لا غنى لنا عن الله ..
د. أمير الحداد
صاحبي ألتقيه بين فترة وأخرى بعد صلاة العصر في الممشى الموازي لشاطئ البحر.. في المرة الأخيرة كان بطيء السير.. شارد الفكر.. أدركته في سيري رغم تأخري عنه في البداية لأكثر من عشر دقائق.. أسرع الخطى ليبقى معي.. بدأ حديثه.. وكأنما كان ينتظر هذه الفرصة (ليفضفض)..
- أشعر أن المجتمع يضغط علي.. في قضية الزواج.. الكل يريدني أن أتزوج.. وأنا أرى أنني غير مؤهل للزواج بعد..
- ماذا تعني غير مؤهل؟
- أقصد أنني بدأت العمل منذ أربعة أشهر.. ولدي طموح أن أجمع مبلغاً.. أشتري به منزلاً.. أكوّن عملي الخاص.. أمور كثيرة أشعر أن فيها مخاطر.. لا أريد أن (أورط) بنت الناس معي.. عندما أشعر بالاستقرار والأمان يمكن أن أتزوج..
- وجهة نظر جيدة.. ولكن متى ستشعر بالاستقرار والأمان.. إن أحدنا لا ضمانة عنده ألا يصيبه شيء.. ما يدريك؟.. ربما - لا قدر الله - بعد أن تشعر بالاستقرار يقع لك حادث فيصيبك بالشلل النصفي أو التام.. وربما يصيب زوجتك مرض يجعلها نزيلة دائمة للمستشفى.. وربما يرزقك الله ولداً معوقاً.. وربما تدخل في تجارة فتقع ضحية عملية نصب.. الدنيا لا أمان فيها.. إلا الإيمان بالله والتوكل عليه..
كان صاحبي ينصت.. باهتمام وأنا أتحدث بصعوبة لسرعة المشي..
- انظر إلى من حولك من الذين تصفهم (بالنجاح).. وذكرت له أسماء بعض الذين تبوؤوا مراكز مالية أو حكومية مرموقة.. كلهم تزوجوا في سن أقل من سنك.. ولم يكن الزواج معوقاً لنجاحهم.. المرء يزن الأمور بميزان الشرع.. فما وافق الشرع أقدم عليه.. وما خالف الشرع تركه.. والشرع يقول لك: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج).. ولكن أن تؤجل حتى تشعر بالأمان والاستقرار.. فإنك في جميع الأحوال لا غنى لك.. ولا لأحد.. غنى عن الله - عز وجل -.. فلا يغرنك الشيطان ويعطيك الشعور بأنك ستكون بأمان إذا وصلت إلى كذا وكذا.. أو حققت كذا وكذا.. الأمان الوحيد.. هو الإيمان بالله والتوكل عليه.. بل واللجوء إليه.. لا أخذ الاحتياطات للأمان من قدره.. فإنه لا أمان من الله إلا بالله.. وما قضى الله سيكون.. والجميع فقير إلى الله.. في كل شيء - يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد- >فاطر: 51<..
في جميع الأحوال.. وجميع مراحل العمر لا غنى لنا عن الله.. ندعوه ونرجوه.. نلجأ إليه.. نتضرع إليه.. أن يحفظنا وأبناءنا وأموالنا.. وألاَّ يمنع عنا فضله.. ويرفع عنا رحمته بسبب ذنوبنا وتقصيرنا.. فإن الله مهما قضى من قضاء لا يظلم أحداً.. أبداً.. لا في الدنيا ولا في الآخرة.. هذه عقيدة.. مهما كان قضاء الله على العبد.. فإنه لا ظلم فيه البتة {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} >النساء: 04<.. ومن أسمائه - عز وجل -.. -الحق - واللطيف - والرؤوف - والعفو- والبر- والرحيم - والغني- فهو - سبحانه - لا يظلم أحداً.. بل يعامل عباده بهذه الأسماء الحسنى التي مقتضاها.. الرأفة بالعباد.. والرحمة بهم.. والعفو عنهم.. والتفضل عليهم مهما كان منهم.. فلا تظن أنك ستبلغ مرحلة تكون في غنى عن الله - عز وجل -.. فربما تكون هذه العقيدة سبباً في ابتلاء يجعلك تلجأ لجوءاً دائماً إلى الله لا تغفل عنه لحظة واحدة..
كان صاحبي منصتاً منذ بدأت الكلام..أدركت مركبتي..وانتهى وقت رياضتي.. طلبت إليه أن يزورني لنتابع الحديث..
ودعني بابتسامة حائرة.. لا أدري أقنعته.. أم لا..