حتى لا ننسى: جون قرنق الوجه الآخر
وليد الطيب
تسابقت أقلام الكُتاب في الخرطوم في تمجيد د.جون قرنق في ذكرى وفاته الأولى، وكانت الصورة التي ترسمها تلك الأقلام حسناء لا تُضاهى في جمالها، بيضاء لا يخالط السواد بريقها، وهذا التمجيد هو عادة سودانية صميمة؛ فما زال السودانيون يمارسون السياسية والكتابة بسودانييتهم؛ حتى إنها لتغلب المهنية والموضوعية أحيانا كثيرة، وهذه العادة يتساوى فيها (الهِتِّيفة) في الأسواق مع الكُتّاب في منابر التنوير والتوجيه؛ كما سمعنا ونحن أطفال (الجنيه أبو عمة شرطوه؛ سوّى ليّ الحمى قطعوه.. يا بثينة حمارك عينة).. ولم تمض سنوات قلائل حتى خرج ذات الهِتِّيفة يصرخون: (عائد عائد يا نميري)!!؛ كما خرج أسلافهم بالأمس: (ضيعناك يا عبود، ضيعناك وضعنا معاك)!!..
فما من سياسي كتب إلا وذكر موقفا طريفا لقرنق تشرف بحضوره، أو كان أحد أبطاله؛ وكأن ذلك جواز مرور، وشهادة حسن سير وسلوك!!؛ وهل جهل السودانيون أن النكتة (القرنية) - نسبة إلى قرنق - ما هي إلا أسلوب من أساليب خداعة التاريخية!!..
وحتى لا يزعم زاعم أننا نفتري عليه فهو نفسه يعترف بذلك؛ كما في سرده لتخطيطه للتمرد أن كان طوال الشهور السابقة للتمرد يتقرب من كبار الضباط بالنكتة المضحكة، والتعليق الساخر؛ مع تأدب، وحسن سيرة؛ حتى يعّمي بذلك على رجال الاستخبارات، ويسقط قيمتها عند الضباط الكبار بأن يقولوا: (جون دا ولد ظريف، وكويس؛ وما ممكن يعمل كدا)!!.. كما أوردت مجلة الزمن السودانية في سردها لتلك الأحداث.. فماذا يمنع قرنق أن يستخدم ذات الأسلوب مع مولانا محمد عثمان، والسيد الصادق، والأستاذ عبد الرسول النور القائد الفارس؛ ما دام السودانيون تخدرهم النكتة؟!..
* قرنق الذي لا يرحم:
ما زالت دفاتر الثوار الجنوبيين تحفظ أسماء القادة الذين قضوا بأوامر من قرنق؛ رغم أن بعضهم من مؤسسي الحركة؛ فأين وليم نون الآن، وصموئيل قاي توت، ومارتن قاي، ووليم نيون يانق، ووليم شول دينق؟!..
وقد خاض قرنق حربا ضروسا؛ كما كتب د. مصعب الطيب في قراءات إفريقية العدد الأول ضد المجموعات العرقية التي تخالف الرأي؛ فقد قاتل النوير طوال الفترة من 1983-1989م، وحارب المورلى، والتبوسا، والمورو؛ حتى إن أحد أعضاء مجلس الشعب الإقليمي للجنوب - عقب توقيع اتفاقية أديس أبابا 1973م قال: (قد قاتل السودانيون 50 عاما لإنهاء الاستعمار البريطاني، و17سنة للتحرر من هيمنة الشماليين، وسيحتاجون إلى 100 للتخلص من سيطرة قبيلة الدينكا)؛ التي وضعها عليهم قرنق، وظل قرنق يلقن تلاميذه التعاليم البربرية: (عليكم أن تعيشوا من أفواه بنادقكم، الغذاء والزوجة والممتلكات أين ما تجدونها فهي لكم)!!..
أما وأد طفولة الصبيان فقد قدمت الحركة الشعبية بقيادة قرنق أسوء النماذج له؛ فقد اختطفت الأطفال، وجندت الصغار في سنهم، وكلفتهم خوض حرب ضروس لا يدرون لماذا قامت؟ ولا إلى أيّ برٍّ سترسي؟!..
والحركة لا تستحيي أن تعلن تسريح أؤلئك الصغار الآن دون التزام سياسي وأخلاقي بتأهيلهم نفسيا لممارسة الحياة المدنية، وتعويضهم عن الحرمان من التعليم والصحة طوال تلك السنوات؛ ولكن لا أحد ينتصر لهؤلاء!!.. إلا أن نكات قرنق تعمي العيون عن الحقائق!!.. وإلا فما معنى الصمت عن اغتيال براءة أكثر من خمسة آلاف طفل جندوا (استعبدوا) بواسطة الجيش الشعبي؟! وهل الثورات المطلبية تبرر هذه الجرائم الموجهة ضد الإنسانية؟!.. اللهم لا..
* قرنق مثير الفتنة:
يكرر أهل السودان الكلمة الحكيمة (الفتنة نائمة؛ لعن الله من أيقظها)، والفتنة كانت نائمة في دار فور ملء جفونها، وجاء قرنق وألّب بُولاد، ومدّه بالسلاح، وعلا صوت سلاح قرنق، وقواته أيقظت الفتنة في دارفور مذعورة؛ تأكل كل شيء أو تركته كالصريم؛ فخربت البيوت، وأفسدت إنسان دارفور؛ إنسان القرآن، وعرفت دارفور ولأول مرة اغتصاب النساء بفضل قرنق، وفقدت دارفور أكثر من ثلاثين ألف قتيل حسب تقديرات مناوي..
وفي الشرق كانت الفتنة نائمة وأيقظها قرنق..
والنيل الأزرق كان مطمئنا إلى قرار وجاء قرنق وأسمعه صوت الرصاص، وأذاقه طعم الموت والدمار.. ولك أن تحدث عن جبال النوبة، وأبييي
*الذي دمر الجنوب:
بينما ينعم أبناء قرنق بالدراسة في أوربا يهيم أبناء الجنوب على وجوههم في شوارع رومبيك - مقر الحركة - الخربة، وعلى أحسن الأحوال ينزحون إلى الشمال الذي تقاتله الحركة؛ ليواجهوا واقعا مختلفا عما تركوه في الجنوب؛ حيث هنا توجد مدنية وحياة حديثة لم يألفوها في الجنوب، وهذا الوضع جعل حتى الصف الأول من الحركة لا يحسن التعامل مع السلطة؛ بل ولا يعرف أبسط مقومات الاتصال بها؛ ناهيك عن إدارتها.. كما في التقرير الذي نشرته رويترز: (هناك وزير لم يسبق له أن قرأ خبرا من ثلاثة أسطر طوال العشرين سنة الماضية - وهي سنوات تمرد قرنق - وقراءته لفقرة واحدة بصوت مسموع تحتاج إلى عشر دقائق)!!..
يقول عديل محمد موسى - الموظف بوزارة العدل بمدينة ملكال؛ والذي يجلس وحيدا محاطا بأكوام من الأوراق؛ تمنعه مشادات الجيران بسبب الغسيل من مزاولة عمله داخل كوخ متهالك يسمي مبني وزارة العدل - يقول عديل: (سنحتاج إلى الجنوبيين النازحين بالشمال، واللاجئين بالخارج، ولكن لن يعودوا!!.. لا يمكننا اجتذابهم؛ فإنه لا توجد منازل لائقة، وطرق معبدة، بل ولا مقاعد يجلسون عليها!!.. نريد أناسا يطورون الجنوب؛ ولن يعودوا إلا بعد إحداث التنمية!!.. ومع هذا الواقع المزري لا أدري كيف تحدث تنمية؟!.. إنها دائرة مفرغة!!.. ومشكلة التأهيل تواجه حتى أعضاء البرلمان الـ 48؛ حيث إن كثيرا منهم لم يعملوا في مؤسسة حكومية قط، وبعضهم أُمِّيٌّ؛ لا يحسن القراءة، ولا يجيد الكتابة؛ بل منهم من لم ير جهاز كمبيوتر طوال حياته)!!..
هل نسي السودانيون وعيد قرنق بأنه سيلقي بالعرب في الصحراء التي جاؤوا منها، أم أننا نعامله بقاعدة اذكروا محاسن موتاكم؛ التي على ضوءها جعله بعض الكتاب من عصافير الجنة البريئة!!.