أقدام الدب الروسي هل توقظ المصالح العربية؟!
عصام زيدان
25 محرم 1428هـ الموافق له 12- 2- 2007م
الخبر:
قام الرئيس الروسي "فلاديمير بوتن" بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية تستغرق يومين، ثم ينتقل بعدها إلى المحطة الثانية الدوحة, ويختم جولته بلقاء العاهل الأردني في العاصمة عمان.
التعليق:
زيارة بوتن للمملكة العربية السعودية هي الأولى لرئيس روسي منذ قيام العلاقات منذ ما يقرب من 80 عاماً, وإن كانت العلاقات وعين الدب الروسي لم تغب عن المنطقة يوماً من الأيام, رغم أن هذا الاهتمام يشهد تذبذبات وتعرجات بفعل العوامل الداخلية التي أسفرت عن انفراط عقد الإمبراطورية الروسية, ومقدار الاهتمام والتغلغل الأمريكي المؤثر على ما تبقى من النفوذ الروسي في المنطقة.
وتحمل الزيارة في طياتها دلالات متعددة، وتكاد تخلو من أجندة سرية، أو أهداف متوارية, فقد جاءت الزيارة في توقيت تشهد فيه الولايات المتحدة تحديات متعددة على أكثر من صعيد, فجيشها في العراق يلفظ أنفاسه المتبقية على عجل, وإيران التي سبقت وأن تعاونت إلى أقصى مدى في حرب أفغانستان والعراق تبحث عن جزء أكبر من الكعكة, وتمردت على الفتات الأمريكي, فيما يشهد الداخل صراعاً محموماً بين الديمقراطيين الجمهوريين جعل بوش وإدارته كما يقال كالبطة العرجاء.
إذن هذا التوقيت الذي يشهد تصدعاً في مؤشر الصعود الأمريكي هو الأنسب للدب الروسي من وجهة نظره كي ينشب مخالبه في المنطقة مرة أخرى، ويمتن مواقعه في الخليج بعد أن فعل الأمر ذاته في المغرب العربي العام الماضي, والشمال العربي قد ضمن ولائه حيث يرغب هو الآخر بقوة في هذه العودة الروسية للساحة الدولية.
فقد شن بوتين حرباً إعلامية على الولايات المتحدة وسياستها قبيل زيارته للمنطقة, ففي خطابه في مؤتمر السياسة الأمنية السبت الماضي في ألمانيا وصف الولايات المتحدة بأنها تخطت حدودها بالانفراد دولياً بالقرارات والتسلط, وأنها مفرطة في التصرف الأحادي غير الشرعي, وهو ما استدعى رداً من قبل وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بأن حرباً باردة واحدة بين البلدين كافية.
الدلالة الأولى إذن تتخلص في رغبة بوتن في العودة المسرعة بروسيا إلى ممارسة دورها القيادي في العالم, ومن خلال بوابة الشرق الأوسط استغلالاً لحالة الترهل والضعف الأمريكية, وما قد ينشأ من فراغ قوي يخلفه انحسار النفوذ الأمريكي.
وفي الحقيقة ليست روسيا وحدها التي تبحث عن دور عالمي من خلال بوابة الشرق الأوسط، وتتحسب لانحسار الوجود الأمريكي, فألمانيا منذ تولي إنجيلا ميركل تولي عناية بالشأن العالمي والأجندة الخارجية لاسيما منطقة الشرق الأوسط, فقد دخلت بقوة في منظومة البحث عن حل لمشكلة النووي الإيراني من خلال ما عرف بمجموعة (5+1)، كما تحاول بقوة أن تدس أنفها في الصراع بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
والصين هي الأخرى تسعى حثيثاً ومن خلال النفوذ الاقتصادي لإرساء وجود قوي ومستمر في المنطقة.
الدلالة الثانية تشير إلى تبدلات ميزان القوى داخل المنظومة العربية, فبعد أن كانت مصر بؤرة وركيزة التوجهات نجد أن السعودية ومنطقة الخليج على وجه التحديد باتت أكثر أهمية في نظر القوى الخارجية, إذ انحسر الدور المصري وتقلص إلى حد بعيد حتى في الملفات قريبة الصلة بأمنه القومي - ومنها القضية الفلسطينية - لصالح أطراف خليجية على رأسها السعودية وقطر التي باتت المحطات الأولى والأكثر أهمية لقادة الدول الكبرى.
الدلالة الثالثة وهي الأهم أن الشرق الأوسط والمنطقة العربية على وجه التحديد تدخل في بوتقة جديدة من التوازنات الدولية، وصراع المصالح بين الدول الكبرى والراغبة في أن تكون كذلك, ومن ثم فإن تنازعات قد تنشأ ومصالح متعارضة قد تضرب بقوة في الصف العربي المتداعي من الأساس، وتذهب بما تبقى منه, ما لم تكن هناك مصالح قومية عليا تحكم سلوك الدول العربية، وتتخلى طوعاً عن قدر من مصالحها الذاتية الضيقة والآنية لصالح الكل العربي، وهو ما سيعود على الجميع حتماً بمصالح استراتيجية قد تتوارى حالياً وسط الضباب الكثيف الذي يلف العلاقات في الداخل العربي.