البطالة ومشاريع التوظيف غير المجدي

محمد أبو بكر الرحمنو

 

قامت الحكومة السودانية في سبيل حل مشكلة البطالة بفتح بضعة عشر ألف وظيفة جديدة في مؤسساتها؛ من أجل استيعاب جزء من الخريجين المتعطلين عن العمل، وعزمت أن تستمر في فتح الوظائف سنويا؛ كاستراتيجية في المساعدة على حل أزمة البطالة المتفشية وسط الخريجين.

إن هذه المسألة تحتاج إلى تدارس عدة نقاط؛ حتى تظهر جوانبها المختلفة؛ والتي أرجو أن أكون فيها موضوعياً:

 

البعد الأول:

في هذا البعد أتحدث عن مقصد الدولة في فتح فرص عمل كبيرة كهذه..وأحسب أنه مقصد مراد حسن..وقصدت بإضافة كلمة (مراد) أن يفهم من كلمة المقصد: النية؛ وإلا فإنني أحسب أن المقصد بمعنى السبيل غير موفق.. وعلى كل حال فإن الدولة استوعبت خطورة المشكلة؛ وأبدت اهتماماً بها، ثم عملت نحو إيجاد حلول لها، وبدأت في التطبيق بهذه الخطوة.. وهذا أمر ينبغي الإشادة به.

 

البعد الثاني:

أن كمية ضخمة من الموظفين الجدد كهذه تحتاج إلى نفقات ضخمة؛ بدءاً من تكاليف التعيين، إلى تكاليف التدريب، ثم انتهاء بتكاليف المرتبات؛ وهي تكلفة دائمة، ومستمرة؛ فمن الذي سيتحمل عبء هذه التكلفة؟.

إن الدولة تخطو خطوات واسعة في مجال التنمية الحضرية؛ والبنى التحتية.. خطوات أدت بها إلى الاستدانة عن طريق ربوي استعجالاً في تنفيذ مشروعات ضخمة.. ثم إن موارد البترول لا تكفي لمستلزمات التنمية؛ ناهيك عن إضافة عبء بضعة عشر آلاف موظف دولة جديد.. فمن أين ستسد هذه الفجوة؟. أقول: إن هذه الفجوة سيعمل على تجسيرها بمزيد من التكاليف، والفروض، والجبايات على العاملين في النشاطات الصناعية والاقتصادية والخدمية المختلفة.. وإلا فمن أين؟!.. وهذا معناه أن إخراج بعض الناس من دائرة العطالة سيكون على حساب القطاعات المنتجة في الدولة، كما سيؤدي إلى الهروب من العمل المباشر والظاهر إلى العمل المستتر الخفي، وأول ما كان يعلمنا إياه أساتذة التاريخ ومناهج التاريخ أن من أعظم أسباب قيام الثورات والمشكلات والصراعات: الضرائب الباهظة.

 

البعد الثالث:

أليس هناك ترهل أصلاً في أجهزة الدولة؟ أليس الأولى إعادة هيكلة أجهزة الدولة، وتنظيمها بدلاً من إدخال آلاف العاملين الجدد فيها؟.

 

البعد الرابع:

إن من واجب الدولة تسهيل حياة المواطنين، وفض النزاعات بينهم، وإصلاح عاداتهم وسلوكهم، وصيانة أعراضهم وأموالهم، والمحافظة على شرعية المعاملات بينهم.. وهذا الواجب هو واجب تنظيمي في المقام الأول، قضائي في المقام الثاني.. كما أن من واجبها حماية الدين والعباد، وإنفاذ الأحكام ورقابتها؛ وليس عليها أن تدخل في كل مجال؛ مستثمرة، أو مشاركة في الاستثمار؛ منافسة مع المتنافسين في الأسواق؛ فإن ذلك يسبب الضرر الجسيم بالمتعاملين والعاملين، ويصير قطاع كبير من الأسواق رهينا بأيدي موظفي الدولة؛ يتصرفون فيه بنظرة الفتوة المعهودة وعدم الاكتراث وضعف المسؤولية.. هذا مع امتيازات لا حق لها، ومستحقات لا تعد.. وأحسب أن الدولة لو أفسحت المجال للمواطنين في التعامل النفعي بالأموال، والتجارة، والصناعة، والخدمات، والزراعة؛ وقصرت جهودها على التنظيم، والأحكام أنه خير وأجدى وأنفع للناس؛ ليجدوا الحرية في التعامل، والتسهيل من الدولة في تنمية أعمالهم.

لا بد من الانتباه إلى مآلات مثل هذا التوجه في حل مشكلة البطالة، وآثاره، وحبذا لو اهتمت الدولة بتيسير سبل العمل الحر؛ حتى ولو مثل سقات الماء في الطرقات، وبيع الهتش في المفارش؛ فهذا خير من توظيف آلاف دون حاجة، وخير من هدر الموارد، والتضييق على المنتجين.

 

http://www.meshkat.net             المصدر: