المنظمات الخيرية: الواقع وآفاق التطوير (2-2)

 محمد ناجي بن عطية

 

المشكلات والتحديات المعاصرة، التي تواجه المنظمات الخيرية

أولا: نتائج الدراسة المكتبية:

ثانيا: نتائج الدراسة الميدانية فيما يخص المشكلات والتحديات التي تواجه المنظمات الخيرية عينة الدراسة: -

التوصيات ومقترحات التطوير والتحديث

المشكلات والتحديات المعاصرة، التي تواجه المنظمات الخيرية

تعاني المنظمات الخيرية من جملة من المشكلات، وتواجه العديد من التحديات التي لها ارتباط بالبناء المؤسسي، وسنحاول تسليط الضوء على هذه المشكلات والتحديات، وإثبات ذلك من الواقع الذي تعيشه هذه المنظمات.

وقد اتبعت في ذلك طريقتان؛ الطريقة الأولى الدراسة المكتبية؛ من خلال ما توفر من المراجع التي تهتم بهذا الموضوع، والطريقة الثانية؛ نتائج الدراسة الميدانية التي جمعت من خلال نتائج الاستبيان الموزع على عينة الدراسة.

 

أولا: نتائج الدراسة المكتبية:

أفصحت الدراسة المكتبية، أن معظم المشكلات والتحديات، تتعلق بالبناء المؤسسي للمنظمات الخيرية، بالإضافة إلى بعض المعوقات الخارجية، ويمكن حصرها فيما يلي: -

المشكلات والتحديات المتعلقة بالبناء المؤسسي: -

مشكلات تتعلق بالبنية التنظيمية: -

1- ضعف البناء المؤسسي بشكل عام وسيطرة بعض الأفراد على الأنشطة والتمويل.

2- ضعف التوافق بين الهياكل الإدارية وأهداف المنظمة.

3- المقرات غير الملائمة لأنشطة المنظمة.

4- عدم وجود فروع للمنظمة في المناطق الريفية والنائية.

5- عدم وضوح المهام والصلاحيات الإدارية لأفراد المنظمة.

6- المركزية وضعف مبدأ التفويض.

 

مشكلات في القيادة والإدارة: -

7- ضعف أهلية أكثر مجالس إدارة المنظمات.

8- ضعف البرامج التدريبية لقيادات المنظمة.

9- التدخلات الخارجية في قرارات وأعمال المنظمة.

10- تسييس عمل بعض المنظمات الخيرية وانحرافها عن مسارها الحقيقي.

11- ضعف الرقابة والتقويم المستمر لأعمال المنظمة.

12- ضعف المعايير الرقابية المرتبطة برسالة وأهداف المنظمة.

13- ضعف البرامج المتخصصة والمتنوعة.

14- القصور في معلومات البحوث الفنية المتعلقة بأنشطة المنظمة.

15- ضعف الأرشفة والتوثيق والإحصاء وعدم توفر قاعدة البيانات.

16- ضعف التقنية وضعف استخدام الحاسب الآلي وبرامجه في أعمال المنظمة.

17- وجود المحاباة في صرف المساعدات للمحتاجين.

18- ضعف التنفيذ وكثرة الشكاوى ضد المنظمة.

19- انعدام التنسيق مع المنظمات الأخرى.

 

مشكلات في الموارد البشرية: -

20- عدم توفر الكادر المؤهل والمتخصص.

21- نقص الخبراء والفنيين.

22- قلة الدورات والبرامج التدريبية.

23- ضعف نظام الأجور والمكافئات.

24- عدم اعتماد المكافئات والترقيات على كفاءة الأداء.

25- قلة المتطوعين في العمل الخيري، وضعف الاهتمام بهذا القطاع.

 

مشكلات الموارد المالية: -

26- محدودية الموارد المالية.

27- عدم استثمار موارد المنظمة الفائض عن حاجتها التشغيلية.

28- اعتماد الموارد المالية أساساً على التبرعات والهبات، وعدم السعي لتكوين أوقاف تعتمد عليها المنظمة، في الإنفاق الدائم وغير المشروط على أنشطتها من قبل المانحين.

29- عدم توفر الخبرات الكافية في المجال المالي.

30- ضعف الرقابة المالية.

31- ضعف اتباع مبدأ الشفافية في التعاملات المالية.

مشكلات في برامج التسويق والترويج لأنشطة المنظمة: -

32- ضعف أساليب الاتصال بالمجتمع.

33- ضعف الترويج الإعلامي لأنشطة المنظمة.

34- عدم وضوح أهداف المنظمة لكثير من الجمهور الذي تتعامل معه.

35- الظهور الموسمي والركود بقية العام.

 

مشكلات في الأنظمـة واللوائــح وأساليب العمل: -

36- عدم تطور الأساليب واللوائح الداخلية.

37- عدم وجود أدلة مكتوب توضح إجراءات تنفيذ المشاريع.

 

مشكلات في الإستراتيجية والرؤية والرسالة: -

38- غموض قيم وأهداف المنظمة عن أعضاء مجلس الإدارة.

39- تبني أهداف قد تعجز المنظمة عن تحقيقها.

40- ضعف التخطيط لأنشطة وموارد المنظمة.

 

المشكلات الموضوعية التي تعيق المنظمات الخيرية عن ممارسة أنشطتها الخيرية: -

1- ضعف الإعلام الداعم لأعمال المنظمات الخيرية والترويج لها.

2- ضعف الدعم والتمويل الحكومي.

3- تغير الظروف المحيطة بمعدل أسرع من تعديل أهداف المنظمة.

4- ضعف دعم القطاع الخاص للعمل الخيري.

5- الشائعات المتعلقة بجمع التبرعات.

6- ضعف تأييد المجتمع للبرامج والخدمات التي تقدمها المنظمات الخيرية.

7- عدم سماح السلطات بالتفرغ للعمل الخيري.

8- ربط الممولين الخارجيين تمويلهم بأهدافهم، وليس بأهداف المنظمة وحاجة المجتمع.

9- ضعف ثقافة المجتمع بأهمية عمل المنظمات الخيرية.

10- عدم إدراك صانعي السياسات في الحكومات لدور المنظمة الخيرية في التنمية.

11- تعقيد الإجراءات في الجهات الحكومية التي تتعامل معها المنظمات الخيرية.

12- التضييق العالمي على عمل المنظمات الخيرية، بعد أحداث (11) سبتمبر، (2001م).

13- الخلط بين العمل الخيري، ومسمى الإرهاب، وأثره في التضييق على العمل الخيري.

 

ثانيا: نتائج الدراسة الميدانية فيما يخص المشكلات والتحديات التي تواجه المنظمات الخيرية عينة الدراسة: -

أظهرت الدراسة النتائج المبينة في المخطط البياني التالي:

التحليل:

(1) ضعف أهلية مجالس إدارة المنظمة.

(2) سيطرة بعض الأفراد في المنظمة على الأنشطة والتمويل.

(3) عدم وضوح المهام والصلاحيات الإدارية لأفراد المنظمة.

(4) (تبني المنظمة أهدافاً قد تعجز عن تحقيقها.

(5) ضعف التوافق بين الهيكل الإداري وأهداف المنظمة.

(6) ضعف المعايير الرقابية المرتبطة بأهداف المنظمة.

(7) عدم توفير الخبرات الكافية في المجال المالي.

(8) ضعف الأنظمة المالية.

(9) ضعف التخطيط لأنشطة وموارد المنظمة.

(10) عدم توفر الكادر المؤهل والمتخصص.

(11) عدم وجود أدلة مكتوبة توضح إجراءات تنفيذ المشاريع.

(12) ضعف البرامج التدريبية لقيادات المنظمة والعاملين.

(13) عدم تطور أساليب وإجراءات العمل واللوائح الداخلية.

(14) ضعف الأساليب التسويقية والاتصال بالمجتمع.

(15) ضعف الإعلام الداعم لأعمال المنظمات الخيرية والترويج لها.

(16) عدم السعي لتكوين أوقاف تعتمد عليها المنظمة.

(17) محدودية الموارد المالية.

(18) التضييق على العمل الخيري بسبب الخلط بين العمل الخيري ومسمى الإرهاب.

(19) ضعف دعم القطاع الخاص والحكومي للعمل الخيري.

(20) اعتماد الموارد المالية أساساً على التبرعات والهبات.

أظهرت النتائج في المخطط البياني الموضح أعلاه، أن المنظمات الخيرية عينة الدراسة، تعاني من ثلاث فئات من المشكلات والتحديات: -

الفئة الأولى:

مشكلات وتحديات حازت على نسبة موافقة عالية، وهي اعتماد الموارد المالية أساساً على التبرعات والهبات، وضعف دعم القطاع الخاص والحكومي للعمل الخيري، والتضييق على العمل الخيري بسبب الخلط بين العمل الخيري، ومسمى الإرهاب، وقد دلت النتائج على توافق نسبي في إجابات أفراد العينة.

 

الفئة الثانية:

مشكلات حازت على نسبة موافقة ضعيفة، مع معامل اختلاف كبير في إجابات أفراد العينة، وهي فقرة واحدة التي نصت على، ضعف أهلية مجالس إدارة المنظمات الخيرية.

 

الفئة الثالثة:

مشكلات وتحديات حازت على نسب موافقة متوسطة، وهي على التوالي: محدودية الموارد المالية، وعدم السعي لتكوين أوقاف تعتمد عليها المنظمة، وضعف الإعلام الداعم للمنظمات الخيرية والترويج لها، وعدم تطور أساليب وإجراءات العمل واللوائح الداخلية، وضعف البرامج التدريبية لقيادات المنظمات والعاملين، وعدم توفر الكادر المؤهل المتخصص، وعدم توفر الخبرات الكافية في المجال المالي، وسيطرة بعض الأفراد في المنظمة على الأنشطة والتمويل.

 

مشكلات أخرى:

وعند طرح سؤال مفتوح في الاستبانة عن المشاكل الأخرى التي تواجهها المنظمات الخيرية، ولم تشملها فقرات الاستبانة، جاءت الإجابة ملخصة ومصنفة، على النحو التالي:

8. مشكلات في تدني الوعي لدى المجتمع بأهمية العمل الخيري بما يؤدي إلى محاربته والتضييق عليه: -

وقد جمعت في ذلك عدد من الإجابات، وكلها تدور حول تدني الوعي بأهمية دور المنظمات الخيرية وأثرها في خدمة المجتمع، سواءً من قبل بعض الجهات الحكومية أو من قبل الكثير من أفراد المجتمع، ويؤدي إلى عدم التفاعل مع العمل الخيري وتسهيل طريقه وتذليل الصعاب أمامه، فضلاً عن تبنيه والدفاع عنه وتكريم القائمين عليه.

وتعاني بعض المنظمات الخيرية، كما جاء في بعض الإجابات، من الصد والرفض والاستهجان من قبل المجتمع، وبنفس الوقت عدم تشجيعه من قبل بعض الدوائر الحكومية، رغم التصريح المعتمد والثمرة الجيدة الملموسة في ارض الواقع، كل هذه العوامل أدت إلى تقييد العمل الخيري، وكبح جماحه وإعراضه عن المنافسة، لانشغال القائمين عليه بتحسين الصورة المغلوطة عن العمل الخيري لدى الجماهير والدوائر الحكومية.

8. مشكلات في التدريب والتأهيل وتوفير الكفاءات: -

وقد جمعت في ذلك العديد من الإجابات وكلها تدور حول محورين، الأول: عدم توفر الكادر الوظيفي الكفوء المؤهل لإدارة وتنفيذ أنشطة العمل الخيري، والثاني: عدم تدريب وتأهيل الطاقات المتوفرة وإهمالها بما يؤدي إلى إصابتها بالإحباط وفقدان الأمل في تطور المنظمات الخيرية التي ينتسبون إليها.

وعند البحث عن أسباب ذلك، وجدنا أنها ترجع إلى عدة أمور وردت في بعض الاستجابات، ومنها: -

(أ) ضعف قدرات الهيئات الإدارية في التخطيط للحفاظ على كوادرها، من خلال حل مشكلاتهم المادية التي تعد من أبرز العوامل لاستمرارهم في العمل الخيري.

(ب) قلة أجور العاملين في العمل الخيري، مما يؤدي إلى تسرب أصحاب الخبرة والكفاءة للبحث عن الكفاية المعيشية، وربما يكون هذا وضعاً طبيعياً يعيشه العمل الخيري، لكن لا يتوقع الإبداع والتميز والمنافسة، في ظل عدم تفرغ الكوادر وكفايتها وتأهيلها ورفعها إلى المستوى المرجو لحجم المنافسة المطلوبة من المنظمات الخيرية.

(ج) عدم وجود التحفيز اللازم للموظفين في المنظمات الخيرية.

(د) عدم وجود ما سماه بعضهم "بإدارة الاستحقاقات"، ولعل المقصود من ذلك مراعاة حقوق موظف العمل الخيري، أسوة بزملائه موظفي القطاع الحكومي والخاص من حيث زيادة الأجور وقلة الدوام والضمان الاجتماعي وغيرها

(هـ) الكثير من المنظمات الخيرية تضم عدداً من الكوادر النشطة والمتحمسة والتي تنطبق عليها المواصفات الخاصة بموظف العمل الخيري، غير أن هذا وحده لا يكفي، ما لم تصقل هذه الكفاءات بالمهارات الفنية اللازمة، سواءً إدارية أو محاسبية أو مهارات تقنية أو مهارات التواصل مع الآخرين، ومن هنا يضيع حماس هذه الكوادر، عندما تشعر بالإهمال والتهميش وتفوق الآخرين عليهم، مما يزيد من إحباطهم وخيبة أملهم.

8. ضعف الدعم المادي ومحدودية الموارد المالية: -

أكدت الكثير من الإجابات هذا المعنى بعدة صور، وكأنما العبارات المصاغة في الاستبيان لم تكن كافية للتعبير عن عمق المعاناة في هذا المجال، ومما ذكر من صور هذا الضعف ما يلي: -

(أ) محدودية وصعوبة الحصول على الدعم اللازم من الجهات الحكومية إن وجدت- كما عبر بعضهم.

(ب) ضعف التمويل من المؤسسات والشركات ورجال الأعمال والصناديق الداعمة لمشاريع المنظمات الخيرية.

(ج) عدم التزام الأعضاء بدفع الاشتراكات.

(د) عدم وجود منافذ لدعم المؤسسات الخيرية الكبرى للمؤسسات الصغرى في البلد.

(هـ) عدم وجود البنى التحتية والأوقاف والموارد المالية الثابتة لدعم واستمرار عمل المنظمات الخيرية.

وهذا يؤكد ما جاء في الفقرات السابقة من الضعف المادي الذي تعاني منه المنظمات الخيرية، واعتماد الموارد المالية للمنظمات الخيرية أساساً على التبرعات والهبات، الأمر الذي يجعلها تحت رحمتهم وشفقتهم وحسن الظن بهم، وهذا يدفعها دائماً إلى التزلف وتلميع صورتها أمام المتبرعين، وتلبية رغباتهم، وأحياناً ربما تكون هذه الرغبات مخالفة للسياسات، وربما للأهداف والاستراتيجيات التي تتبناها المنظمة، وهو واقع من يعتمد على غيره في تمويل نشاطاته.

ويختلف الأمر تماماً في حال اعتماد المنظمات الخيرية على تمويل نفسها من خلال وجود الأوقاف والاستثمار، فإنها حينئذ لا تحتاج إلى التزلف والتصنع وتلميع الصورة، وكسب ود الداعمين، ولو خالف ذلك واقعها، كما أنها ستجد مناخاً لرسم استراتيجياتها وأهدافها وسياستها، بصورة مستقلة وبعيدة عن تسلط الداعمين، وهذا يدفعها إلى تحديد أولوياتها وإنفاق مواردها في تنفيذ هذه الأولويات.

8. مشكلات ضعف التنسيق بين المنظمات الخيرية: -

وقد وردت بعض الاستجابات حول هذا المعنى بما يعطي مؤشراً كافياً يدل على الضعف الموجود.

والتعاون والتكامل والتنسيق أمور لازمة وضرورية للمنظمات الخيرية خصوصاً ذات الأهداف المشتركة، والمنطلقات الواحدة، لما لها من فوائد كثيرة ومتعددة، منها:

(أ) الاستفادة من الخبرات المتراكمة، والعمل بمبدأ، (البدء من حيث انتهى الآخرون)، لا إعادة وتكرار ما ابتدأ منه الآخرون، وربما الوصول إلى أسوأ ما وصل إليه الآخرون.

(ب) التكامل في مجالات الأنشطة، والملاحظ على معظم المنظمات الخيرية أنها تدور في نفس الفلك وتتبنى نفس المشاريع والأنشطة، وتكرر نفس الأخطاء، وفائدة التكامل تقديم الأهم للمجتمع، وتخصص البعض في توفير خدمات للمجتمع قد لا يتنبه إليها الآخرون، ومشكلة عدم التكامل، التزاحم في توفير خدمات قد تكون ذات أولوية للمجتمع، وقد لا تكون كذلك، ولكن لمجرد تقليد المنظمات بعضها لبعض.

(ج) ضرورة التخصص في العمل الخيري؛ لإشباع أكثر حاجات المجتمع.

(د) عدم التداخل والتضارب في الأنشطة المشتركة بين المنظمات الخيرية.

(هـ) المساهمة في الوصول إلى النضوج الفكري بين القائمين على المنظمات الخيرية، وذلك بتوجيه الموارد والتبرعات، ولفت نظر المساهمين والمتبرعين إلى الجهات المتخصصة في الأعمال الخيرية، بدلاً من الاستحواذ على كل شيء والسيطرة على كل الموارد والمتبرعين، عند ذلك تكثر الأعباء ويصعب التنفيذ، وتقل الجودة وتكثر المشكلات، فيزداد التهجم على المنظمات الخيرية وتقل الثقة بها.

8. مشكلات الخلاف: -

وقد وردت عدة إجابات حول وجود الخلاف بين بعض المنظمات الخيرية، وأخرى حول وجود خلاف في المنظمات الخيرية نفسها، وهذا الأمر يجب الترفع عنه لمن نذر نفسه لخدمة الآخرين، ورضي أن يكون من أصحاب العمل الخيري، لأن المقصود الأسمى من العمل الخيري، إصلاح المجتمعات، ولا يمكن أن يتم إصلاح المجتمعات من خلال منظمات وأفراد يفتقدون هذه المعاني، فإن فاقد الشيء لا يعطيه.

ولعل هذا يبرر ضعف كثير من الأنشطة والأعمال الخيرية، انشغالها في الخلافات مع غيرها، وهذا يكلفها جهوداً فكرية، وربما مادية كبيرة كان الأولى صرفها لتحقيق أهدافها واستراتيجياتها المعلنة.

8. ضعف التطوع: -

وقد وردت عدت إجابات خلاصتها تدل على تدني مستوى الاندفاع للأعمال الطوعية وربط المساهمة بالأجور. وتعد مؤشر يعكس، ضعف الاهتمام بالمتطوعين والعمل التطوعي من قبل المنظمات الخيرية عينة الدراسة، ويعزى هذا إلى عدة أسباب، منها: -

(أ) الضعف الاقتصادي في المجتمع، يجعل أكثر الناس تسعى وراء الرزق، وعدم توفر الوقت الكافي لدى الناس للعمل كمتطوعين.

(ب) عزوف بعض المتطوعين عن التطوع في منظمات ليست قريبة من مناطق سكنهم.

(ج) تعارض وقت المتطوع مع وقت العمل أو الدراسة، مما يفوت عليه فرصة المشاركة في العمل الخيري.

(د) عدم وجود الإعلام الكافي عن أهداف المنظمات الخيرية، وأنشطتها التي تساهم في استقطاب المتطوعين.

(هـ) عدم تحديد أدوار واضحة للمتطوعين في الهياكل التنظيمية بين المتطوعين، والموظفين، وعدم وجود إدارات مستقلة تتابع استقطابهم وترتب أوضاعهم.

7. عدم الاستفادة من خبرات الآخرين: -

وقد جاء في بعض الاستجابات، أن من المشكلات التي تواجه العمل الخيري عدم الاستفادة من خبرات الآخرين، وقد تم التعليق عليها في فقرة ضعف التنسيق بين المنظمات الخيرية.

لكن، تجدر الإشارة إلى أن فكرة تأسيس الهيئات الإدارية في المنظمات الخيرية، هي، الجمع بين أكثر من عقلية في أكثر المجالات التي تحتك بها في أنشطتها، وإذا تعذر هذا، فلا بد أن يكون لديها مستشارون، في الكثير من المجالات التي تهمها، فتصدر عن رأيهم ولا تتجاوزهم، وإلا فإن هذا سيؤدي إلى إضعاف المؤسسية، والاستبداد بالرأي وإهمال آراء الخبراء والمختصين، ولا يخفى ما في هذا المسلك من مفاسد كبيرة على العمل الخيري.

 

8. مشكلات عامة: -

وردت بعض المشكلات العامة التي لم يشملها التصنيف أعلاه، ومنها: -

(أ) التحيز من قبل وسائل الإعلام الجماهيرية، حيث تعكس نشاطات بعض المنظمات الخيرية وتحرم البقية.

(ب) الاهتمام بجانب المساعدات، وعدم الاهتمام بجوانب التنمية والتوعية والتأهيل، بالشكل المطلوب، وهذه من المشكلات المشهورة في العمل الخيري، أنها تسعى لتنفيذ المشاريع السريعة الثمرة التي لا تحتاج إلى جهود وأموال كبيرة في تنفيذها، ربما لانشغالها وعدم تفرغها، وربما لعدم وضوح الرؤية لديها، وتقليد الآخرين، وتترك التخطيط طويل الأجل للمشاريع التنموية والتوعوية لتأهيل أفراد المجتمع، وهي من الأمور الشاقة على النفس البشرية، والمكلفة مادياً ومعنوياً، وتحتاج إلى جهود جبارة ووضوح رؤية وخطة إستراتيجية، وهي لن تؤتي ثمارها إلى بعد زمن قد يطول، وهذا مالا تستطيعه النفوس المتعجلة في إدارة المنظمات الخيرية.

(ج) ندرة الكتب والمراجع التخصصية في العمل المؤسسي والعمل الخيري، وهي من المشكلات التي واجهها الباحث.

(د) تسييس العمل الخيري: ومن المشكلات ما ذكره بعض المبحوثين، من توجيه العمل الخيري من قبل البعض، ممن لم تتشبع نفوسهم بمعنى العمل الخيري ورسالته، فيستخدمه كستار وشعار لأغراض حزبية أو سياسية تخرج العمل الخيري عن مضمونه ومحتواه، وهذا المنهج يضر بالعمل الخيري كثيراً، ويفقده المصداقية والأمانة التي هي من مقومات نجاحه وضروريات وجوده، فضلاً عن سوء الظن بالعمل الخيري لدى الكثير من أفراد المجتمع والجهات الرسمية، وحري بمن تشبعت نفوسهم بمضامين العمل الخيري الترفع عن هذا المسلك والإبقاء على وجه العمل الخيري مشرق وناصع، حتى لا يعرض المتعاطفون والخيرون عن دعمه والوقف إلى جانبه.

(هـ) عدم وجود آليات منصفة لتقييم المنظمات الخيرية العاملة في الساحة، وقد يتساوى الجميع في استحقاقات المساعدات الحكومية، وهي دعوة وجهها بعض المستجيبين للجهات الرسمية أن تمارس مسؤولياتها في إيجاد معايير سليمة لتقييم العمل الخيري والبعد عن الظنون الخاطئة غير المبنية على معايير واقعية سليمة.

التوصيات ومقترحات التطوير والتحديث

 

تمهيد:

نوصي القائمين على المنظمات الخيرية بالارتفاع إلى مستوى المسؤولية، التي وضعوا أنفسهم فيها من خلال اختيارهم لهذا الطريق، فإن هذا المجال لا يصلح له إلا أناس توفرت لديهم معايير ذاتية ومواصفات معنوية، أبرزها تقديم الخدمة للآخرين، وإيثار راحتهم وسعادتهم على راحتهم الشخصية، وهذه معاني تتطلب توفر مقدار من حب الآخرين وإسعادهم، وتقديم راحتهم والسهر على خدمتهم، مع ما يلازم ذلك من الأمانة على حقوقهم وحقوق المتبرعين، والصدق في ذلك، والتفاني من أجله.

وليست هذه المعاني غريبة على مجتمعات المسلمين، إذ أنها من صميم دينهم ونبع عبوديتهم لله تعالى؛ حيث قال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) (1)، وقال: (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذي هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) (2)، وقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، في حديثه الجامع المشهور، الذي أخرجه ابن أبي الدنيا في (قضاء الحوائج)، عن ابن عمر وحسنه الألباني: "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً -ولو شاء أن يمضيه أمضاه-ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله - تعالى - قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل"(3).

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيما أخرجه، أحمد ومسلم وأبو داوود، وصححه الألباني، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"(4).

فما تركت هذه الآيات والأحاديث أي سبيل لأهداف أو مقاصد للعمل الخيري، إلا وتطرقت إليه، فإذا أدرك القائمون على العمل الخيري، هذه المعاني، وامتثلوا لها، وصدقوا مع الله فيها، وفقهم الله وأعانهم على مشكلات، ومشاق ومعاناة العمل الخيري، الكثيرة.

 

أولا: مقترحات مستفادة من تحليل البناء المؤسسي للمنظمات الخيرية: -

إن النجاح الملموس في البناء المؤسسي للمنظمات الخيرية، الذي أثبتته هذه الدراسة، يجعلنا نقف وقفة المتأمل، أمام هذه الجهود، التي تبذل على الرغم من المعوقات والصعوبات التي تواجهها، إلا أنها استطاعت أن تقدم شيئاً ملموساً، وتتجاوز الكثير من العقبات.

وحتى يستمر البناء المؤسسي في تحقيق نجاحات أكثر، فإننا نوصي القائمين عليه بالأخذ بالمقترحات التالية: -

1-إعادة النظر في الأنظمة الحالية، وتبني الأنظمة الإدارية الحديثة: -

وذلك من أجل مواكبة المتغيرات العالمية والمحلية، المتسارعة، وإعادة النظر في الهياكل الإدارية التي تركز على المهام والانجازات، أكثر من القواعد والإجراءات، حتى تتحول من منظمات تقليدية إلى منظمات حديثة ذات هياكل محددة في مستوياتها التنظيمية والإدارية، وتعمل بروح الفريق، وإلى منظمات متعلمة، تعمل بالتعلم من تجاربها ومن تجارب المنظمات الرائدة، ويقوم عليها مدراء وعاملون، لديهم دوافع ذاتية للتعلم، واكتساب المعرفة، والبناء عليها، ومن منظمات تعتمد مركزية القرار، إلى منظمات تعمل باللامركزية، وتمكن المديرين والمؤهلين، من العاملين كصناع قرارات، في مستوياتهم الإدارية، ومن الإدارة بالأوامر، إلى الإدارة بالمشاركة، ومن الإدارة بالتخمينات، إلى الإدارة بالمعلومات، ومن الإدارة الكسولة، إلى الإدارة بالابتكار.

2- تبني التخطيط الاستراتيجي وتحسين جودة الخدمات: -

إن من أهم الإجراءات التي ينبغي أن تقوم بها قيادة المنظمات الخيرية، هي التخطيط الاستراتيجي المبني على تحديد الرؤية المشتركة والأهداف والاستراتيجيات، التي تعكس تطلعات المؤسسة المستقبلية على المدى البعيد، وتجعلها أكثر وضوحا وتركيزا، وأسهل فهما وتحقيقا، من قبل جميع العاملين.

وعليها أن تسعى لاكتساب مهارة وضع البرامج والخطط طويلة الأجل، المعتمدة على دراسة وتحليل المعوقات والسلبيات، ونقاط القوة والضعف، التي تؤثر على أداء المنظمة، و رفع الكفاءة المؤسسية، من خلال إعطاء أهمية بالغة للتخطيط، وصياغة الأهداف وتصميم الخطط والبرامج، ومن ثم تنفيذ ذلك من خلال آليات واضحة، وبذل الجهد الكبير، والوقت الكافي، في تدريب العاملين على التنفيذ السليم، ثم تقييم الإنجازات من خلال معايير واضحة مرتبطة بالخطط والأهداف، وليست من خلال معايير مرتجلة أو عاطفية أو شخصية.

3-الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة: -

نوصي القائمين على المنظمات الخيرية بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وبناء قاعدة بيانات ومعلومات حديثة، والانتقال إلى مرحلة متقدمة من التكنولوجيا، من خلال القيام بعملية تغيير جذري وحقيقي لكل العناصر المكونة لها، وإعادة صياغتها، وفقا لمفاهيم ومتطلبات عصر المعلومات، والتحول بمفهوم المعلومات من كونها وصفية وإحصائية تاريخية، إلى اعتبارها حركة متدفقة من الحقائق والمؤشرات والعلاقات والفرص والمعوقات.

4-ترسيخ المؤسسية والبعد عن الفردية: -

إن الفردية وحب التملك والسيطرة فطرة، فطر الله الناس عليها، ومالم تتوفر قناعات ذاتية نابعة من عمق فكري بأهمية المؤسسة والبناء المؤسسي، ومعرفة دور الفرد في المؤسسة، وعلاقة المؤسسة بالفرد، فسيظل الفرد، هو المسيطر والمتحكم بالمؤسسة، وبنشاطه تنشط، وبتغير أفكاره، تتغير ثقافة المؤسسة، وبموته تموت.

حتى وإن كتبت أهداف واستراتيجيات، ورسمت الهياكل، وفصلت المهام والصلاحيات، كل ذلك سيبقى حبرا على ورق، ما لم تستولي المؤسسة على زمام القيادة، وليس الأفراد، مع الاستفادة الكبيرة من الأفراد، وطاقاتهم وإبداعاتهم، لكن لابد أن تظل الروح المؤسسية، هي المهيمنة ولا تتأثر بتغير الأفراد.

5-الاهتمام بقيادة المنظمات الخيرية: -

وذلك من حيث اختيار الكفاءات التي تمتلك الوضوح في الرؤى والاستراتيجيات، ولديها القدرة الكافية في تحليل العوامل المؤثرة على أداء المنظمة، وتشجيع الابتكار، ومشاركة العاملين، وتعمل على تطوير ذاتها والآخرين.

6-العناية الفائقة بالمورد البشري: -

اختياراً، وتدريباً، وتحفيزاً، ثم المحافظة عليهم من خلال رفع مستوياتهم المعيشية، حتى لا يضطرون لترك أعمالهم ومنظماتهم، التي تعبت عليهم وأنفقت الأموال في تهيئتهم، ثم يقطف الثمرة غيرهم، وهذا يدل على سوء في التخطيط، وعدم الإدراك لأهمية هذا المورد الخطير في المنظمات.

وقد يظن القائمون أن البدائل متوفرة، ومن السهل التخلص من العاملين، لكن الذي امتلأ قلبه منهم بحب العمل الخيري منهم، وتعبت المنظمة في صقل مواهبه، ثم لم تحافظ عليه، فإنها تخسر خسارة يصعب أن تعوضها خاصة-مع استمرار التفكير بهذه العفوية والبساطة، وعلى وجه الخصوص المدراء والكوادر المهمة في المنظمة؛ فإنه يضاف إلى ذلك خسارة الفكر التي تضيعه المنظمة بعدم المحافظة عليهم.

وقد تجبر الظروف بعض المنظمات على التخلص من بعض العاملين، نتيجة لظرف قاهرة، لكننا نجزم بأن بقاء المنظمة ونجاحها مرهون ببقاء كوادرها، وفي تقديرنا، لو قلصت المنظمات بعض أنشطتها، وركزت على المهم جداً- منها، وأنفقت فوائض هذه الميزانيات في المحافظة على كوادرها، فإن هذا هو النجاح الذي يصعب على كثير من المنظمات الصبر عليه.

7-الاهتمام بالموارد المالية، والمشاريع الاستثمارية: -

نوصي المنظمات الخيرية بتغيير السياسة في الموارد المالية، القائمة لديها اليوم، باعتمادها على نفقات المتبرعين وصدقات المحسنين، صحيح انه لا يمكن لأي منظمة خيرية الاستغناء عن هذا المورد المهم جدا، وقد تحتاج هذا في أول الأمر، لكن ننصح بأن هذا الاحتياج يكون مرحلة تأسيس فقط، تنتقل بعدها إلى التخطيط لحيازة الأوقاف والمشروعات الاستثمارية، التي تمكنها من حرية التخطيط واختيار الاستراتيجيات المناسبة، وتأدية رسالتها التي تراها هي، لا التي يراها المتبرعون والداعمون، وتنفذ السياسات التي تفرضها قياداتها، لا التي يفرضها عليها الآخرون، وجعل ذلك من صلب استراتيجياتها وخططها، وتفرد له التكوينات الإدارية اللازمة وتنتدب له الكفاءات الإدارية والدعم المالي اللازم.

ومالم تغير المنظمات هذه الثقافة ستضطر لقبول تبرعات تجبرها على تغيير سياساتها، ولا ترسم خططها بالحرية التي تريدها، ولا توجه الموارد لتنفيذ المشاريع المخططة، وستضطر لتتوسع في هيكلها ونطاقها بحسب ما يفكر به الداعمون، لا بحسب ما تقرره قياداتها، وإن غالطت نفسها، فإن الواقع خير شاهد على ذلك، فلن تمتلك هذه المنظمات قرارها، حتى تتحرر في مواردها.

مع التوصية بزيادة الاهتمام بالنظم المالية المحاسبية الحديثة، واعتماد الموازنات الواضحة والدورات المستندية المرنة، بما يحفظ حقوق المتبرعين، وإيصال الأموال إلى مستحقيها، وإثبات كل العمليات المالية إظهاراً للشفافية المالية- التي هي من أهم خصائص منظمات العمل الخيري، بصفتها تعتمد على أموال المتبرعين، وتجمع المال باسم المستفيدين.

 

8-الاهتمام بالإعلام: -

وذلك من خلال تبني خطط إعلامية قوية وواضحة ومدعومة، حتى يزول اللبس والغبش، الذي يحوم حول منظمات العمل الخيري، وحتى يتفهم المجتمع الدور الذي تضطلع به هذه المؤسسات، وحتى تترسخ الثقافة اللازمة لدى المجتمع بأهمية دعم العمل الخيري، والمشاركة فيه.

وفي ظني، أن تقصير قيادات المنظمات تجاه سياسة دعم الإعلام في المنظمات، وإن كان له ما يبرره، من قلة الإمكانيات، إلا أنها لا بد أن تتنبه إلى كوننا في عصر أحد أبرز سماته الإعلام ولغة الإعلام وصناعة الرأي العام، والمنظمات الخيرية كلها تعتمد على التسويق من خلال الإعلام، ونجاح المنظمة دالة تتأثر بحجم النشاط الإعلامي لها.

وفي تقديرنا، أن التخفيف من دعم بعض المشاريع الثانوية، وتخصيص هذا الدعم لتطوير الإعلام والمجال الإعلامي للمنظمة، إضافة إلى جعل ذلك ثقافة، وعمل الخطط اللازمة لذلك، واختيار الأكفاء، من الكوادر المتخصصة؛ فإن هذا سيؤدي إلى ظهور وازدهار ونمو هذه المنظمات، وسيغير المجتمع نظرته القاتمة حولها، وسيدعمها بدفع أبنائـه في التطوع لتنفيذ أعمالها.

ونحث على السعي لإقناع الجهات الإعلامية الرسمية لتبني الدعاية والترويج لأنشطة المنظمات الخيرية، فلو تعلم هذه المؤسسات أثر المنظمات الخيرية في تنمية المجتمع، ومدى مشاركتها في إستراتيجية مكافحة الفقر، لأفسحت لها المجال، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة في إقناعها بحقيقة الرسالة الخيرية لهذه المنظمات.

9-الاهتمام بالنظم واللوائح الإدارية: -

وتنظيم الحقوق والواجبات وكتابة السياسات اللازمة، ووضع الأدلة والإجراءات وقواعد العمل مع وضوح الموازنات، وكل ما من شأنه أن يخرج المؤسسة من رؤوس المؤسسين والقائمين، إلى الواقع المكتوب، الذي يستطيع أن يسترشد به من يأتي بعدهم، إذا غابت تلك الرؤوس.

ولن تكون المؤسسة، مؤسسة، حتى تتوفر لديها الأدلة لكافة الإجراءات المبنية على الأهداف والاستراتيجيات، والتقصير في ذلك، يؤدي إلى البلبلة والتخبط، ثم ضياع المؤسسات، عندها يأتي دور الأفراد في إنقاذ مؤسسات أهلكوها بسوء إدارتهم لها، وعدم التوضيح والتفصيل للأهداف والمهام والإجراءات والموازنات.

ومتى تكون المؤسسة، مؤسسة، وكثير من القائمين عليها، لا يحبون الكتابة الكثيرة، بحجة ضياع الأوقات في الحشو الزائد الكثير، وأن العمل أهم من الكتابة، فإذا أجبروا على الكتابة، ضاقت صدورهم بالقراءة.

وإذا أجبروا على القراءة، لم يستوعبوا المفاهيم، والمضامين، فإذا قرأوا ذلك لم يوثق ولم يحفظ، ولم يعتنى به، وإذا وثق وحفظ واعتني به، أهمل في الأدراج والملفات، واعتلاه الغبار، ولم يخرج إلى العاملين ليطبق كثقافة في أرض الواقع، وعندما تنسى هذه الأفكار وما كتبه الخبراء، يأتي دور الأفراد الذين يجهلون الكثير عن المؤسسة فإذا بها في تخبط دائم وضياع لازم.

 

ثانيا: مقترحات التطوير والتحديث من خلال البيانات العامة لعينة الدراسة: -

1. الاهتمام أكثر بالقطاع النسائي: -

وذلك من خلال وضع البرامج التعليمية التأهيلية وبرامج الأسر المنتجة، مع مراعاة تعاليم الدين الحنيف، في ذلك حتى تعم الفائدة وينزل التوفيق والبركة من الله، وبما يفوت الفرص على الذين يصطادون في الماء العكر، من خلال دعاوى تحرير المرأة، وهم يقصدون بذلك وأد الفضيلة.

ونوصي بهذا الخصوص، إما بتوسيع العمل النسائي، من خلال الأطر القائمة، أو من خلال فتح المنظمات النسائية المستقلة بهن، لكن، لا بد من التدريب والتأهيل الكافي والتوعية اللازمة بمضامين ومعايير العمل الخيري، مع مراعاة خصوصيات المرأة، وتعليمات الشريعة المطهرة في كل ذلك.

2. الاهتمام أكثر بفئات المتطوعين: -

من خلال إقامة الإدارات الخاصة بمتابعة شؤونهم، بحسب ظروفهم وإمكانياتهم ومناطقهم، وإعادة ترتيب الهياكل التنظيمية، بإضافة إدارات شؤون المتطوعين، وتحديد الأدوار الواضحة التي تفصل بينهم وبين الموظفين، وتعيين الأكفاء في إدارة المتطوعين، بما ينسجم مع النفسية التطوعية، التي يتميزون بها، وبما يؤدي إلى رفع إنتاجهم، وكثرة عطائهم، لا إلى إحباطهم، والتقليل من الاستفادة منهم.

3. الاهتمام بالمؤهلات العلمية والتخصصية: -

خصوصاً في مجالس الإدارة ومفاصل العمل الخيري، لما في ذلك من أثر في نوعية القرارات والخطط والاستراتيجيات، والتنفيذ والتقييم، على أسس علمية ومعايير سليمة.

4. التوسع في فتح المنظمات الخيرية: -

من جمعيات ومؤسسات وغيرها من المنظمات الأهلية، لكن مع مراعاة أخذ الوقت الكافي في التفكير في نوعية المنظمة، وما هو الجديد الذي ستضيفه إلى خدمة المجتمع، والنظر في آليات التمويل والتنفيذ، وسياسات وإجراءات العمل، وعلاقتها بالمنافسين من المنظمات المماثلة، والداعمين، وغير ذلك، حتى لا تصطدم بالواقع، وتتعجل في إنزال أهداف ضخمة قد تعجز عن تحقيقها، أو تحقق جزء يسير منها.

5. التركيز في العمل الخيري: -

وعدم توسيع النطاق الجغرافي للمنظمة، إلا بما يتناسب مع إمكانياتها المادية والبشرية، وعدم الانسياق وراء رغبات وعواطف الناس، ممن لا يعرفون ظروف العمل الخيري، فإن فتح الفروع بغير رؤية واضحة، ودراسة عميقة، وأد للنشاط، وتشويه لسمعة المنظمة؛ لأنه سيكون حليف التقصير، والتضارب، والتخبط، وضياع الحقوق، والإخفاق في معظم الواجبات، إن لم يكن كلها.

6. الاهتمام بمجالات التنمية والتأهيل: -

من خلال رسم استراتيجيات مكافحة الفقر، ومشاريع الأسر المنتجة، أكثر من الاهتمام بتقديم المعونة العاجلة الطارئة، وإن ذموكم الناس وتكلموا عليكم، فإن المصلحة الحقيقية للمجتمعات، تكمن في تدريب أبناءها وإعفافهم، وإن قل عددهم، وما أكثر ما يتداول العقلاء الحكمة القائلة: (أعط الفقير سمكة، وستطعمه يوماً، ولكن علمه الصيد وستطعمه مدى الحياة).

7. التخصص في الأعمال الخيرية: -

بدلاً من تكرارها، إلا في حال الضرورة، التي تفرضها حاجة المجتمع، وليس لمجرد تقليد الآخرين، والبحث عن المجالات التي تخدم المجتمع، مع السعي للتميز والجودة في تقديم الخدمة، ومراعاة حسن التخطيط لكيفية تمويل هذه المشاريع دون انقطاع، وعدم التوسع، إلا بالقدر الذي تخططه قيادة المنظمة، وليس الذي يمليه عليها المتحمسون والمتعجلون.

8. الاهتمام أكثر بالمجالات الصحية والتدريب الصحي ودعم المراكز الصحية: -

وذلك لحاجة المجتمع إليها وندرتها في القطاع الخيري.

9. الاهتمام بمجالات التعليم والتربية ومحو الأمية: -

مع مراعاة الاختيار السليم للمنهج القويم، الذي لا يتنافى مع ثوابت الأمة ومسلماتها ومعتقداتها، واختيار المدرس الكفء، والإنفاق وبذل قصارى الجهود من أجل إعداده، وعدم التعجل في اختيار المناهج والمعلمين؛ لما يلحق ذلك من آثار خطيرة في تجهيل الناس والانحراف بمعتقداتهم.

10. الاهتمام أكثر بالمشاريع الإنشائية: -

كالمساجد وحفر الآبار، والمدارس العامة ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومراكز تأهيل الأيتام والأحداث والمجهولين من الأطفال، وغيرها من الشرائح الفقيرة؛ لما في ذلك من أثر في إسهام المنظمات الخيرية في تقوية البنية التحتية للمجتمع، والمساهمة في تأهيل ورعاية الفقراء من أبناء المجتمع.

 

ثالثا: مقترحات التطوير المستفادة من استعراض المشكلات والتحديات: -

أظهرت الدراسة، أن المشكلات والتحديات التي تواجهها المنظمات الخيرية، قد تمحورت بشكل يبرز لنا معاناة القطاع الخيري، وحاجته إلى التطوير والتحديث للارتقاء بعمله إلى الشكل المطلوب، وفيما يلي نقدم المقترحات التالية لتطوير أداء هذه المنظمات:

1. لتفادي مشكلات تدني الوعي لدى أفراد المجتمع بأهمية العمل الخيري وتفادي محاربته والتضييق عليه: -

نؤكد على أهمية العلاقات العامة والإعلام، وجعل ذلك ركيزة مهمة هدفها تحسين سمعة المنظمة لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية وكافة أفراد المجتمع، بل في الداخل والخارج، فما حصل هذا إلا بالقصور الكبير في الجانب الإعلامي والعلاقات والتواصل مع المجتمع بكافة فئاته.

2. التنسيق والتكامل والتعاون بين المنظمات الخيرية ذات الأهداف المشتركة: -

من خلال وضع إجراءات عملية للتنسيق والتكامل والتعاون بين المنظمات الخيرية، ذات الأهداف المشتركة، لما في ذلك من الاستفادة من الخبرات والتكامل في النشاطات، والبدء من حيث انتهى الآخرون، والتخصص في توفير الخدمات التي يحتاجها المجتمع ويعجز عن تنفيذها الآخرون، والتقارب وعدم التكرار في تنفيذ الأنشطة.

3. الترفع عن الخلاف بين المنظمات الخيرية: -

وإن كان ولا بد، من وجود الخلاف في الآراء، فليكن للخلاف ضوابط من احترام آراء الآخرين، واجتهاداتهم وحسن الظن بهم وحمل أعمالهم وأقوالهم على أحسن المحامل، ما لم ينشر أو يظهر خلاف ذلك، وفي هذه الحالة، يكون الرد مهذباً ويترفع عن الهمز واللمز، ولتكن مصلحة المجتمع فوق كل اعتبارات، وفقاً للضوابط الشرعية وثوابت الأمة.

4. الترفع عن تسييس العمل الخيري: -

وتوجيهه لأغراض تخرجه عن مضمونه وتفرغه من محتواه، فإن للعمل السياسي إطاراته التي تصلح له، وأن لا يجعل العمل الخيري مطية لمثل هذه الممارسات غير المسئولة.

5. دور وزارة الشؤون الاجتماعية في دعم المنظمات الخيرية: -

على وزارة الشؤون الاجتماعية ومكاتبها في المحافظات، المساهمة في الوقوف مع المنظمات الخيرية، من خلال إيجاد آليات صحيحة لدعمها وتقويم أعمالها ومساعدتها في تحسين سمعتها لدى المجتمع والجهات الرسمية؛ فإن نجاح الوزارة في ذلك هو نجاح للمنظمات، ونجاح المنظمات وصول الثمرة إلى الفقراء والمحتاجين في المجتمع، وتحقيق أهدافها الكبيرة.

وعلى الوزارة، يقع العبء الأكبر، في إقناع وسائل الإعلام في الترويج للعمل الخيري، وتحسين سمعته داخلياً وخارجياً: مع عدم السماح بالممارسات الخاطئة والتي تتعارض مع ثوابت الأمة، وعليها يقع عبء تدريب القيادات، والتنسيق مع المنظمات المحلية الدولية في ذلك، ووضع المعايير اللازمة لاختيار هذه القيادات، والمفاصل الأخرى في هذه المنظمات؛ مع مراعاة الحرية الممنوحة لها كمنظمات مجتمع مدني، وعدم التدخل في شؤونها، وترك الخيار لها في تصحيح أوضاعها.

كما يقع عليها، عبء التنسيق بين المنظمات الخيرية، دون إجبارها على خيارات لا تتحمس لها، وإنما تضع البدائل والخيارات التي تكون مقبولة عند هذه المنظمات، وتترك لها فرص الاختيار الكاملة غير المشروطة.

وعليها توفير الكتب والمراجع والبحوث، ودعم المنظمات بها؛ لما من شأنه بث ثقافة العمل الخيري، وتصحيح مفاهيمه، ومنطلقاته.

وعليها يقع، التوزيع العادل في الدعم والمساندة، والدعم الإعلامي؛ بحسب معايير تقييم عادلة، تضعها الوزارة، بالتشاور مع المنظمات الخيرية العريقة في الأعمال الخيرية في البلاد.

 

----------------------------------------

(1) سورة الإنسان: آية (8).(2) سورة الماعون.

(3) (صحيح الجامع) للألباني، برقم (176).

(4) (صحيح الجامع) للألباني، برقم (6497).

 

15/1/1428 

03/02/2007

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: