أوراق ومراجعات العمل الإسلامي بالسودان

وليد الطيب*

 

الثنائية الأولى: بين التنظيم والمجتمع

بدأ العمل الإسلامي في السودان في عصر ما بعد المهدية مع دخول حركة الإخوان المسلمين السودان، علي يد الطلاب السودانيين القادمين من مصر واتصالهم بالشبيبة المتدينة في المدارس الثانوية وجامعة الخرطوم؛أواسط الأربعينات من القرن الماضي ثم أًُعلن التنظيم رسمياً بعد مؤتمر العيد 1954م، وقد كان تنظيماً رائداً في الولوج بالعمل الإسلامي إلي ميادين جديدة؛تتجاوز العلاقة الصوفية النمطية القائمة علي ثنائية (الشيخ /المريد) بين المنتمين إليه، فقد انتقل إلى الأندية الثقافية كنادي أم درمان الثقافي وإلى ميادين الإعلام الحديثة الصحافة, وامتد انفتاحه ليصل النقابات والاتحادات المهنية والمشاركة السياسية وتكوين الجبهات. وظلت الريادة والمبادرة الإسلامية للتنظيم الحركي وهذه الريادة نقلت العلاقة النمطية الصوفية الشيخ/المريد من إطارها الفردي المعروف إلي نطاق أشمل ولتصبح هي القانون الحاكم للوشيجة الجامعة بين التنظيم والمجتمع؛ فأصبح التنظيم هو(الشيخ/الرائد) والمجتمع هو (المريد/اللاحق)، أصبح المجتمع مريداً بكل ما في مصطلح المريد الصوفي من سلبية وانتظار للأمر المشيخي، وظلت هذه العلاقة علي هذه الوتيرة حتى منتصف التسعينيات، لكن بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية التي كانت تمور لعقد من الزمان في أحشاء المجتمع السوداني؛ جعل من الحالة الإسلامية ظاهرة مجتمعية شاملة؛ فلم تعد المساجد قاصرة على أبناء الحركات الإسلامية والطرق الصوفية وكبار السن كما كانت بل تفيض بالناس الذين لا ينسق وجودهم في الصلوات والدروس جماعة ما، كما كان الأمر قبل عقدين من الزمان، والأمر نفسه ينطبق على رحلات الحج والعمرة, وأسابيع الحجاب وسوق الكاسيت, ومعارض الكتاب، و انتقال المجتمع من دور التابع للتنظيمات والمستقبل إلى صاحب مبادرة ذاتية، و تحوّل هذه العلاقة جعل المجتمعات تتوازي وتتزامن مع الحركات في استجابتها الدعوية وكذلك جعل المجتمع شريكاً للحركة في الواجب والرسالة والوسيلة الدعوية، وقد أثّر علي الحركات الإسلامية السودانية في انتماء الشباب إليها والانخراط في برامجها، وهذا الوضع يُلزم الحركة الإسلامية بتجديد طبيعة التنظيم ومفهوم الانتماء والهدف الذي يسعى إليه....

فيما يتعلق بطبيعة التنظيم تلح أسئلة كثيرة: هل مازال التنظيم الهرمي، القائم على عدة مستويات تنظيمية، وتضبطها قيم الطاعة الصارمة والانضباط التام، هل هذا الشكل ما يزال صالحاً للتعاطي مع التحولات الجديدة أم هناك صيغ أخرى أكثر انسجاماً مع مجتمعٍٍ عمته الظاهرة الإسلامية وأصبح يتفاعل معها دون وسيط؟ وهل الإصرار علي الانتماء بمفهوم التقليدي مع ملاحظة نفور الشباب من الالتزام التنظيمي- هو الأجدى أم يتحاج أيضاً لتجديدٍ في فكرته وأبعاده, وهل تصلح نوعية الارتباط العضوي الجديد، الذي قبله الشباب المعاصر، كصيغة مقبولة في العمل الإسلامي؟ وهل يؤيد ذلك ما نراه من إقبالٍ الكبير للشباب على الانتساب لمنتديات (الأنترنتية) والتي تقوم على الإسهام الايجابي فيها دون اشتراط معرفة الهوية الحقيقية للمساهم ولا تحرج عليه في التعامل الانتقائي مع المنتدى ولا في الانتساب لمنتديات أخري؟

ولعل أخطر ما يواجه الحركات الإسلامية الآن، تشاركها مع المجتمع في القيام بوظيفة واحدة وفي ميدان واحد (وهو المجتمع نفسه)، والخطر يتمثل أن الحركة تفقد مشروعية بقائها ككيان قائم والذي قد يترجم إلي خروج الكفاءات الفكرية من الحركة والتعامل المباشر مع المجتمع وكذلك في ضعف انتماء الشباب الذي أشرنا إليه وهذه الحالة تُلزم الحركة بخيارات ليست بكثيرة, فإما أن تحل نفسها بهدوء وتريح المجتمع من تعدد الرايات وتنازع الجماعات بعد أن فقدت ريادتها ووظيفتها، أو تتبنى لنفسها أهدافاً أخرى جديدة غير الدعوة العامة؛ بالتركيز جهدها على قضايا مركزية ما يزال المجتمع يطمح لتحقيقها مثل (رفض التدخل الأجنبي ومقاومته، محاربة الإثنية المسيسة وتأكيد الأخوة الإسلامية بعمق يتجاوز بالناس آثار الحروب والعمل علي إحداث الانصهار القومي الاجتماعي الكامل وتقديم الآلاف النماذج لزيجات المختلطة.. الخ) ولو فعلت ذلك الحركات الإسلامية؛ تكون قد كتبت لنفسها عمراً جديداً واكتسبت مشروعيةً لا تُنازع، أو تتحول هذه الجماعات إن عيت من عظائم الأمور إلي جماعة ضغط (لوبيات) لقضايا مطلبية محددة وخير مثال لها فكرة(منبر السلام العادل)، أو تصيخ سمعها لنداء د. عبدا لرحيم علي، الذي رأي (أن المجتمعات الإنسانية صائرة، في هذا العصر نحو تقليص دور الحكومة وتوسيع دور المجتمع، مع تنسيق بينهما؛فإن الحركة الإسلامية يلائمها أتعتمد أكثر فأكثر على مؤسسات المجتمع المدني وتنشيطها، ونسج أهدافها في نسيج هذه المنظمات، حتى لا يكون الإصلاح الاجتماعي معتمداً على السلطة، التي هي دولة بين الناس).

وتظل قضية العلاقة بين العمل الإسلامي المنظم والمجتمع؛ عاملاً مهماً في قضية الإصلاح التي ينشدها الإسلاميون وكذلك مدخلاً مهماً للقضايا الأخرى.

 

الثنائية الثانية: حماية الدين- حماية الوطن

ما تعرضت الهوية الإسلامية للتشكيك من قبل كما تتعرض له الآن، فقد انطلقت ثورات إثنية /سياسية في الأقاليم؛ جعلت من رفض الهوية العربية كهوية معرّفة للسودان في أعلى عماد أجندته السياسية التي عليها تقاتل، رغم اشتراك تلك الإثنيات مع تيار الثقافة العربية في اللسان الرسمي المعتمد والدين الذين تعتنقانه وهو الإسلام، وتاريخ طويل من التمازج والانصهار الاجتماعي حتى أن البروفيسير عون الشريف قاسم، صاحب(موسوعة القبائل والأنساب في السودان)، قال (ما من بيت سوداني إلا ولهم حبوبة (جَدَّة) من دارفور)، ورغم ذلك تدعو بعض القبائل هناك إلى إضعاف العربية عبر المطالبة بتنمية اللغات المحلية كلغات للتعليم، حتى أضحت الدعوة إلى الهوية العربية مهدداً جديداً للوحدة!

ورفض العربية كهوية وثقافة جامعة لأهل السودان دعوة مبطنة لرفض الإسلام كدين، ورابطة قومية. إصرار الإسلاميين على الدعوة الصريحة ل(سودان عربي) صريح قد تصبح منجلاً يحصد كل سوق الوحدة الوطنية، وقد يرى البعض أن انفصال الجنوب مقدمة أولى لهذا السودان المطلوب ولكن الأمر غير ذلك كما سنرى في الثنائية القادمة والتي هي بعنوان (الوحدة الانفصال).

وهذا مفترق الطرق بين قضايا لم تكن بالأمس تواجه العمل الإسلامي بل كانت أصلاً مشتركاً بين أبناء السودان وبين تلك التي تبرز اليوم وكأنها القاصم لظهر البلد والناثر لعقده، وهي ما يقتضي بالعمل الإسلامي من مراجعة لقضاياه بما يتفق والشريعة ومبادئ الإسلام والسيرة النبوية وفقهها، وصولاً لإنجاز رؤية فكرية واعية بلحظتها التاريخية وواقعها المادي الاجتماعي؛ يتأسس على هَديها خطاب إسلامي راشد، يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، يدعو للسلم والصالحة وينأى عن العنف والمسالحة، رؤية توازن بين حماية الدين وشرائعه من التبديل والتمييع وبين حماية البلد والمجتمع السودان من التمزق والتآكل الذاتي.

من معالم هذه المراجعة المطلوبة - في هذه المرحلة - لحسم هذه الثنائية وتوحيدها في نهر واحد، تجعل الدين هاديا للمجتمع ونسيجاً ضاماً لأعضائه، وتجعل من الوطن معززاً لرسالة السماء وناصراً لها:

 

(1) تأكيد الموقف الإسلامي من قضية الوطن والانتماء إليه، واعتبار إبقائه موحداً متصالحةً قومياته، من الثوابت والأهداف الكبرى للعمل الإسلامي، وصياغة مشروع إسلامي سياسي واجتماعي؛ لخدمة هذه الرؤية.

(2) بناء خطاب إسلامي، يقوم على الدعوة للإسلام عقيدةً وهويةً، ويبتعد مرحلياً عن الدعوة لعروبة السودان، والتي أصبح يُفهم منها أنها تعلي شأن العنصر (العربي) على العنصر (غير العربي) وجنس على جنس، وأن يبتعد عن كل ما يصم العمل الإسلامي بأنه حركة إثنية (عربية) تتخذ من الدين ستاراً لأجندتها السياسية الإقصائية.

(3) ويمثل الموقف من النظام القائم مسألة مهمة في هذا الإطار، ولابد أن يتمايز العمل الإسلامي عن هذا النظام تماماً وألا يربط مصيره بمصير النظام، فإن الله لم يكل دينه لقوة أرضية ولا نظام حاكم، والله عاصم دينه من الناس، وهذا التمايز تقتضيه الاتهامات الموجهة للنظام بإبادات عرقية وتطهير لمجموعات سكانية والانحياز للمجموعات العربية، وغير بعيد أن تثبت المحكمة الدولية هذه التهم، وعدم التمايز يجعل العمل الإسلامي شريكاً في الجريمة، ولا ندعو لتمايز اعتباطي ساذج ولكننا نريده تمايزاً يقوم على رؤية وفكرة مقايسة؛ بالمصالح الشرعية جلباً وتكميلاً وبالمفاسد درءاً وتقليلاً، وتبنى على مآلات الأعمال والمواقف والأعمال بالخواتيم وحسن الخاتمة مطلوب للأمم والشعوب كما هو مطلوب للأفراد.

(4) وكذلك لابد للعمل الإسلامي من مواجهة شجاعة مع الذات حول تطبيق الشريعة في السودان الآن، ولنبدأ بطرح هذه الأسئلة علي أنفسنا: هل باستطاعتنا أن نحكم بالشريعة الآن؟ ولنطرح سؤال د. جعفر شيخ إدريس في مؤتمر الحسبة: هل المجتمع السوداني له قابلية الآن- لأن يُحكم بالشريعة مهما تعرض للضغوط (الجوع ونقص الأنفس والثمرات)؟ وهل يقبل مجتمعنا الممزق الآن المتباين حول كل شئ، بالدعوة لتطبيق الشريعة وعلي أي نموذج تقاس الدعوة أهي علي النموذج القائم الآن؟ وإن كان الإجابة لا، فما هو النموذج المطلوب، ملامحه وبرامجه؟ أم هي شعارات وهل يقبل المجتمع منا شعارات الآن؟ وهل المرحلة هي مرحلة تطبيق الشريعة/الدولة الإسلامية أم هي مرحلة طبيعتها بناء دولة وطنية متماسكة، تتعدد فيها المراكز الثقافية وتطبيق الشريعة مرحلة تبنى عليها؟

من السهل أن يحدث الإسلاميين الناس من على المنابر بمفاهيم الولاء والبراء في الإسلام ولكن لابد علينا جميعاً التفكير بعمق، وهو جهد عسير ليس كالأول؛ في كيفية حماية هذا الوطن؛لأنه لا مكان للشريعة ومفاهيم الولاء والبراء في أرض تحترق وشعب يحترب ووطن يتمزق!

 

الثنائية الثالثة: الوحدة - الانفصال

رغم أن الانفصال التام لجنوب السودان عن شماله، يغري الإسلاميين بإمكانية قيام دولة الشريعة الخالية من غير المسلمين، والدولة العربية اللسان لساناً وثقافةَ، دولة تتحقق فيها وحدة الدين وتجانس الثقافة، وحلم تطبيق الشريعة يغري صاحبه بالتوغل في اتجاه العمل لتحقيق الانفصال والدعوة إليه؛ غياب دولة الشريعة عن حياة المسلم المعاصر يثير في نفسه عاطفةُ تسبق العقل أحياناً، فانفصال الجنوب لا يعني بالضرورة قيام دولة الشريعة، فالجنوب لم يكن عقبة أمام تطبيق الشريعة بل العقبة الكأداء كانت السياسيين الشماليين، كانوا هم الصخرة التي تتكسر عندها الدعوات. ودوننا باكستان تلك الدولة التي انفصلت من أجل عقيدة وعلى أساس عقيدة عن هنادك الهند، قبل ستين عاماً وكل عامٍ يمر وتبتعد باكستان عن تطبيق الشريعة أكثر، وباكستان أعراقها متشابهة، ودينها واحد بل تتفق حتى في المذهب الفقهي، فهم علي مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد يقول قائل السودان الشمالي هو أشبه بدول الجزيرة العربية ولكن الحقيقة التي لا تخفى علي أحد أنه ملئ بالتوترات التي قد تمتد آثارها إلي عشرات السنين كما نري في دارفور(5مليون نسمة) والشرق (2مليون مواطن) وجبال النوبة وأضف إليها توترات النيل الأزرق، فلم يبق من الشمال إلا محور(حلفا سنار- كردفان) يشعر بنوع من التجانس العرقي وهو محور تتفوق الأحزاب السياسية فيه على الحركات الإسلامية العلمانية، تاريخياً.

بالإضافة إلى أن انفصال الجنوب يغري تلك الأقاليم الشمالية متصارعة مع المركز بالانفصال وعلى الأقل قيام حركات انفصالية هناك تنتهي بدعاة الإسلام إلى مناهضتها وحمل السلاح في وجهها باعتبارها خارجة عن سلطان الدولة الإسلامية ومعادية للشريعة كما حدث في الأندلس في أيام ملوك الطوائف وفي سودان المهدية أواخر حكم عبد الله التعايشي وما من دولة أصبح هذا حالها إلا كان أمرها إلى زوال.

ويكفي ترجيح الوحدة مهما كانت جسامة التضحيات؛تلك الرسالة الشائهة التي يفدها انفصال الجنوب وهي أن الإسلام لا يمكن أن يتعايش مع غيره من الأديان ولا يصلح كنظام حكم تتعدد أديان شعبه، وخاصة بعد أن رأى الناس نموذج انفصال تيمور الشرقية وقد تجعل الناس ينظرون للمسلمين كسياسيين أسوأ من رجالات نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث استطاع ذلك النظام العنصري حل مشكلات شعبه دون تمزيق الدولة وإسقاطها.

 

الوحدة ثمنها عزيز أدناه الرجوع إلى نقطة الصفر على أحسن الفروض وبناء ثقة الشعب في الإسلام ونظامه السياسي ومنظومته القيمية واحتمال الأذى وتدمير المشاريع الدعوية والمدنية بجلد يليق بالذين يختارون الحلول الصحيحة العسيرة كما الأنبياء - عليهم السلام -، ويقتضي توجّه الوحدة لإعداد خطاب إسلامي يراعي المرحلة؛سمته الأساسية، أنه خطاب دعاة هداة يجعل همّه الأول كسب القلوب وليس ربح المواقف ويحسن الحصر والتقييد وينأى عن الإطلاق والتعميم حتى أنه من فرط التزامه بمهمته الرئيسية لا يتجاوز في دعائه بهلاك الظالمين إلي هلاك عامة اليهود والنصارى والتي لم تؤثر عن مرشد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما أعلم.

ولابد من أعداد ملتقيات للحوار الجامع الذي يقوم علي المبدئية الصارمة ينتهي بأهل البلد إلى ميثاق يجعل الوحدة تقوم على مبادئ راسخة.

 

http://www.meshkat.net             المصدر: