القاعدة على خط دارفور

د. مصعب الطيب

 

زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن دخل في حلبة الصراعات السودانية بعد صمت طويل و(غريب) في آن معا.. الرجل لم يسبق قط أن خاض في قضايا السودان، ولا يحفظ له رأي معلن في سياسة الحكومة السودانية، أو نقد تقصيرها رغم صلاته السابقة بالسودان، وتواصله مع بعض قياداته.. والرجل كان - على ما يبدو - منشغلا بميادين (الجهاد) في أفغانستان والعراق؛ ولا يرغب في توسيع الجبهات، ونثر الحرائق بشكل لا يتيسر التحكم فيه.. ابن لادن تدخل الآن - والآن فقط - في المعمعة السودانية؛ فلماذا يا ترى؟!.

 

يرى بعض المراقبين أن ابن لادن أفلح في أن يضع استراتيجية جديدة للحركات الجهادية الإسلامية - كما فعل مع جماعة الجهاد المصرية - تتلخص في صرفها عن العمليات المحلية - التي تستهدف الأنظمة القمعية مباشرة، أو الأجانب المستضافين لديها - إلى عمليات أكثر عمقا، وأثرا؛ موجهة إلى الحكومات الغربية، ورموزها - الولايات المتحدة بشكل خاص - باعتبار أنها من يحرك دفّة السفينة، ويدير الملعب من تحت الكواليس، وأن الحكمة في أن تتجه العمليات والجهود لرأس (الأفعى) لا إلى ذيلها، وإلى قلب (الفيل) لا إلى ظله.

 

هذا المسعى يبعد (القاعدة) من السخط الحكومي المباشر؛ والذي ربما يعزز ضغطا عكسيا على المؤسسة السياسية الغربية، ويدفعها للتراجع عن أطروحات الإصلاح والتغيير التي تستهويها - كما هو حادث الآن - وعن الوصاية والتهديد المستمر للحكومات العربية؛ خوفا من البديل المتزمّت، ورغبة في الملاحقة (المخلصة) لخلايا تلك التنظيمات.

 

وهذا المسعى يوفر شعبية متنامية للتنظيم؛ ذلك لبعد شظايا عملياته عن ساحات معائش الناس؛ وسلامتهم، وأمنهم في ذات اللحظة التي يمثل لهم فيها تشفّيا كبيرا من الغطرسة والاستعلاء، واحتجاجا عمليا لكل المصائب وأعمال الاستغلال التي يقف ورائها الغرب، وحاجزا فعالا لصد أطماعه وجشعه.

 

ابن لادن دعا أتباعه في المنطقة إلى (حرب طويلة المدى ضد الصليبيين في غرب السودان)، وقال بأن (هدفنا واضح؛ وهو الدفاع عن الإسلام، وأهله، وأرضه؛ وليس دفاعا عن نظام الحكم في الخرطوم).. وهو بهذا الخطاب الذكي قد نحا منحى محايدا - أو هكذا يبدو - في عرض استراتيجيته؛ إذ عاتب الحكومة السودانية - بهدوء - وباعد بين مواقفه وأغراضه وبين مواقفها هي وأهدافها، وامتنع من توجيه اللوم والنكير لخصومها من أبناء الإقليم، واكتفى بحصر معركته مع القوات الدولية إن دخلت الإقليم.

 

دعوة القاعدة لأنصارها- بالتوجه لدارفور لم تحظ بأي مباركة (معلنة) من الساحة السياسة السودانية وأحزابها التقليدية؛ حيث لا يسع أحدا إلا التشنج ضدها أو استنكارها أو- أضعف الإيمان- تجاهلها كأنك (لم تسمع، ولم يقل)!!.. فواقع سياسيِّينا مع الرجل أو أمريكا كحال (الحر) عند المتنبي:

 

و من نكد الدنيا على الحر أن يرى ** عدوا له ما من صداقته بد

 

لكن هل يقع كلام (القاعدة) في خانة الإعداد أم الوعيد؟.. الفعل أم التهديد؟.

 

صحيح أن (القاعدة) ظلت رقما مهما في الميدان، ودليلا دامغا على التخبط الأمريكي؛ بيد أنه من الصحيح أيضا أن مصلحة (المحافظين الجدد) ربما تكمن في أن يظل هذا (البعبع) شاخصا للعيان؛ لكي يتسنى لهم فرض الترويع والهلع على الأمريكيين؛ ومن ثم ابتزاز أموالهم، وسلب قرارهم، وانتهاز الفرصة لتحقيق أطماعهم ونبوآتهم.

 

صحيح آخر هو أن منطقة دارفور - بكل خيراتها (النووية) والنفطية والمعدنية والحيوانية والزراعية، ومحاذاتها للبحيرات الكبرى، وبلدانها الضعيفة - هي منطقة استراتيجية؛ تلهب شغف (المحب) الغربي، وتحرك غرائزه..

 

ولكن الحقيقة الأخرى هي أن (الناتو) بدأ يتململ من غرقه في وحل أفغانستان، وتدهور أوضاعها، وخطورة الاستمرار في المكوث بها.. أما واشنطن فأصبحت لا تستحي من الحديث القلق عن البحث عن برنامج (عبقري) للانسحاب المشرّف!!.. أما (الصديق العزيز) توني بلير فيبحث هو الآخر عن صيغة (درامية) لهيكلة الحكومة؛ كي يعرقل سقوطه كالآخرين: برلسكوني في إيطاليا، وأثنار في إسبانيا.

 

المراقبون الدوليون، والقوات الأممية المساندة لهم موجودة فعلا في جبال النوبا، والنيل الأزرق، والجنوب، وفي قلب الخرطوم.. ولكن الرجل لم يتحدث عنهم، ولم يوص بأي عمليات نحوهم؛ وهو ما يمكن أن يفسر أولا بأنه قد لا يرغب في التشتت، ثم إنه ربما يكون غير معني بـ (المعارك الجانبية)، أو العمليات (الآنية) التي تخرجه عن برنامج (خطة طويلة المدى في دارفور) كما قال في نص الخطاب، أو ربما أراد الرجل أن يسمم أجواء التدخل في دارفور، ويزرع حولها الشك والشوك..من يدري؟!!.

 

http://www.meshkat.net             المصدر: