المواجهة المرتقبة بين السودان وأمريكا

محمد حسن طنون/ الخرطوم

 

عمر البشير

عندما يرفض السودانيون بإصرار وعلى رأسهم الرئيس عمر حسن أحمد البشير دخول قوات الأمم المتحدة لدارفور، فإنهم محقون في هذا الرفض القاطع؛ فهم يتذكرون معركة "كرري" الشهيرة التي وقعت في شمال أم درمان في سبتمبر 1898م، وحصدت فيها أسلحة الإنجليز المتطورة المجاهدين في وحشية ضارية.

لقد كان السودان يومئذ مسلماً خالصاً لم يكن فيه مسيحي واحد من أهل السودان الأصليين، وكان هناك عدد قليل من الأقباط المصريين الذين جاءوا إلى السودان للتجارة أو من المماليك.

 

وكانت الشريعة الإسلامية هي الحاكمة في عهد المهدية، ولكن خديوي مصر استنجد بالإنجليز لغزو السودان واستعادة سلطانه المتهالك.

لقد ألّف تشرشل الذي كان مشاركاً في الحملة عندما كان عمره خمسة وعشرون عاماً كتاباً سماه "حرب النهر" قال فيه: "وهكذا انتهت معركة أم درمان أكبر إشارة لانتصار العِلْم على البربرية في زمن قدره خمس ساعات من الساعة السادسة إلى الساعة الحادية عشرة صباحاً تم القضاء على أكبر قوة وحشية تواجه قوة أوروبية، وتم تشتيتها بدون صعوبة مع مخاطر صغيرة نسبياً وخسائر لا تذكر للمنتصرين". وهكذا العقلية الاستعمارية لم تتغير في أي عصر فالمدافعون عن أوطانهم في مواجهة الاستعمار ووحشيته هم من يتصفون بالوحشية والبربرية!!

 

الرفض السوداني

واليوم..يرفض السودانيون القوات الأممية حتى لا تتكرر المأساة التي لا تنسى، فدخول القوات الإنجليزية السودان قديماً بالحجج نفسها والذرائع أدى إلى استعمار السودان ومصر، مما أفسح المجال لجحافل المنصّرين الذين أغلقوا الجنوب عام 1922م أمام الشماليين، ونصَّروا بعضاً من المسلمين الجنوبيين والوثنيين، وبذروا بذور الفتنة التي اكتوى السودان بنارها أكثر من نصف قرن.

 

المنصرون سلاح تمزيق السودان

المشهد نفسه يتكرر اليوم.. المنصِّرون يصولون ويجولون بين معسكرات النازحين ليؤدوا المهمة نفسها التي أداها أسلافهم في الجنوب. إنهم يبدون تعاطفاً مستغرباً مع أهل دار فور المسلمين من أصل إفريقي؛ لإيقاظ النعرات العنصرية الجاهلية هناك والمناداة بإنقاذ الزنوج من العرب لإثارة فتن شتى لتحقيق هدفهم المنشود وهو تمزيق الأمة الإسلامية وتوسيع الفجوات بين شعوبها، مستغلين امتلاكهم ناصية المال والإعلام في العالم.

حجة المستعمرين الجدد أن قوات الاتحاد الإفريقي تفتقر إلى التمويل المالي، وجملة تكلفة التمويل لهذه القوات قرابة نصف مليار دولار للعام الواحد على أساس أن الجندي الواحد يكلف 120 دولاراً في اليوم.

 

إفشال مهمة الاتحاد الإفريقي

وقد أحجم المجتمع الدولي عن الوفاء بالعهد الذي قطعه لبرنامج الغذاء العالمي وقلّت المساعدات الغذائية التي كان يقدمها للنازحين، وما يصل لهؤلاء المساكين لا يتعدى 20% من جملة المساعدات وال80% الباقية تدخل في جيوب الإداريين من موظفي الأمم المتحدة.

واستنجدت القوات الإفريقية بالحكومة السودانية فلبت طلبها من المخزون الإستراتيجي وأنقذت الموقف.

الأمم المتحدة تأتي بعد أن قلّلت المساعدات لا لتحقيق تسوية سياسية تحقق الأمن والاستقرار، ولتبشر أهل السودان بقدوم جيش جرار لا يعرف إلا الله مهمته ودوافعه.

وإن كان الرئيس البشير قال بصرامة: إن الأمم المتحدة تخفي أجندة وراء قرار مجلس الأمن رقم (1706) الداعي لنشر قوات دولية بدارفور، ولا تريد الاستقرار بدارفور بإخفائها للحقائق في الإقليم وتسويق المعلومات الكاذبة".

وتساءل الرئيس البشير: إن كانت حجة إنهاء دور الاتحاد الإفريقي هي التمويل فلماذا تنقل قواته إلى الصومال، في الوقت الذي تعهدت فيه الجامعة العربية بالتمويل لمدة ستة أشهر حتى نهاية العام؟!

 

أطماع اقتصادية غربية

أما الرئيس الجامبي فقد دحض حجة الاتحاد الإفريقي في عدم قدرته على القيام بمهمته في دار فور، وقال: إن قوات المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكوموكو) وحدها استطاعت فض النزاع بين سيراليون وليبيريا، نافياً أن يكون التمويل هو المشكلة، وتساءل الرئيس الجامبي عن الجهة التي فجرت مشكلة دارفور، وقال: إن هذه المشكلة لم تتخذ أبعادها الحالية إلا بعد الحديث عن وجود النفط واليورانيوم في المنطقة.

وإذا كان التمويل هو العقبة أمام المجتمع الدولي، فمن أين يأتي بتمويل قوات الأمم المتحدة التي تقدر تكلفتها بملياري دولار؟!!

والسودانيون عموماً يتوجسون خيفة من القوات الدولية، لكن للأسف فإن زعماء الأحزاب المعارضة كالصادق المهدي وحسن الترابي وزعيم الحزب الشيوعي ونائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي يؤيدون استقدام القوات الأجنبية، ولقد أحدث هذا الموقف انشقاقاً خطيراً في تلك الأحزاب لا سيما المؤتمر الشعبي الذي انسلخت منه بعض القيادات المؤثرة بسبب هذا الموقف.

وهؤلاء الزعماء لم يقدموا شيئاً لدارفور لا مادياً ولا معنوياً لحل الأزمة الوطنية على مدى ثلاث سنوات سوى توظيف المعاناة سياسياً.

لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلاً أمام إصرار أمريكا وبريطانيا على نشر القوات لمآرب خاصة، ورفض الحكومة القاطع مع الاستعداد للمواجهة.

 

http://www.almujtamaa-mag.com                       المصدر: