أسس السياسة الشرعية (10) تنزيل الأدلة على أحوالها المختلفة
ومن طرق الاستدلال السياسي: تنزيـل الأدلـة على أحوالهـا المختلفـة.
أولاً: المراد بهـذه الطريـق.
المراد بها: حمل الأدلة التي يظهر بينها اختلاف وتعارض في نظر المجتهد - مما ليس منسوخاً - على الأحوال التي وردت هذه الأدلة في بيان أحكامها؛ بحيث يلزم المجتهدَ البحثُ في موارد هذه الأحكام تنظيراً وتطبيقاً، وتنزيل هذا الاختلاف الذي ظهر له على اختلاف هذه الموارد (1).
مثالـه: أحكام الأسرى؛ فقد جاء ما يدلّ على قتلهم، وجاء ما يدلّ على استرقاقهم، وجاء ما يدلّ على المنَّ عليهم بلا شيءٍ، وجاء ما يدلّ على إطلاقهم بفداء؛ فهذه الأحكـام لا تعارض بينها كما سيأتي بيانه في التطبيقات المعاصرة للسياسة الشرعية، إن شاء الله - تعالى - و إنَّما جاءت بياناً لأحكام أحوالٍ مختلفة.
ثانياً: حجية تنزيل الأدلة التي ظاهرها التعارض على أحوالها.
لم يطل العلماء في تقرير هذه الطريق بذكر الدلائل، ولعلَّ ذلك؛ لظهورها، وتقرَّر الاستدلال بها لديهم، لاستنادها على أصول متقرِّرة؛ فمن الدلائل على حجيَّة هذه الطريق ما يلي:
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: " المقرّر في علم الأصول وعلم الحديث أنَّه: إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعاً، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنَّهما صادقان، وليسا بمتعارضين، وإنَّما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأنَّ إعمال الدليلين معاً أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى "
1) ما هو مُتقَرِّرٌ من أنَّ الشريعة لا تُثْبِت حكمين مختلفين في مسألة واحدة؛ بحيث يفيد أحدهما مثلاً الوجوب والآخر الحرمة، في نفس الأمر؛ وذلك بناءً على ما هو مسلَّمٌ من امتناع الاختلاف بين الأدلة الشرعية في واقع الأمر، ورجوع الشريعة كلها إلى قول واحد؛ ولأنَّ من لازم ذلك التناقض والعبث والجهل، و الشارع الحكيم منَزَّهُ عن ذلك - سبحانه وتعالى -، والدلائل على هذا أظهر من أن تذكر، فلا حاجة للإطالة بذكرها؛ وهذا لا ينافي وجود تعارض واختلاف ظاهري في فهم الناظر وظنِّه.
وفي هذا يقول الشاطبي: " الشريعة كلُّها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف، كما أنَّها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك " (2).
2) إجماع العلماء على اعتبار هذه الطريق في الاستدلال.
قال الشوكاني: " ومن شروط الترجيح التي لابد من اعتبارها: أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول؛ فإن أمكن ذلك تعيَّن المصير إليه، ولم يجز المصير إلى الترجيح، قال في المحصول: العمل بكلٍ منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه، وترك الآخر. انتهى. وبه قال الفقهاء جميعاً " (3).
وقال الشنقيطي: " … والمقرّر في علم الأصول وعلم الحديث أنَّه: إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعاً، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنَّهما صادقان، وليسا بمتعارضين، وإنَّما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأنَّ إعمال الدليلين معاً أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى " (4).
3- من المعنى، وهو ما عبَّر عنه العلامة أبو الوليد الباجي بقوله في الأخبار إذا اختلفت: " والحجّـة في ذلك أنَّ الخبرين إذا ثبتا جميعاً ليس أحدهما أولى من صاحبه، ولا طريق إلى إسقاطهما، ولا إلى إسقاط أحدهما، وقد استويا وتقاوما وأمكن الاستعمال؛ فلم يبق إلا التَّخَيُّر فيهما، وإن كان كلُّ واحد منهما سدَّ مَسَدَّ الآخر، وصار بمنزلة الكَفَّارة التي دخلها التخيُّر والله أعلم " (5).
ثم العملُ بها ظاهر في كتب أهل العلم المحققين من أهل الفقه والحديث؛ بل ومن غيرهم، لا يحتاج في إثباته أكثر من تَصَفُّحٍ سريع لأدلة المسائل التي تعدَّدَت فيها الروايات؛ مما يؤكِّد حكاية الإجماع على هذه المسألة؛ وهذا بعض كلام أهل العلم في تقريرها:
المراد بهذه الطريق أو القاعدة: حمل الأدلة التي يظهر بينها اختلاف وتعارض في نظر المجتهد - مما ليس منسوخاً - على الأحوال التي وردت هذه الأدلة في بيان أحكامها؛ بحيث يلزم المجتهدَ البحثُ في موارد هذه الأحكام تنظيراً وتطبيقاً، وتنزيل هذا الاختلاف الذي ظهر له على اختلاف هذه الموارد
قال الإمام الشافعي: " وكلَّما احتمل حديثان أن يستعملا معاً استُعْمِلا معاً، ولم يُعَطَّل واحدٌ منهما الآخر "، ثم ذكر مثالاً لنوعٍ من الاختلاف الظاهري، فقال: " ومنها ما يكون اختلافاً في الفعل من جهة أنَّ الأمرين مباحان " وذكر من أمثلته: تنوّع الحكم في الأسرى، وقال: " فكان فيما وصفت من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن للإمام إذا أسر رجلاً من المشركين أن يمنّ عليه بلا شيْءٍ، أو أن يفادي بمال يأخذه، أو أن يفادي بأن يُطلق منهم على أن يُطلقَ له بعضَ أسرى المسلمين؛ لا أنَّ بعض هذا ناسخٌ لبعض، ولا مخالف له " (6).
وقرَّر ذلك وبيَّن وجهه في: الرسالة، حيث قال: " فأمَّا المختلفـة التي لا دلالة على أيّها ناسخ ولا أيّها منسوخ؛ فكلّ أمره مُتَوَفِّقُُ صحيح، لا اختلاف فيه … ويسنُّ في الشيءِ سنة، وفيما يخالفه أخرى؛ فلا يُخَلِّصُ بعضُ السامعين بين اختلاف الحالين اللتينِ سنَّ فيهما. ويَسنُّ سنَّة في نصٍّ معناه، فيحفظه حافظٌ، ويسنُّ في معنىً يخالفه في معنىً و يجامعه في معنىً: سنَّةً غيرَها لاختلاف الحالين، فيحفظُ غيرُه تلك السنَّة؛ فإذا أدَّى كلٌّ ما حفظ رآه بعض السامعين اختلافاً، وليس منه شيءٌ مختلفٌ " (213-214).
وقد نفى الإمام الطبري أن يكون الاختلاف في مثل ذلك مورداً من موارد النسخ، وبيّن أنه من قبيل اختلاف الأحكام باختلاف المعاني، الذي هو من الحكمة البالغة المفهومة عقلاً وفطرة؛ حيث قال: " فإنَّما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه ثم خولف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة؛ وأما اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد فذلك هو الحكمة البالغة والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل " (جامع البيان: 2/473).
وبيَّن الحافظ الحازمي- بعد ذِكْرِهِ أنَّ من شروط النسخ كون الخطاب الناسخ متراخياً - أنَّ الخطابين المختلفين المتراخيين، إن كانا متصلين فلا يسمى نسخاً،، وإن كانا منفصلين: " نظرت: هل يمكن الجمع بينهما أم لا؟ فإن أمكن الجمع جمِعَ؛ إذ لا عبرة بالانفصال الزماني مع قطع النظر عن التنافي؛ ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجهٍ يكون أعمّ للفائدة كان أولى؛ صوناً لكلامه عن النقض؛ ولأنَّ في ادِّعاءِ النسخ إخراج الحديث عن المعنى المفيد، وهو على خلاف الأصل " (7).
ثم العملُ بهذا الطريق وهذه القاعدة، ظاهر في كتب أهل العلم المحققين من أهل الفقه والحديث؛ بل ومن غيرهم؛ لا يحتاج في إثباته أكثر من تَصَفُّحٍ لأدلة المسائل التي تعدَّدَت فيها الروايات؛ مما يؤكِّد حكاية الإجماع على هذه المسألة.
وقال جمال الدين الإسنوي: " إذا تعـارض دليلان، فالعمل بهما ولو من وجه أولى من إسقاط أحدهما بالكُلِّيـَّة؛ لأنَّ الأصل في كلِّ واحدٍ منهما، هو الإعمال" (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول: 506).
وقال ولي الله الدهلوي: " الأصل أن يعمل بكل حديث إلا أن يمتنع العمل بالجميع للتناقض، وأنَّه ليس في الحقيقة اختلاف، ولكن في نظرنا فقـط …"، ثم ذكر طرائق للجمع ومنها: " أن يكون هناك علَّـة خفيـة توجب، أو تحسِّن أحـد الفعلين في وقت، والآخر في وقت، أو توجب شيئـاً وقتاً وترخِّص وقتـاً؛ فيجـب أن يُفحص عنها …" (الحجة البالغة: 1/398).
هذه بعض نصوص العلماء في تقرير هذه الطريق وهذه القاعدة في فهم نصوص الشارع، وإليها يرجع الاختلاف بين الفقهاء في جملة من مسائل السياسة الشرعية عند التنظير والتطبيق، من حيث ترتيب سلوكها وعدمه. (8)
وسيتبين الموضوع أكثر في الطريق التالية: مراعاة نوع التصرف النبوي، إن شاء الله - تعالى -.
------------
(1) يبحث العلماء هذه الطريق تحت ما يعرف بـ(الجمع بين الأدلة)؛ و يذكرها آخرون في: مباحث الترجيح، و مباحث النسخ، وما يتعلق بذلك في علمي الأصول، ومصطلح الحديث، كما يتعرضون لها عند الجمع بين الأدلة في مسألة فقهية متفرعة عن هذه الطريق.
(2) ينظر: الموافقات، للشاطبي: 5/59
(3) إرشاد الفحول: 2/ 381-382. و ينظر: المحصول، للرازي [مع شرحه: نفائس الأصول في شرح المحصول، للقرافي]: 8/3846.
(4) أضواء البيان: 3/242، (الحج: 27)
(5) الإشارة في أصول الفقه أبو الوليد سليمان بن خلـف الباجي (ت/450): 251، ط2-1418، ت/ عادل أحمد عبد الموجود و علي محمد عوض، مكتبة نزار مصطفى الباز: مكة المكرَّمة. وهذا مقيَّـد بالنسبة للحاكم في إدارة الأمـور العامـة بالمصلحة، كما هو معروف في قاعدة: " تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة ". ينظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي: 233؛ والمنثور في القواعد، للزركشي: 1/309
(6) اختلاف الحديث، ملحق بآخر كتاب " الأم ": 9/541، 551، ط1-1413، بتخريج وتعليق/ محمود مطرجي، دار الكتب العلمية: بيروت.
(7) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، للحازمي: 54.
(8) ينظر مزيداً من بحث هذه المسألة - إضافة إلى المصادر السابقة - عدداً من الكتب، من مثل: المستصفى، للغزالي: 2/476 وما بعدها؛ ونفائس الأصول، للقرافي: 8/3846 وما بعدها؛ و شرح الكوكب المنير، لابن النجَّار: 4/609؛ والذخيرة، للقرافي: 1/135؛ وتيسير التحرير، لأمير باد شاه: 3/137؛ وإعلام الموقعين، لابن القيم: 2/338، 349، وذكر ضمن ذلك أمثلة للجمع بين الأدلة؛ وقواعد التفسير جمعاً ودراسة، د. خالد بن عثمان السبت: 2/698، ط1-1417، دار ابن عفان: الخبر، السعودية؛ وجميع ما كتب في اختلاف الحديث، ومن أواخر ما كتب في ذلك كتاب: مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين، د. نافذ حسين حمّاد، ط1-1414، الوفاء للطباعة والنشر: المنصورة. وفيه جمع حسن وبيان لقاعدة الجمع، وبيان لشروطه، وأنواعه من مثل: الجمع ببيان اختلاف مدلولي اللفظ والحال والمحل والأمر والنهي، والعام والخاص بأقسامه والمطلق والمقيد.
27/11/1427