الاستراتيجية الغربية لتنصير المسلمين ودور الكنائس الشرقية فيه
أ. د. محمد عمارة
لقد عاشت الكنائس النصرانية في الشرق الإسلامي قروناً طويلة وهي تدرك أن الإسلام هو الذي أنقذها وأنقذ نصرانيتها من الإبادة الرومانية التي امتدت منذ ظهور المسيحية وحتى الفتوحات الإسلامية. ففي تلك القرون الستة عاشت النصرانية الشرقية تحت نير الاستعمار الروماني ديانة سرية مضطهدة ومطاردة ومتهمة بالهرطقة، حتى لقد اغتصب الرومان كنائسها وأديرتها بعد تدينهم بالنصرانية..منذ الانشقاق الذي حدث في "مجمع خلقدونية" سنة 451م، وتكون "المذهب الملكاني" الروماني، المعادي للنصرانية الشرقية..فتواصل الاضطهاد الروماني للنصرانية الشرقية بعد اعتناق روما للنصرانية، كما كان الحال في عصر وثنية الرومان!
ولقد استمر هذا الاضطهاد، الذي هربت منه قيادات النصرانية الشرقية إلى الصحارى والجبال والمغارات.. والذي تؤرخ الكنائس الشرقية حتى الآن بمجازره ضد أنصارها، فتسميه "عصر الشهداء"!
عاشت النصرانية الشرقية هذا التاريخ، حتى جاء الفتح الإسلامي فحرر أوطانها من القهر السياسي والحضاري والثقافي والاقتصادي.. وحرر ضمير رعاياها من القهر الديني.
وظلت هذه النصرانية الشرقية وكنائسها واعية بذكريات هذا التاريخ الدموي.. وعارفة ومعلنة عن فضل الإسلام وفتوحاته التحريرية في إنقاذها من الهلاك والانقراض.
فشاهد العيان على الفتح الإسلامي لمصر، الأسقف "يوحنا النقيوسي" هو القائل:
"إن الله الذي يصون الحق، لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى يد الإسماعيليين من العرب المسلمين". ثم نهض المسلمون وحازوا كل مصر.. وكان هرقل (610 641م) حزيناً، بسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مصر، وبادرهم الذي يأخذ أرواح حكامهم... مرض هرقل ومات.. وكان عمرو بن العاص (50ق ه 43 ه 574 664م) يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، لم يأخذ شيئاً من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئاً ما، سلباً أو نهباً، وحافظ على الكنائس طوال الأيام"(1).
كما تحدث هذا الأسقف عن الأمان الذي أعطاه عمرو بن العاص للبطريك "بنيامين" (29ه 659م) بطريك المصريين الذي كان هارباً من مطاردة الرومان ثلاثة عشر عاماً وعن عودته إلى رعيته.. واستقبال عمرو بن العاص له.. وزيارة البطريك للكنائس التي حررها له الإسلام.. والسعادة التي عبّر عنها وأعلنها بما صنع الفتح الإسلامي للنصرانية المصرية.. فقال الأسقف يوحنا النقيوسي:
"ودخل الأنبا بنيامين بطريرك المصريين، مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الروم ثلاثة عشر عاماً.. وسار إلى كنائسها، وزارها كلها، وكان كل الناس يقولون: هذا التقي، وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين.. وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر.. وخطب الأنبا "بنيامين" في دير "مقاريوس" فقال: لقد وجدتُ في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون.. "(2).
وبعد الأسقف "يوحنا النقيوسي" بعدة قرون، يشهد الأسقف "ميخائيل السرياني" على ذات الحقيقة، فيقول عن تحرير الإسلام للنصرانية المصرية والشرقية، وعن سماحة الإسلام مع نصارى مصر:
"لم يسمح الإمبراطور الروماني لكنيستنا المونوفيزتية "القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح" بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت، ولهذا، فقد انتقم الرب منه.
لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة، واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا أبناء إسماعيل من الجنوب لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية، وعشنا في سلام"(3).
ولما حرر عمرو بن العاص كنائس مصر وأديرتها من الاغتصاب الروماني، وردها إلى أهلها "خرج للقائه من أديرة وادي النطرون سبعون ألف راهب، بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه، وكتب لهم كتاباً (بالأمان) هو عندهم(4)" في أديرتهم...
وحتى القرن العشرين، ظل المؤرخون النصارى الوطنيون يشهدون على هذه الحقيقة حقيقة إنقاذ الإسلام للنصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية فكتب صاحب كتاب "تاريخ الأمة القبطية" يعقوب نخلة روفيله (1847م 1905م) يقول:
"ولما ثبت قدم العرب في مصر، شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلين واستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم.
وأول شيء فعله من هذا القبيل: استدعاء "بنيامين" البطريرك، الذي اختفى من أيام هرقل ملك الروم، فكتب أماناً أرسله إلى جميع الجهات يدعو فيه البطريرك للحضور، ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر، وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع، أكرمه، وأظهر له الولاء، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وحمل البطريرك بنيامين إلى مركزه الأصلي معززاً مكرماً، وكان بنيامين موصوفاً بالعقل والمعرفة والحكمة حتى سماه بعضهم "بالحكيم".. وقيل إن عمراً لما تحقق ذلك منه، قرَّبه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات يستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخبرها، وقد حسب الأقباط هذا الالتفات منّة عظيمة وفضلاً جزيلاً لعمرو.
واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة، تضمن راحة الأهالي، فقسم البلاد إلى أقسام، يرأس كلاً منها حاكم قبطي ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعيّن نواباً من القبط ومنحهم حق التداخل في القضايا المختصة بالأقباط والحكم فيها بمقتضى شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني، وهي ميزة كانوا قد جُرّدوا منها في أيام الدولة الرومانية.
وضرب عمرو بن العاص الخراج على البلاد بطريقة عادلة.. وجعله على أقساط، في آجال معينة، حتى لا يتضايق أهل البلاد.
وبالجملة، فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان"(5).
نعم.. ظلت الكنائس المحلية في الشرق الإسلامي طوال قرون عيشها المشترك مع الإسلام، واعية بهذه الحقائق، وذاكرة لها، ومتذكرة لآثارها.. ولذلك، انخرطت مع رعيتها طوال هذه القرون فاندمجت في الأمة الواحدة، وأسهمت في بناء الحضارة الإسلامية الواحدة.. وانتمت إلى مكونات الهوية الواحدة التي جمعت بين الجميع هوية: اللغة.. والتاريخ.. ومنظومة القيم والأخلاق مع التنوع والتمايز في عقائد الدين.
وفي ضوء هذه الحقائق التاريخية التي شهد عليها وبها الأساقفة والمؤرخون والتي أثمرت قدراً من الاندماج القومي والحضاري والثقافي، ونماذج من العيش والتعايش المشترك، صار مضرباً للأمثال ونموذجاً للاحتذاء.. في ضوء ذلك يأتي السؤال الذي يحيّر البعض عن السر الذي جعل قطاعات عديدة ومتنفذة.. وأحياناً قائدة في هذه الكنائس تتحول عن حذرها التاريخي من العمل على تنصير المسلمين، لتنخرط في عملية التنصير.. وبالاشتراك مع من؟.. مع الغربيين، أحفاد الذين اضطهدوا الأسلاف.. وضد من؟.. ضد المسلمين، أحفاد الأسلاف الذين حرروا أولئك الأسلاف؟!
لقد بدأ التنصير الذي يسمونه تبشيراً كجزء من الغزوة الاستعمارية الغربية للشرق، مارسته مذاهب النصرانية الغربية البروتستانت والكاثوليك وكانت سهام هذا التنصير في مراحله الأولى موجهة ضد أبناء الكنائس الشرقية، لأنهم الأقرب في الاستجابة لمذاهب نصرانية بينها وبينهم وجوه شبه كثيرة ولما كانت عليه كنائسهم الشرقية من جمود وتخلف وجهل وتقليد.. ولما كان في موالاة مذاهب المستعمرين من امتيازات.
وبعد أن اكتسب هذا التنصير الغربي لمذاهبه الغربية مواطئ أقدام بين النصرانية الشرقية، بدأ يتوجه نحو تنصير المسلمين.. لكنه رغم طول الزمن.. وكثرة الإنفاق.. ومشقة الجهود لم يحصد إلا خيبة الأمل في ميادين التنصير للمسلمين!!
ولهذه الحقيقة، تداعت الكنائس الغربية والأمريكية المشيخية منها على وجه الخصوص لدارسة تاريخ التنصير.. وتجاربه.. وأساليبه.. والدروس المستفادة من هذا الإخفاق.. ولدراسة الأساليب الجديدة لتنصير المسلمين.. فكان المؤتمر التاريخي الذي عقد في منتصف مايو 1978م في "كولورادو" من ولاية "كاليفورنيا" بالولايات المتحدة الأمريكية.. والذي ناقش المؤتمرون فيه أربعين بحثاً.. ثم نشرت وثائقه إلا ما له حساسية شديدة!.. باللغة الإنجليزية سنة 1978م.. ثم ترجمت إلى العربية تحت عنوان: (التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي).. فيما يقرب من ألف صفحة.
ففي وثائق هذا المؤتمر التي تمثل "بروتوكولات قساوسة التنصير" نجد الإجابة على هذا السؤال:
لماذا خرجت الكنائس الشرقية أو بعضها على الأقل عن هذا "الحذر التاريخي" فانخرطت في ميدان تنصير المسلمين، بعد أن كانت تبتعد عن ذلك طوال تاريخ تعايشها وعيشها المشترك مع الإسلام والمسلمين؟!
إن هذا التحول التاريخي في الموقف الكنسي الشرقي من هذه القضية، هو بإيجاز شديد جزء من النجاح الغربي في توظيف الكنائس الشرقية بعملية تنصير المسلمين، التي هي جزء من الحملة الغربية ضد الصحوة الإسلامية المعاصرة، والبعث الإسلامي الحديث.
لقد جاء حين من الدهر في ظل الاستعمار الغربي الحديث للشرق الإسلامي قد أزاحت الإسلام عن مكانته في السياسة والدولة والاجتماع والقانون.. وأنه لم يبق من هذا الإسلام إلا العقائد والشعائر والعبادات.. وأن التصنيع الحديث والعلوم الطبيعية وتقنياتها ونظرياتها قد صنعت بالإسلام ما صنعته بالنصرانية الغربية، عندما همّشتها، وعزلتها عن التأثير في مختلف ميادين الحياة.
لكن.. وفجأة.. فوجئ الغرب السياسي والديني بأن الإسلام لم يتزحزح عن أي من قواعده الراسخة في ميادين الدولة والسياسة والاجتماع والقانون.. وأنه لم تتم أي علمنة حقيقية في عالم الإسلام.. ولقد نشرت مجلة "شؤون دولية" الصادرة في "كمبردج" بإنجلترا عدد يناير سنة 1991م دراسة عن موقف الإسلام هذا.. فقالت:
"إن النظرية التي يعتنقها علماء الاجتماع، والتي تقول: إن المجتمع الصناعي والعلمي الحديث يقوّض الإيمان الديني مقولة العلمنة صالحة على العموم.. فالتأثير السياسي والسيكولوجي للدين قد تناقص عملياً في كل المجتمعات، وبدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة.. لكن عالم الإسلام استثناء مدهش وتام جداً من هذا.. فلم تتم أي علمنة في عالم الإسلام. إن سيطرة الإسلام على المؤمنين به هي سيطرة قوية، وهي بطريقة ما أقوى الآن عما كانت من 600 سنة مضت. إن الإسلام مقاوم للعلمنة في ظل كل النظم السياسية الراديكالية والتقليدية التي تقف بين بين وإن وجود تقاليد محلية للإسلام، قد جعل عملية الإصلاح الذاتي، استجابة لدواعي الحداثة تتم باسم الإيمان المحلي.. الأمر الذي مكن العالم الإسلامي من الإفلات من المعضلة التي أرقت المجتمعات الأخرى.. معضلة إضفاء الطابع المثالي على الغرب، ومحاكاته الباعثة على الإذلال! "وهذا هو التفسير الأساسي لمقاومة الإسلام المرموقة لاتجاه العلمنة".
ولهذا الاستعصاء الإسلامي على العلمنة والتهميش والتواري.. قرر الغرب السياسي: اتخاذ الإسلام عدواً، وإعلان ذلك صراحة، في ذات اللحظات التي تهادى فيها الخطر الشيوعي داخل الحضارة الغربية..
وعن هذه الحقيقة تتحدث مجلة "شؤون دولية" فتقول:
"لقد شعر الكثيرون بالحاجة إلى اكتشاف تهديد يحل محل التهديد السوفييتي.. وبالنسبة إلى هذا الغرض، فإن الإسلام جاهز في المتناول.. فالإسلام من بين الثقافات الموجودة في الجنوب هو الهدف المباشر للحملة الغربية الجديدة، ليس لسبب سوى أنه الثقافة الوحيدة القادرة على توجيه تحد فعلي وحقيقي لمجتمعات تسودها مذاهب اللاأدرية وفتور الهمة واللامبالاة، وهي آفات من شأنها أن تؤدي إلى هلاك تلك المجتمعات مادياً، فضلاً عن هلاكها المعنوي... ".
إذن.. ها هو الغرب السياسي قد أعلن الحرب على الإسلام.. واتخذه عدواً أحلّه محل الخطر الشيوعي، الذي انهار، وذلك لاستعصاء الإسلام على العلمنة والتهميش.. وبقائه منهاجاً شاملاً للدين والدولة.. والدنيا والآخرة.. والسياسة والقانون والعمران.. وفشل المحاولات الغربية لحصره في المحاريب والشعائر والطقوس والعبادات، وترك دنيا المسلمين وثروات أوطانهم "للقيصر الغربي"!
لقد اتخذوه عدواً، وأعلنوا عليه الحرب، لصموده ممثلاً ومذكياً لثقافة المقاومة وروح الجهاد لتحرير أمة الإسلام، وعالمه وحضارته من الهيمنة الغربية، وفق نموذج ذاتي للتجدد والتجديد، متميز عن النموذج الغربي في الحداثة والتقدم والنهوض.
وعلى جبهة "الغرب الديني" كان التوازي مع "الغرب السياسي" في الموقف من الإسلام.. وكان السعي من قبل النصرانية الغربية لمحاصرة الصحوة الإسلامية ومعاجلتها.. ولتنصير المسلمين، بالاعتماد المتبادل هذه المرة مع الكنائس المحلية الشرقية!!
لقد تحدثت "بروتوكولات قساوسة التنصير" في مؤتمر "كولورادو" عن أن الصحوة الإسلامية قد بلغت شأواً لم تبلغه لعدة قرون مضت، وعن "تحرك جماهير هذه الصحوة لغرض تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر.. وتطبيق الدستور الإسلامي في باكستان"(6).
كما تحدثت هذه "البروتوكولات" عن "أن الإسلام منذ ظهوره في القرن السابع قد مثَّل تحدياً لكنيسة يسوع المسيح"(7).. وعن أن هذا "الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية.. وإن النظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعياً وسياسياً.. إنه حركة دينية معادية للنصرانية.. مخططة تخطيطاً يفوق قدرة البشر!.. ونحن بحاجة إلى مئات المراكز، تؤسس حول العالم، بواسطة النصارى، للتركيز على الإسلام، ليس فقط لخلق، فهم أفضل للإسلام، وللتعامل النصراني مع الإسلام، وإنما لتوصيل ذلك الفهم إلى المنصرين من أجل اختراق الإسلام في صدق ودهاء.. "!! (8).
كما تحدثت هذه "البروتوكولات" عن معالم هذا الدهاء في اختراق الإسلام.. والتي تتمثل ضمن ما تتمثل.. في التنصير من خلال الثقافة الإسلامية.. والمصطلحات الإسلامية.. واستغلال الموروث الإسلامي عن طريق التحريف والتأويل.. فقالت هذه "البروتوكولات":
"إنه من الممكن في بعض الأحوال، الذهاب أبعد فيما يتعلق باستعمال المصطلحات القرآنية، مع إعطاء اهتمام خاص إلى الثقافة الإسلامية، وتكييف اللغة لحروف خاصة، واستعمال قواعد الإملاء القرآنية للأسماء الإنجيلية المعروفة، واستعمال الألقاب التبجيلية والتعبيرات القرآنية، في ترجمة الإنجيل(9)!!.. وذلك وصولاً "إلى المسلمين من أجل المسيح في أساس تأويلات قرآنية.. "(10).. "وبهذه الطريقة تصبح عملية التنصير مثل الخميرة التي تعمل داخل الكيان كله لتمكن الروح النصرانية وتعاليمها من إحداث التغيير الطبيعي"(11).
ولم يقف هذا الانزعاج من صمود الإسلام أمام العلمنة والعلمانية.. والفزع من صحوته.. وتمدده.. لم يقف ذلك عند البروتستانتية الغربية وخاصة الأمريكية... بل شاركتها في ذلك الانزعاج والفزع الكاثوليكية أيضاً.. فتحدث كبار كرادلة الفاتيكان عن الصحوة الإسلامية "التي تفتح أوروبا فتحاً إسلامياً جديداً"!!.. وعن "التحدي الإسلامي" وعن تكاثر المسلمين أمام انقراض الأوروبيين!! فقال الكاردينال "بول بوبار" مساعد بابا الفاتيكان.. ومسؤول المجلس الفاتيكاني للثقافة:
"إن الإسلام يشكل تحدياً بالنسبة لأوروبا وللغرب عموماً، وإن المرء لا يحتاج إلى أن يكون خبيراً ضليعاً كي يلاحظ تفاوتاً بين معدلات النمو السكاني في أنحاء معينة من العالم، ففي البلدان ذات الثقافة المسيحية يتراجع النمو السكاني بشكل تدريجي، بينما يحدث العكس في البلدان الإسلامية النامية، وفي مهد المسيح، يتساءل المسيحيون بقلق عما سيحمله لهم الغد، وعما إذا لم يكن موتهم مبرمجاً بشكل ما؟!
إن التحدي الذي يشكلْه الإسلام يكمن في أنه دين وثقافة ومجتمع وأسلوب حياة وتفكير وتصرف، في حين أن المسيحيين في أوروبا يميلون إلى تهميش الكنيسة أمام المجتمع، ويتناسون الصيام الذي يفرضه عليهم دينهم، وفي الوقت نفسه ينبهرون بصيام المسلمين في شهر رمضان"(12).
كما يتحدث المونسنيور "جوزيبي برنارديني" بحضرة بابا الفاتيكان سنة 1999م عن هذا "الفتح الإسلامي الجديد" لأوروبا!! فيقول:
"إن العالم الإسلامي سبق أن بدأ يبسط سيطرته بفضل دولارات النفط.. وهو يبني المساجد والمراكز الثقافية للمسلمين المهاجرين في الدول المسيحية، بما في ذلك روما عاصمة المسيحية، فكيف يمكننا ألا نرى في ذلك برنامجاً واضحاً للتوسع، وفتحاً جديداً"؟! (13)
إنه الانزعاج والفزع من الإسلام.. وصموده أمام العلمنة.. واستعصائه عليها.. وصحوته وتمدده الذي سموه "فتحاً جديداً لأوروبا والغرب"!
وإنها المعاجلة الغربية لهذه الصحوة الإسلامية، بإعلان الحرب الشاملة على الإسلام دينياً.. وسياسياً.. وإعلامياً.. لمعالجة هذا الخطر الذي سموه في البداية "الخطر الأخضر".. ثم ما لبثوا أن أطلقوا عليه أسماء أخرى، منها "الأصولية" ومنها "الإرهاب"..
وفي إطار هذا المخطط الغربي على الجبهة الدينية لتنصير المسلمين كل المسلمين! جاء الحديث عن المتغير الجوهري والجديد الذي رسمته النصرانية الغربية للكنائس المحلية الشرقية، في عملية تنصير المسلمين، مخطط التنصير للمسلمين بالاعتماد المتبادل بين الكنائس الغربية والكنائس الشرقية.. أي إخراج الكنائس الشرقية من "وظيفتها" ومن "انتمائها الشرقي"، وتوظيفها من قبل النصرانية الغربية في عملية تنصير المسلمين!.. وعن هذا "المتغير الجوهري والجديد" قالت "بروتوكولات قساوسة التنصير" الأمريكان في مؤتمر "كولورادو":
"إنه على مديري إرساليات أمريكا الشمالية والقادة المنصرين الآخرين أن يكتشفوا ويوطدوا أساليب جديدة للتعاون والمشاركة مع كنائس العالم الثالث وعملها المنظم للوصول إلى المسلمين، لقد وطدنا العزم على العمل بالاهتمام المتبادل مع كل النصارى والكنائس الموجودة في العالم الإسلامي.. إن نصارى البروتستانت في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا منهمكون بصورة عميقة في عملية تنصير المسلمين.. ويجب أن تخرج الكنائس القومية من عزلتها وتقتحم بعزم جديد ثقافات ومجتمعات المسلمين الذين نسعى إلى تنصيرهم.. وعلى المواطنين النصارى في البلدان الإسلامية وإرساليات التنصير الأجنبية العمل معه بروح تامة، من أجل الاعتماد المتبادل والتعاون المشترك لتنصير المسلمين.. إذ يجب أن يتم كسب المسلمين عن طريق منصرين مقبولين داخل مجتمعاتهم.. ويُفضل النصارى العرب في عملية التنصير.. إن تنصير هذه البلاد سوف يتم من خلال النصارى المنتمين إلى الكنيسة المحلية... "(14)!!
هكذا تم التخطيط النصراني الغربي لغواية الكنائس الشرقية، وتوظيفها في المخطط الغربي لتنصير المسلمين.. كما سبق وخطط الغرب السياسي لغواية العلمانيين الشرقيين وتوظيفهم في عملية تغريب الأمة الإسلامية.. بهدف كسر شوكة الإسلام، وتحقيق التبعية الحضارية في عالم الإسلام للمركز الحضاري الغربي!!..
وفي إطار هذا المخطط.. المكتوب والمعلن.. يجب أن نرى "ظاهرة القمص زكريا بطرس".. قمص الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وجهوده الساعية إلى تنصير المسلمين، من خلال حلقاته التلفازية، وجهود غيره من المنصِّرين.. وأن نسأل أنفسنا:
ماذا نحن فاعلون؟!
الهوامش
(1) (تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الإسلامي) ص 201 220، ترجمة ودراسة: د. عمر صابر عبدالجليل، طبعة القاهرة دار عين، سنة 2000م.
(2) المصدر السابق، ص 220.
(3) د. صبري أبوالخير سليم: تاريخ مصر في العصر البيزنطي، ص 62، طبعة القاهرة، دار عين، سنة 2001م.
(4) المرجع السابق، ص 194.
(5) يعقوب نخلة روفيلة: تاريخ الأمة القبطية ص 54 57، تقديم: د. جودت جبرة، الطبعة الثانية القاهرة مؤسسة مار مرقس لدراسة التاريخ، سنة 2000م.
(6) التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي ص 8، طبعة مالطا، سنة 1991م.
(7) المصدر السابق، ص 329.
(8) المصدر السابق، ص 123.
(9) المصدر السابق، ص 551.
(10) المصدر السابق، ص 815.
(11) المصدر السابق، ص 595، 596.
(12) من حديث إلى صحيفة "الفيجارو" الفرنسية نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط" لندن في 1-10-1999م.
(13) صحيفة "الشرق الأوسط" لندن في 13-10-1999م.
(14) التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي ص 4، 5، 53، 56، 383، 627، 630، 790، 845.