أسس السياسة الشرعية(11) مراعاة نوع التصرف النبوي

 

ومن أهم قواعد تنزيل الأدلة على أحوالها المختلفة، قاعدة: مراعاة نوع التصرف النبوي.

تنزيل الأدلة على أحوالها المختلفة، له قواعده المعتبرة؛ من مثل النظر في أسباب نزول الآيات، وأسباب ورود الأحاديث، وما تتضمنه من الأدلة من قيود وأوصاف مؤثِّرة؛ وهذه قواعد ووسائل ظاهرة؛ لكن من القواعد - التي قد تخفى مع أهميتها في مباحث السياسة الشرعية -:

النظر في نوع التصرف النبوي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتصرف بصفات عدَّة؛ إذ هو الرسول، وهو المفتي، وهو الإمام، وهو الحاكم؛ ولكلِّ صفة منها خصائص استنباطية؛ وعليه فلا بد من مراعاة معرفة نوع التصرف النبوي الذي يراد الاستنباط منه:

هل صدر من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بوصفه مُبَلِّغاً عن الله - تعالى -، الذي هو مقتضى الرسالة؟

أو صدرت منه - صلى الله عليه وآله وسلم - بوصفه مفتياً (يُنظر فوائد متعلقة بالمسألة في آخرها)، يخبر بالحكم الذي فهمه عن الله - عز وجل -؟

لكن من القواعد - التي قد تخفى مع أهميتها في مباحث السياسة الشرعية -: النظر في نوع التصرف النبوي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتصرف بصفات عدَّة؛ إذ هو الرسول، وهو المفتي، وهو الإمام، وهو الحاكم؛ ولكلِّ صفة منها خصائص استنباطية.

 

أو صدرت منه - صلى الله عليه وآله وسلم - بصفته إماماً أعظم، يسوس الأمَّة؛ " لأنَّ الإمام هو الذي فُوِّضت إليه السياسة العامّة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس" (1)؛ فيقتدي به الخلفاء والأئمة في هذه التصرفات؟

أو صدرت منه - صلى الله عليه وآله وسلم - بصفته حاكماً، يصدر أحكاماً قضائية؟

هذه أسئلة ينبغي على الفقيه بعامة والفقيه السياسي بخاصة أن يراعيها عند نظره في الدليل الشرعي من تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 

قال القرافي - رحمه الله -: " اعلم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم؛ فهو - صلى الله عليه وسلم - إمام الأئمة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء؛ فجميع المناصب الدينية فوضها الله - تعالى -إليه في رسالته … غير أنَّ غالب تصرّفه - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ؛ لأنَّ وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته - صلى الله عليه وسلم -:

 منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً [كإبلاغ الصلوات، وإقامتها، وإقامة مناسك الحج] (2)، ومنها ما يُجمع النَّاس على أنَّه بالقضاء [كإلزام أداء الديون، وتسليم السلع، وفسخ الأنكحة] (3)، ومنها ما يُجمع النَّاس على أنَّه بالإمامة [كإقطاع الأراضي، وإقامة الحدود، وإرسال الجيوش] (4)، ومنها ما يختلف العلماء فيه [كإحياء الموات، والاختصاص بالسلب لمن قتل الحربي] (5)؛ لتردُّده بين رتبتين فصاعداً، فمنهم من يُغلِّب عليه رتبة، ومنهم من يُغَلِّب عليه أخرى.

ثم تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة؛ فكان ما قاله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة …

 

وكل ما تصرف فيه - عليه السلام - بوصف الإمامة، لا يجوز لأحد أن يُقدم عليـه إلا بإذن الإمام … وما تصرف فيـه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء، لا يجوز لأحد أن يُقدم عليه إلا بحكم حاكم … " (6).

 

جميع تصرفات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، بجميع صفاته، مما لم يثبت اختصاصه به - صلى الله عليه وسلم -، فهي تشريع لأمته، سواء منها ما كان عاما ككل ما صدر عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - بصفته مبلغاً ومفتياً، أو ما كان خاصاً، كالصادر عنه بصفة الإمامة العظمى والولاية أو الحكم والقضاء. وهذا أمر متقرِّر عند علماء الأمَّة.

ومما يجب التنبّه له هنا، أنَّ المسألة من أخطر مسائل الاستدلال، وهذا أمر يدركه محققوا الفقهاء ولهم في التحقق منه ضوابط لا يتجاوزونها، غير أنَّ بحث هذ المسألة في هذا العصر الذي كثر فيه المشغِّبون على شرع الله والمتهاونون في التثبت من سلامة طرقهم في الاستدلال - يقتضي التنبيه على أهم ضوابط هذه القاعدة عند العلماء، وذلك بإيجازها في أمرين:

الأول: أنَّ جميع تصرفات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، بجميع صفاته، مما لم يثبت اختصاصه به - صلى الله عليه وسلم -، فهي تشريع لأمته، سواء منها ما كان عاما ككل ما صدر عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - بصفته مبلغاً ومفتياً، أو ما كان خاصاً، كالصادر عنه بصفة الإمامة العظمى والولاية أو الحكم والقضاء. وهذا أمر متقرِّر عند علماء الأمَّة.

 

الثاني: أنّ الأصل في تصرفاته - صلى الله عليه وسلم -، هو الفتيا، فلا يجوز قصر تصرف على وصف سواه، إلا بدليل شرعي معتبر عند أهل العلم، سواء كان دليلاً خاصاً أو إجماعاً، كما في الأمثلة السابقة.

 قال الشيخ العلامة المحقق سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام - رحمه الله -: في بيانه أمثلة قاعدة الشريعة في الحمل على الغالب والأغلب: " ومنها: أنَّ من ملك التصرف القولي بأسباب مختلفة، ثم صدر منه تصرف صالح للاستناد إلى كلِّ واحد من تلك الأسباب، فإنَّه يُحمل على أغلبها.

فمن هذا تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفتيا والحكم والإمامة العظمى، فإنَّه إمام الأئمة، فإذا صدر منه تصرُّف، حُمِل على أغلب تصرفاته، وهي الإفتاء، ما لم يدل دليل على خلافه. " (7).

 

فهذه قاعدة مهمَّة جدّاً؛ و قد نبَّه إلى مراعاتها عددٌ من المحققين من العلماء، و بيَّنو بعض قواعد ضبطها (8)؛ وإن كانت لا تزال في حاجة إلى دراسة تأصيلية أعمق، وأضبط؛ تعتمد استقراء التصرفات النبوية من مصادرها، ثم إعمال النظر التأصيلي فيها.

 

فوائد ذات صلة:

الفائدة الأولى:

فرق القرافي - رحمه الله - بين التبليغ (الرسالة) والفتيا، بـ: أنَّ الأوّل: تبليغ ونقل من الله - تعالى -إلى الخلق، والثاني: إخبار عن حكم الله - عز وجل - بما يجده في الأدلَّة؛ فهو كالفرق بين الرسالة والفتيا. (9)

الأصل في تصرفاته - صلى الله عليه وسلم -، هو الفتيا، فلا يجوز قصر تصرف على وصف سواه، إلا بدليل شرعي معتبر عند أهل العلم

 

الفائدة الثانية:

ولعل من أوائل من نصُّوا على ذلك في تقسيماتهم بوضوح، الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبّان التميمي، في كتابه: المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع (المشهور بصحيح ابن حبَّان)؛ حيث ذكرها في خطبة كتابه، ونصّ عليه بعدُ آخرون.

تنظر: مضمَّنة في: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبَّان، للأمير علاء الدين الفارسي؛ الفصل الثاني: 1/103-107، القسم الخامس من أقسام السنن، الأنواع (3، 11، 27، 36، 38، 40، 42، 45).

ولعلّ من أكثر العلماء السابقين اهتماماً بتأصيل ذلك وتحريره والتنبيه إلى أهميته في فهم التشريع، العلامة القرافي ولعلّه أفاد ذلك من شيخه العز بن عبد السلام - رحمهما الله - تعالى -.

 

-------------

(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي: 105.

(2) (3) (4) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي: 109.

(5) ينظر: المصدر السابق: 109، 116؛ والفروق: 207-209.

(6) الفروق: 1/206.

(7)قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 2/244.

(8) ينظر في بيان هذه القاعدة: المصدر السابق؛ والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي: السؤال الخامس والعشرون ولا سيما ص: 108 وما بعدها؛ والفروق، له: الفرق السادس والثلاثون: 1/205-209؛ وإدرار الشروق على أنواء الفروق، لابن الشاط (ت/723) [بهامش الفروق]: 1/206-207؛ و زاد المعاد، لابن القيم: 3/490-491؛ و حكم الجاهلية، للشيخ/ أحمد بن محمد شاكر (ت/1377): 129-130، ط1-1412، عناية/ محمود شاكر، مكتبة السنة: القاهرة؛ وتعليق الشيخ/ أحمد شاكر على: الرسالة، للشافعي: 240-242، بتحقيقه.

(9)ينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، للقرافي: 99-100.

 

 15/12/1427

 

http://www.almoslim.net                        المصدر: