إتفاقية السلام خطوات نحو الانفصال

آدم جون شول

لا يخفى على ذي عقل وبصيرة ما نصت عليه اتفاقية السلام السودانية؛ التي تم التوقيع عليها في 9 يناير 2005م؛ بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة..لا يخفى ما تنطوي عليه هذه الاتفاقية من مظاهر واضحة وجلية؛ من أن الاتفاقية تعتبر خطوة أولى وأكيدة نحو انفصال جنوب السودان وتكوين دولة قائمة بذاتها وبحدودها الحالية.وقد أكدت هذه الفترة -التي تم تنفيذ الاتفاقية فيها- أن مظاهر الانفصال قد بدت أكثر وضوحا، وما عاد برنامج الوحدة الجاذبة -التي كانت إحدى الدعايات- ما عادت تشكل اهتماما ورأيا عاما.

ويمكن الاستدلال على بعض المظاهر التي تدعو وتسير نحو الانفصال في النواحي التالية؛ كما جاءت في نصوص الاتفاقية:

- عدم استطاعة الحكومة المركزية في الخرطوم التدخل في شأن تعيين أحد المناصب الدستورية في حكومة الجنوب؛ كرئيس حكومة الجنوب أو أحد نوابه، أو أحد حكام الولايات، وما يلي ذلك من وزراء ومحافظين؛ كما كان في السابق؛ حيث يتم اختيار رئيس حكومة الجنوب، ويتم اعتماده من قبل رئيس الجمهورية فقط، ثم إن رئيس حكومة الجنوب يقوم بالتشاور مع كافة الفعاليات الحزبية الأخرى في جنوب السودان لتكوين الحكومة وحكومات الولايات العشر؛ حيث سيبقى هذا الوضع كما هو الآن؛ من استقلال كامل السلطة السياسية بجنوب السودان دون التدخل المباشر للحكومة المركزية؛ حتى في حالة الوحدة.

- نصت الاتفاقية على أحقية حكومة الجنوب في توقيع اتفاقيات وبرتوكولات دولية مع كافة الدول في إطار العلاقات الدولية المعروفة، وما يصحب ذلك من إمكانية الاقتراض، وسحب الأموال من البنوك العالمية؛ خاصة بعد افتتاح بنك جنوب السودان؛ الذي سيعمل بالنظام المصرفي التقليدي (سعر الفائدة) بجنوب السودان.

هذا يسير مما نصت عليه الاتفاقية؛ حيث يستطيع القارئ أن يجد الكثير من النصوص التي يمكن أن توحي بالانفصال أو نحو ذلك.

أما بعد تنزيل هذه الاتفاقية على أرض الواقع، وبعد مرور عام على تطبيقها؛ فقد أكدت الوقائع على الساحة العامة بجنوب السودان أن هناك خطوات تسير بوضوح، وبينت مدى تسارع هذه الخطوات نحو الانفصال، وتكوين دولة السودان الجديد.. ويمكن تلخيص هذه الخطوات في الآتي:

- إقرار المجلس التشريعي بجنوب السودان بأن يكون علم الحركة الشعبية الحالي علما لجنوب السودان، وصدر قرار من حكومة الجنوب برفع هذا العلم بكل المؤسسات والمصالح الحكومية بجنوب السودان؛ جنبا إلى جنب مع علم السودان أو لوحده؛ كما هو مشاهد في كافة المؤسسات التعليمية (المدارس)؛ وهي أولى المؤسسات التي رفعت العلم، وآخر مشاهد رفع العلم هو ما جرى بأمانة ولاية أعالي النيل يوم الجمعة الموافق 23/6/2006م حيث تم الاحتفال رسميا ودعوة كافة الهيئات والمنظمات الأجنبية والوطنية لحضور مشاهد رفع العلم بأمانة حكومة الولاية.

- تكوين حكومة الجنوب وبمجلس وزرائها ذي الوزارات العشرين، وبكامل استقلاليتها في وضع الخطط والبرامج بجنوب السودان.. والشيء الملفت للنظر والانتباه هو وجود وزارة التعاون الدولي؛ وهي وزارة أشبه بوزارة الخارجية؛ فهي تتعامل مباشرة مع مكاتب الحركة الشعبية في الخارج؛ والتي أصبحت سفارات موازية للسفارات السودانية في كافة الدول التي توجد بها، وعبر هذه المكاتب يتم التصديق للأجانب بدخول جنوب السودان؛ مما آثار حفيظة الحكومة السودانية، واستنكار الرأي العام.

- الزيارات التي يقوم بها المسئولون بحكومة الجنوب لكافة الدول؛ والتي تتم باسم حكومة جنوب السودان؛ وليست باسم الحكومة المركزية؛ خاصة إذا كان المسؤول القائم بالزيارة ذا صبغة اتحادية؛ كالنائب الأول، أو أي وزير اتحادي آخر.. ومما يدل على ذلك الزيارتان التي قام بها النائب الأول، ورئيس حكومة الجنوب للولايات المتحدة الأمريكية؛ والتي كان يصرح فيها بأن الزيارة تمت باسم حكومة الجنوب، وقد صادفت زيارته الأولى أن أبقى الكونجرس الأمريكي على بعض العقوبات الاقتصادية على السودان، ولم يستطع النائب الأول الاحتجاج على إصدار هذه العقوبات.

- تغيير المناهج التعليمية بجنوب السودان؛ حيث بدأ ذلك مؤخرا قبل عدة سنوات بجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والمناطق الخاضعة تحت سيطرة الحركة الشعبية في جنوب السودان؛ حيث تم تغيير نظام الدراسة بكل الولايات بجنوب السودان من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، وإصدار منهج له باسم سكرتارية التعليم بالسودان الجديد.

- ترخيص المركبات العامة والخاصة بلوحات تحمل رمز NS؛ وهي اختصار للسودان الجديد New Sudan؛ وهذا يخالف الترخيص المعمول به في شرطة المرور لكافة أنحاء السودان؛ حيث تحمل كل ولاية رمزا معينا لها.

- تكوين جيش بجنوب السودان باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وفتح باب التجنيد لكافة الأفراد في مختلف الرتب، وكذلك استيعاب ضباط سابقين في الجيش السوداني والشرطة.. والمبررات التي صيغت في ذلك هي أن وجود الجيش ضمانة أكيدة لتنفيذ الاتفاقية.

- صوت الشارع الطاغي بالدعوة للانفصال، وبسرعة مرور السنوات الانتقالية.. وهو صوت مسموع لكل من يلاحظ ذلك في كافة الولايات الجنوبية وفي شمال السودان وخاصة بين طلاب الجامعات؛ حيث أصبح حديثا عاديا لا يأبه به..

ثم ماذا بعد هذا؟!

قد أفرز تطبيق الاتفاقية في جانب أنها تطبق النظام العلماني بجنوب السودان بكامل حذافيره- أفرز هذا التطبيق بعض العدائيات المتعمدة ضد الإسلام والمسلمين؛ حيث أصدر مجلس وزراء التربية بجنوب السودان قرارا بمنع ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية؛ مما آثار ضجة في ولاية أعالي النيل، كما وأن هناك بعض الاعتقالات التي تمت لبعض رموز الدعوة الإسلامية ببعض المناطق بجنوب السودان، كما وأن هناك البعض الذي يتحدث بأن الفترة الحالية هي فترة حرة للنصرانية بأن تأخذ حقها كاملا في الدعوة والعمل التنصيري؛ لأن الفترة السابقة كانت متاحة للعمل الإسلامي، كما واجهت بعض المؤسسات الإسلامية نوعا من الضغط عليها؛ خاصة في جانب استيعاب الكوادر العاملة بها من أبناء جنوب السودان؛ بحكم أن العنصر الشمالي عنصر يثير الشبهة في العمل، وهو يعمل لأجندة غير أجندة السلام؛ حيث أدى ذلك إلى محاولات إغلاق وطرد بعض المنظمات التي لا تقوم بتعيين أو استبدال الكوادر العاملة من شمال السودان بكوادر إسلامية من جنوب السودان، كما وتم إخطار بعض المؤسسات الإسلامية بإخلاء المواقع التي تستغلها في إقامة أنشطتها؛ بحجة أن المباني والمواقع تتبع لجهات أخرى بجنوب السودان تم استغلالها خلال فترة الحرب؛ وقد جرى ذلك مع كلية تنمية المجتمع بجوبا، وكلية التربية بملكال التابعتين لجامعة القرآن الكريم بكل من بحر الجبل وأعالي النيل.

هذا جانب.. ومن جانب آخر فقد صرح بعض منسوبي الحركة الشعبية بأن فترة الحكم بجنوب السودان قد دانت لهم الآن كما دانت للإسلام من قبل، وهي الآن فرصتهم التي يجب أن تعطَى للنصرانية كاملة؛ لتعمل بكل حرية في جنوب السودان، وبالفعل فقد تم تشييد الكنائس وإعادة ترميمها في كثير من المناطق، كما ويمكن رؤية ذلك لكل من يمكنه زيارة جنوب السودان؛ حيث يرى التشييد بأحدث طراز، وبصورة حديثة، وبدعم سخي من المنظمات العاملة؛ حيث قامت منظمة أوكسفام البريطانية بإعادة ترميم كنيسة لول الشهيرة؛ ذات الصيت منذ السبعينات من القرن الماضي، وبناء كنيسة بمدينة أكوكا بولاية أعالي النيل، كما قامت منظمة أطفال الحرب الهولندية بإقامة مركز طفل المجتمع بمدينة ملكال، وتم تشييد كنيسة بها، وقد استغل بعض أفراد الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية أحداث مدينة ملكال الأخيرة التي حدثت خلال أيام (26، 27، 28، 29) من نوفمبر 2006م استغل هؤلاء الأفراد هذه الأحداث في الاعتداء على المسجد والمسلمين؛ حيث تم نهب كامل أثاثات مسجد حي بم، ومسجد القيادة، وغيرهما من المصليات الأخرى بالمدينة، كما وتم الاعتداء بالمدينة، كما تم الاعتداء على أحد المصلين وهو خارج من المسجد بعد صلاة الصبح، وأدى الاعتداء إلى قتله، كما وجد أربعة من المسلمين مقتولين وهم معصوبو الأيدي بمنزلهم.. لقد كانت لهذه الأحداث أثرا كبيرا على الإسلام والمسلمين بمدينة بولاية أعالي النيل؛ مما أدى إلى هجرة كثير من المسلمين الشماليين وتركهم المدينة، وهي -كما قيل- هو ما يبدو من جبل الجليد؛ الذي إذا انهار؛ وسوف يقضي على من تبقى.

لمن يهمه الأمر:

هذه دعوة نوجهها لكافة إخواننا المسلمين أن قفوا وتأملوا ما يجري بجنوب السودان من خطوات متسارعة نحو هدم الإسلام، ومحاولة إزالته من الوجود، ودعوتنا هذه نوجهها كما هو معنون أن هلموا إلى جنوب السودان، ساعدوا إخوانكم المسلمين هناك في سبيل تثبيت أركان الإسلام ونصرته في المحاور والنقاط التالية:

- تأهيل وإعادة تأهيل وبناء المؤسسات الإسلامية القائمة (مساجد، مدارس، مراكز الخدمات الصحية، مراكز التنمية الاجتماعية، وغيرها).

- المساهمة في التأهيل العلمي لمسلمي جنوب السودان؛ سواء داخل أو خارج السودان؛ في المرحلة الجامعية والمرحلة فوق الجامعية (بكالوريوس، دراسات عليا).

- المساهمة في تفعيل الأنشطة والبرامج الدعوية التي تعمل على تحريك الجمود الحاصل في الساحة (كفالة دعاة، القوافل الدعوية، الأنشطة الموسمية، البرامج والأنشطة المستمرة).

- المساهمة في إيجاد رؤوس أموال للاستثمار في الفرص المتاحة محليا كالزراعة والتجارة العامة والخدمات الاجتماعية.

- العمل على حل المشاكل التي تواجه فقراء المسلمين وضعفائهم.

أخي المسلم! إن من أخوة الإسلام أن يقف المسلم إلى جانب أخيه المسلم؛ خاصة في مثل هذه الحالة التي استولى فيها أعداء الإسلام على مقدرات الأمة.. ولا يخفى علينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (وإذا استنصرك فانصره، وإذا استعانك فأعنه)، وقوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).

والإسلام في جنوب السودان قديم جدا، دخل إليه قبل النصرانية.. والمسلمون فيه كثر ولله الحمد والمنة كغيره من الدول الأخرى كإثيوبيا وتنزانيا والدول الأخرى التي دخلها الإسلام مبكرا.

وحتى لا يأتينا الطوفان، وحتى لا نلدغ من جحر مرتين كما قال - صلى الله عليه وسلم - عندما حدث ذلك لإخواننا المسلمين في تنزانيا؛ فهنا شيء من ذلك؛ لأنهم (أخزاهم الله) يفتخرون بما جرى للمسلمين في تنزانيا سابقا؛ فيجب علينا جميعا أن نساهم في نصرة الإسلام والمسلمين في جنوب السودان وغيره من البلاد الإسلامية في شتى أنحاء العالم.

ربنا أمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا

ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا

ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به

واعف عنا

واغفر لنا

وارحمنا

أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

http://www.meshkat.net المصدر: