لذة الحلال
د. أمير الحداد
صاحبي من القائلين: (كل ممنوع مرغوب)
- ليس لدي شك بأن الذي يرغب فيما حرم الله - عز وجل - لديه خلل في إيمانه.. وذلك لأن الله امتن على المؤمنين بأن كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.. - ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان- (الحجرات).
- إذاً ما الدافع لدى جميع الناس.. أو معظمهم.. لكي يرغبوا فيما يمنعون عنه؟!
- وهل يعرضون عن الشيء إذا نالوه؟!
- كلا.. ولكن يقل حرصهم عليه..
- دعنا لا نتكلم في العموميات.. اختر شيئاً محدداً..
- الخمر مثلاً..
- تعجبت من اختيار صاحبي.. تابع حديثه..
- حقيقة.. الخمر مرغوبة لأنها ممنوعة.. وفرها للناس.. يقل طلبهم لها..
قلت باستغراب شديد..
- تتحدث وكأنك على يقين من أمرك.. من قال إنك إذا وفرت الخمر للناس سيقل طلبهم لها.. ثم.. من قال إن الخمر مرغوبة لأنها ممنوعة؟! إن الذين يشربونها.. إنما يدفعهم الإدمان.. والمداومة عليها ويزينها لهم الشيطان.. وترضي شهوات أنفسهم.. بالله عليك ما اللذة في شراب يحرق الأحشاء.. ويذهب العقل.. ويسبب الصداع.. ويفقد الإنسان كرامته؟! حتى العاقل من غير المسلمين يقر بأن الخمر لا خير فيها.. وأين هذه اللذة من لذة شراب بارد حلال في جو حار بعد عطش وتعب؟! شربة.. تشعر بها فترقرق من طرف لسانك إلى أعماق أحشائك.. هذه هي اللذة.. أما الخمر فليس فيها لذة للمسلم في الدنيا ولكن لذته في الآخرة.. - وأنهار من خمر لذة للشاربين -.. - لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون -.. هذا هو الخمر الذي ينبغي أن يسعى له العاقل.. أما خمر الدنيا.. فلا خير فيها.. وكذلك كل حرام.. ومن قال إن في الحرام لذة.. فإنه مصاب بخلل في إيمانه.. وحتى هذا لذته لحظة وقوعه.. أما بعد الوقوع في الحرام.. فلا لذة له.. أما الحلال.. فلذته تبقى.. انظر إلى العلاقة الطيبة مع الزوجة.. انظر إلى الكسب الحلال من التجارة.. انظر إلى الطعام الحلال والشراب الحلال.. كلها طيبات يتلذذ بها المؤمن ويتمتع.. وفي ذات الوقت يرضي الله - عز وجل -.. كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (وفي بضع أحدكم صدقة.. قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ). أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزَر؟ ) كل حلال.. لذيذ.. لمن كان صاحب فطرة سليمة.. وكل حرام كريه.. ومن استحسن الحرام وتلذذ فيه.. يكون ذلك للحظة وتزول.. أما الحلال فيبقى..
تردد صاحبي قبل أن يرد..
- بصراحة.. هذه نظرة غريبة.. لم أسمعها من قبل.. مع أنها منطقية.. وأظن أنها صحيحة.. ولكن معظم الناس لا ينظرون لها بالمنطق نفسه..- لذة الحلال! - عبارة جميلة.. ولكنك بهذا المنطق سحبت البساط من تحت دعاة الحرام..
أضحكني صاحبي بعبارته الأخيرة..
- وكيف سحبت البساط من تحت أقدام دعاة الحرام؟!
- إذا قلت إن لذة الحلال..أدوم..وأحلى.. فكيف يرجون لحرامهم الذي لذته لحظية.. وتنقلب نكداً بعد ذلك.. إذاً يبور سوق الحرام.. وهؤلاء يريدون للحرام أن يروج!!