولا إلى أجيال وأجيال من الشباب المسلم العصري الذي لا يرى ضيرا في الاختلاط مثلا في الصلاة!
القضية أخطر مما تبدو.. والحفاوة الإعلامية التي حظيت بها القصة جديرة بالالتفات إليها.
ثمة من يقولون بأنها زوبعة في فنجان حركتها حملة إعلامية مدروسة قوامها مسلمو أمريكا.. وهنا لا بد أن نتوقف قليلا عند هذا الجانب.. فبعض المسلمين في أمريكا يقومون من حيث لا يعلمون بدور غاية في الخطورة.. تحت لافتة فقه الواقع وتحت مبرر أنهم في بيئة مغايرة.. وينبغي أن نلتمس للبعض منهم أعذارا في طريقة تعاطيهم مع الأمور.. الإسلام الأمريكي جزء كبير منه مشوه.. غير حقيقي وقائم على الضلالات والبدع والخرافات.. إنه إسلام أمريكي يرتدي قبعة الكاوبوي الأمريكي بدل العمامة..
على سبيل المثال جماعة "أمة الإسلام" التي يتبعها عدد غير قليل من مسلمي أمريكا لديها الكثير من المغالطات والممارسات الخاطئة التي تدخل أحيانا في أصول العقيدة الإسلامية.
وهذا هو نمط الإسلام الذي تريد أمريكا أن تنشره في المنطقة بالتدريج وعبر طرق شتى في مقابل الإسلام التقليدي الذي تعتقد أنه يشكل خطرا عليها.
أخطر ما في القضية أن هنالك استخفافا واضحا بمشاعر ملايين المسلمين في المعمورة الذين أحسوا أنهم طعنوا في دينهم وفي أخص خصوصياتهم.. ماذا لو طالب البعض بأن تتولى إدارة الفاتيكان امرأة بدل البابا.. بدون شك ستقوم الدنيا ولا تقعد.
والأكثر من ذلك طبيعة علاقة الشرق العربي المسلم بالغرب التي باتت تأخذ طابعا من الإملاء والتبعية وطمس الهوية، فهل هذا ما نرجوه من حوارنا مع الغرب والانفتاح عليه والجلوس إليه؟!
باعتقادي إن خطورة الترويج لمثل هذه التقليعات باسم الإسلام المعتدل تنبع من أنه من شأنها تبرير تنامي وصعود التيار الإسلامي "المتطرف"، كما يصفه الغرب الذي ينطلق من قاعدة شعوره بالمظلمة وبأن الإسلام مستهدف حتى في أخص خصوصياته وثوابت عقيدته الأمر الذي يعيدنا إلى الجدل مجددا بخصوص "الآخر" والتعاطي معه وتقبله.
ولفهم طبيعة الإسلام الذي ترغب به أمريكا لا بد من فهم طريقة تفكير الأمريكيين حيال الأمر.
فالمجادلات العامة بعد أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة أثارها اثنان من اليمين، هما صمويل هنتنتون من هارفارد وبرنارد لويس من برنستون، وبينما يعتقد هنتنتون أن الحرب الحقيقية سوف تكون حرب حضارات، في قلبها الحرب مع الإسلام. يرى برنارد لويس أن هناك مسلمين علمانيين أخيارا ومسلمين أصوليين أشرارا، وأن الغرب في حاجة للتمييز بينهم. وبالمناسبة لويس هذا كان مصدر إلهام رئيسي وراء الحرب على العراق.
يساهم لويس وهنتنتن في فرضيتين مشتركتين. الأولى هي أن العالم مقسم إلى عالم معاصر وعالم ما قبل المعاصرة، الفرضية الثانية هي أنك تستطيع قراءة الأدبيات السياسية للشعب من خلال ثقافتهم. وهاتين الفرضيتين هما حوار الحضارة.
آثار كارثة العراق أدخلت هذه النظرية في أزمة. المسلم الطيب هو عنوان هؤلاء المسلمين الذين يعتبرون موالين لأمريكا، والمسلمون الأشرار هم أولئك الذين في محل شك أنهم مناهضون لأمريكا. حوار الحضارة ليس خطأ فقط، إنه مخادع لنفسه لأنه يقوم على إلصاق العنف بحضارة وثقافة ما.
وما تبحث عنه أمريكا هوا لإسلام السياسي المعاصر، ولكن بمقاييس أمريكية خالصة.
23-3-2005