الولايات المتحدة والإخفاق المنتظر في الصومال
محمود كعوش
12 صفر 1428هـ الموافق له 1- 3- 2007م
تداولت وسائل الإعلام الغربية - على نطاقٍ ضيقٍ - معلومات استخباراتية مفادها أن القبيلة التي ينتمي إليها "حسين عيديد" - وزير الداخلية في الحكومة الصومالية، ونجل الرئيس السابق الجنرال "محمد فرح عيديد" - تلقت مساعدات ودعماً أميركياً على مدار الأشهر السابقة، ومن المعروف أن "عيديد" - الذي ينتمي إلى فرع "هيرجدر" من قبيلة "الهوية"، وأقام مع والدته في الولايات المتحدة لفترة طويلة - خدم في الجيش الأميركي، وتدرج فيه إلى أن حصل على رتبة رقيب، وشارك ضمن قوات البحرية الأميركية "المارينز" أثناء حرب الخليج الثانية التي جرت في عام 1991م، وعقب وفاة والده عاد إلى الصومال؛ ليصبح واحداً من أمراء الحرب النافذين فيها.
هذه المعلومات التي ألقت بعض الضوء على طبيعة التحرك الأميركي الحالي تجاه الصومال؛ توافقت مع الكشف المتعمد والخبيث عن شخصية المسئول العسكري المكلف بإدارة العمليات الأميركية في الصومال وهو الجنرال "وليام بوبكين" الذي يشغل منصب نائب وكيل وزارة الدفاع لشئون المخابرات، والذي سبق له أن أدلى قبل سنوات بتصريحات مسيئة للإسلام.
وجاء في تصريحاته - التي أغضبت المسلمين في الولايات المتحدة وخارجها، وأثارت انتقادات حادة لدى بعض قيادات الحزب الديمقراطي، والجماعات الإسلامية، ومنظمات الحقوق المدنية - "أن الجيش الأميركي هو جيش الرب المسيحي"، وأن "الأميركيين يحاربون المسلمين؛ لأنهم يكرهون المسيحيين" - على حد زعمه!! ولطالما أفصح عن دعمه اللامحدود للجهد الحربي الأميركي، وصوّر في خطبه وعظاته الدينية الحرب الأميركية ضد الإسلام والمسلمين على أنها "معركة ضد الشيطان"!! -.
وفي تعقيب له على مقتل مسلم صومالي قال: "إن إلهي أكبر من إلهه، إلهي إله حقيقي، وإلهه مجرد وثن، إن المسلمين يعبدون وثناً وليس إلهاً حقيقياً"!! وهذا غيض من فيض إساءاته للذات الإلهية.
ويُذكر أن "بوبكين" كان قد ترأّس قوات "دلتا" الأميركية حين قامت الميليشيا التابعة للجنرال "محمد فرح عيديد" بعملية إسقاط الطائرة "البلاك هوك" التي شهدت سحل طيارين أميركيين في شوارع مقديشو، نتجت عنها ردة فعل قوية على الساحة الأميركية استلزمت من إدارة الرئيس "بيل كلينتون" - وقتها - اتخاذ قرار بسحب القوات الأميركية من الصومال.
يرى المراقبون أن "بوبكين" - الذي لم ينس الهزيمة التي مُني بها قبل أربعة عشر عاماً في الصومال، والتي نتج عنها مقتل 18 من جنوده، وإصابته هو شخصياً - عاد الآن ليكون مسئولاً عن الشأن الصومالي في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون"؛ وليصفي حسابات قديمة حتى لو كان الطريق إليها عبر ابن الرجل الذي تسبب في تلك الهزيمة، وليحقق به ومعه ومع الإثيوبيين طبعاً انتصاراً على المحاكم الإسلامية.
وبوضع ما يضمره "بوبكين" تجاه الصومال والصوماليين جانباً بانتظار ما ستتكشف عنه الأيام القادمة يمكن القول: أن الصوماليين الذين اعتادوا النظر إلى إثيوبيا كعدو طبيعي يجزمون بأنه ما كان لها أن تتدخل في الشأن الصومالي بهذا الشكل العدواني السافر؛ للإطاحة بالمحاكم الإسلامية، وإعادة أمراء الحرب فوق ظهور دباباتها؛ لو لم تحصل على دعم ومباركة الولايات المتحدة، وهو ما أجّج مشاعر الغضب في نفوسهم.
وضاعف من تأجيج تلك المشاعر إلى درجة بلوغها حد الكراهية المفرطة أن بعض الدبلوماسيين الغربيين أكثروا من الحديث عن رغبة أميركية في إعادة ترتيب منطقة القرن الإفريقي - بما فيها الصومال - بالكيفية التي تلبي متطلبات المشروع "الأميركي - الصهيوني" المرسوم لها لإحكام الحصار على السودان، وهو ما يؤذن بنذر حرب لا هوادة فيها.
لقد تدخلت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً منذ عام 1992م وبشكل مباشر وغير مباشر في الصومال، لكنها مُنيت بهزائم أكثر مما حققته من انتصارات، فبزعم مساعدة ضحايا المجاعة، والسعي لإعادة السلام في الصومال الممزق بسبب معارك أمراء الحرب فيه؛ قامت في كانون الأول من ذلك العام بتنفيذ عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "إعادة الأمل"، وقادت فيها قوة دولية ضمت 38 ألف جندي بينهم 28 ألف أميركي.
وكانت الولايات المتحدة المهتمة جداً بمنطقة القرن الإفريقي، ومواجهة النفوذ السوفييتي فيها حينذاك؛ قد سعت عقب حرب الخليج الثانية إلى إثبات أنها قادرة على تنفيذ مهام إنسانية!! وفي أيار من عام 1993 تولت الأمم المتحدة قيادة العملية التي أطلق عليها تسمية ''عملية الأمم المتحدة في الصومال''، والتي هدفت إلى مراقبة وقف المعارك، وتوفير الأمن في الموانئ والمطارات، وفي محاور المواصلات الضرورية لإيصال المساعدة الإنسانية، وشارك في العملية آلاف الجنود الأميركيين، إضافة إلى جنود باكستانيين ونيجيريين، وفرنسيين وإيطاليين، وقوات من دول عربية؛ غير أن العملية الدولية - كسابقتها الأميركية - مُنيت بفشل ذريع، ولقي 151 من جنود قوات الأمم المتحدة مصرعهم، وقتل ثلاثون جندياً أميركياً في معارك مع قوات الجنرال "محمد فرح عيديد" - الذي نفذ العديد من الهجمات ضد الأميركيين في جنوب مقديشو· -.
وبعد الثالث من تشرين الأول من عام 1993م وهو اليوم الرهيب الذي شهد مقتل 18 جندياً أميركياً تم سحلهم في شوارع مقديشو؛ أعلن الرئيس الأميركي "بيل كلينتون" سحب قواته من الصومال في 31 من آذار من عام 1994م، وغادرها آخر جندي أميركي في ذلك اليوم، واختارت الولايات المتحدة بعد ذلك أن تنأى بنفسها بعيداً عن الصومال الذي سادته الفوضى، وغاب فيه الحكم المركزي، وبدا منسياً من المجتمع الدولي بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة·
غير أنه عقب هجمات عام 1998م التي استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، وهجمات 11 من أيلول من عام 2001م في الولايات المتحدة؛ وضعت الصومال تحت رقابة أميركية مشددة بدعوى إيوائها عناصر من تنظيم ''القاعدة'' الذي يتزعمه "أسامة بن لادن"، والذي تبنى تلك الهجمات، وفي عام 2002 أنشأت الولايات المتحدة قاعدتها العسكرية الوحيدة في إفريقيا في "جيبوتي" على بعد بضعة كيلومترات من الصومال·
وفي بداية عام 2006م، وفي الوقت الذي كان فيه نفوذ المحاكم الإسلامية يتنامى في الصومال ذات التقاليد الإسلامية المعتدلة؛ دعمت الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً تحالفاً من أمراء الحرب من بينهم "حسين عيديد"؛ لمواجهة هذا النفوذ، لكن هذا التدخل غير المباشر مُني مجدداً بالفشل، وبعد عدة أشهر من المعارك التي أوقعت مئات القتلى سيطرت المحاكم الإسلامية على مقديشو، ومعظم المناطق الجنوبية والوسطى من الصومال، الأمر الذي فرض على الولايات المتحدة تغيير تكتيكها، وفي كانون الأول من ذلك العام دعمت رسمياً الهجوم العسكري الإثيوبي على الإسلاميين الذين هزموا في غضون 12 يوماً، ودعمت القوات الأميركية أساساً القوات الأثيوبية من خلال نقل معلومات أقمار التجسس، وتقديم المساعدات اللوجستية والعسكرية لها، وتمركزت قِطَعٌ حربية أميركية في عرض السواحل الصومالية والكينية المجاورة؛ لمطاردة الإسلاميين الفارين، وإحكام الحصار عليهم.
لكن وكما كان متوقعاً لم يطل الأمر كثيراً قبل أن تبدأ المقاومة الصومالية عملياتها ضد جيش الاحتلال الإثيوبي، وكما كان متوقعاً أيضاً لم تستطع الولايات المتحدة أن تنأى بجنودها بعيداً عن شرر تلك العمليات مدة طويلة، خاصةً بعد أن ورطّت نفسها في التدخل المباشر في جنوب الصومال بذريعة ملاحقة عناصر من تنظيم القاعدة يتواجدون فيه!! فها هي تفشل في إقناع الشيخ "شريف شيخ أحمد" - رئيس المحاكم الإسلامية - بإطلاق سراح 11 من جنودها أسرى لدى المحاكم منذ ما يزيد عن شهر بعد أربع جولات من التفاوض أجراها معه السفير الأميركي في كينيا، الأمر الذي يُبشر بسقوط مراهنات الجنرال "وليام بوبكين" على أمراء الحرب بمن فيهم "حسين عيديد"، ويؤشر إلى قرب مواجهة الدولة العظمى إخفاقاً جديداً في الصومال يُضاف إلى إخفاقاتها السابقة!!
على خلفية هذا المشهد القديم المتجدد نرى ضرورة طرح السؤالين التاليين: تُرى ألم تتعلم الولايات المتحدة الدرس بعد في الصومال؟ وهل تتوقع أن يكون حظها هذه المرة أفضل من حظوظها السابقة فيها؟ أشك في ذلك!! ولربما أنها في انتظار إخفاق جديد!!